ثقافة المقال

ثلاثة أعوام على انبثاقها:القصيدة التفاعلية – الرقمية

حين تكون الريادة استباقا مزدوجا!!

ناظم السعود*

حين أتملّى جيداً التجربة التي تمر هذه الأيام الذكرى الثالثة لانبثاقها في الشعرية العراقية والعربية ( أي القصيدة التفاعلية الرقمية ) فأنا أدرك إننا إزاء مجموعة من الخطابات أو الإنجازات : أولها إننا إزاء ( تحدٍ ناجح ) فالمبدع العراقي متمثلاً بالشاعر مشتاق عباس معن لم يقف إزاء استقبال تجربة وافدة من الغرب وتمثلها وأعاد إنتاجها ( كما تفعل كثير من الاستجابات النمطية ) ولكنه فضّل الدخول في دائرة الفعل والإبداع لا الاتباع وهكذا قرأنا تجربته المبهرة (وأقصد بذلك مجموعته الشعرية التفاعلية – الرقمية

: تباريح رقمية لسيرة بعضها أزرق  ) لتكون التجربة التفاعلية الأولى ليس عربياً فحسب وإنما هي الأولى باللغة العربية في العالم كلّه وهذا أمر لافت على مستوى الاستقبال الإبداعي وكيف أن المبدع الشاب هنا أحال الاستقبال إلى تجربة تأسيسية غير مسبوقة.

وثانيهما أن هذه التجربة ( المشتاقية ) إذا صحّ التنسيب شكّلت ما أسميه (الريادة المزدوجة) _ ومن البديهي ان كل ريادة هي استباق: إما أن يكون زمنيا أو فنيا _  ولكن شاعرنا مشتاق عباس معن حقق الريادة المزدوجة: زمنياً وفنياً في الآن ذاته لم يناظر شعرياً ( حتى يومنا هذا ) كما لم يسبقه أحد زمنياً وهذا ما أكدت عليه عشرات الدراسات التنظيرية والتطبيقية التي قاربت تجربته الفذّة.

وثالثهما أن التأسيس الريادي الذي جاء به الشاعر مشتاق عباس أُنتج في أرض غير مهيّأة لهذا الغرس ولسبب بسيط أن حاضن التجربة ( وهو هنا يتمثل بالحاسوب ) غير شائع أو مطوّع عربياً لاستقبال وإنتاج تجارب إبداعية طليعية فمن الغرابة أن ينهض مبدع عراقي شاب بالانتفاع من منظومة علمية لتسويق تجربة إبداعية لا توأم لها.

إضافة إلى كل هذا فإن المرحلة الزمنية التي انبثق خلالها هذا الجنس الإبداعي المتولد ( لاسيما في المتاهة العراقية ) إنما تُشكل مرحلة هلامية وضبابية لا تشجع على الإبداع بفعل آلاف المهيمنات والتابوات والاسقاطات التي تجهض الحياة الإنسانية ( بله الحياة الإبداعية ) ثم أن حداثة هذه التجربة على المستوى العالمي تلهب الخيال كيف أن المبدع العراقي مهيّأ لدغم المشروع الزمني بالإبداع وإذا علمنا مثلا أن أول تجربة في العالم للقصيدة الرقمية التفاعلية ظهرت في أمريكا على يد الشاعر روبرت كاندل الذي طرح مجموعته الرائدة عام 1990 وإن الشاعر العراقي مشتاق عباس معن أصدر مجموعته الرائدة عربياً تحت عنوان (تباريح رقمية لسيرة بعضها أزرق ) سنة 2007 على قرص مدمج ( CD-ROM ) ومن ثمة على شبكة الانترنت في العام نفسه ، إذا علمنا كل ذلك فإننا إزاء فعل اختزالي قام به المبدع العراقي الذي اختزل ما وصل إليه العقل الغربي في سبعة عشر عاماً بمعنى أن الفجوة الحضارية لم تعد بتلك الهوّة الواسعة طالما أن العقل العراقي استطاع أن يشغل تلك الفاصلة بأداء إبداعي استباقي.

وفي هذا الشهر، تموز / يوليو  ،الذي نحتفي به بهذه التجربة الريادية الإبداعية يختزل مستوى الاستقبال مع كل الريادات السابقة : فالمبدع مشتاق عباس معن طرح تجربته هذه في شهر تموز من عام 2007 ولاشك أن الجميع يتذكرون أن في ذلك الشهر من تلك السنة رحلت الشاعرة العراقية الرائدة نازك الملائكة بمعنى أننا استقبلنا مرحلة ريادية جديدة وودعنا في  الشهر ذاته مرحلة ريادية سابقة  فكأننا ( ربما من حيث لا نعلم أو بحكم مهيمنات اللاشعور) نعلن احتفاءنا بالجديد في مناسبات الراحلين وهذه المفارقة القدرية والبشرية معاً نفصح عن كيفية الولادة من لجج الأفول والغياب ، كما أنها من جانب آخر تؤشر على مستوى التواصل الإبداعي بين حلقات الريادة التي توشحت بحروف عراقية.

ومن المؤكد أن القصيدة التفاعلية الرقمية التي نخص الحديث عنها هنا هي تجربة جديدة في كل شيء وسيطول الكلام عنها ويتعمق كلما أزيح الظلام أكثر من العقل العربي وتقرب هذا العقل من السيرة المعاصرة وتعالق بالمنجز العالمي لأنها تجربة تؤشر الحضور في التاريخ وتعلن العلامة في التغيير وحتمية التواصل مع الراهن ، من هنا فهي تجربة تعني الانقطاع والتواصل معاً ، فهي انقطاع عن النمط وتواصل مع  المتغير الحضاري ، كما أنها من جانب آخر تفتح أفقاً للإبداع العربي وحتمية الانتقال من طور إلى طور ، فلا شك أننا إزاء طور جديد اسمه ( الثقافة الرقمية ) وعدم حبس الإبداع العربي في طور آفل اسمه ( الثقافة الورقية) وإذا كان الطور الأول (الرقمي) آخذ بالنماء والتصاعد والانتشار فإن الطور الثاني ( الورقي ) آخذ بحتمية النكوص والاختفاء والأفول وإن حصل ذلك في تباعدات زمنية ولكنها متحصّلة بحكم التاريخ وجريان الزمن.

*كاتب وصحفي عراقي مقيم في العراق

nadhums@yahoo.com

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق