ثقافة المقال

مصر في الرحلة المغاربية (عصر سلاطين المماليك)

حماده عبدالحفيظ الرخ*

تطورت جميع الأنماط الجغرافية في مصر عهد دولة سلاطين المماليك، كالخطط وتقاويم البلدان والرحلات، وفى واقع الأمر قد برع رحالة المغرب والأندلس في مجال الرحلات وما يتعلق بها من معلومات جغرافية بالأساس، لاسيما الحقبة المملوكية على وجه الخصوص، وذلك تماشياً مع إبداعهم في الفترات السابقة حتى أنهم أصبحوا أشهر من طرق هذا المجال.
وأول هؤلاء الرحالة في العصر المملوكي هو العبدرى(ت:بعد عام700هـ/1300م) الذي خرج مع أبيه لتأدية فريضة الحج عام(688هـ/1289م) من شمال افريقيا بالإضافة لزيارة الأماكن المقدسة والاتصال بالمتصوفة والعلماء وهذا هو الهدف الأول من رحلة العبدرى، أما الهدف الثاني فهو رغبته في لقاء العلماء والمشايخ والأخذ عنهم.
تحتوي رحلة العبدري على معلومات جغرافية وتاريخية وأدبية واجتماعية إضافة إلى المعلومات الفقهية، حيث تنوعت مصادر العبدرى تنوعاً كبيراً معتمداً على المشاهدة ثم الرواية الشفوية، ثم المصنفات المختلفة التي نقل منها ومما يزيد من أهمية الرحلة أنها تعد وثيقة مهمة عن الحياة الثقافية في أواخر القرن السابع الهجري/الثالث عشر الميلادي في المدن والبلا التي مر بها العبدري في مصر والتقى علمائها، حيث أعطانا صاحب الرحلة فكرة موسعة عن المستوى الثقافي في هذه البلاد وعرفنا بأعلام العلماء، مثل ابن دقيق العيد وتاج الدين الغرافي وشرف الدين الدمياطي وما كان يهتم به من العلوم المختلفة كعناية أهل القاهرة بالمنطق ، كذلك دخل العبدري في مناظرة فقهية بالإسكندرية في أمر”مسألة البيع بالإشارة، كما دلنا عن الكتب التي كانت رائجة آنذاك وطرق التدريس المتبعة وقتئذ
وترجم العبدرى لمجموعة من العلماء الذين لا نكاد نعثر لهم على صور واضحة في المصادر المختلفة، فأضاء جوانب من شخصياتهم، وعرفنا بهم، وبطبائعهم، وكانت أوصافه وأحكامه تتصف بالدقة لأنها صادرة عن شاهد عيان ؛ ففي وصف العبدرى لمصر تأصيلاً لحدود القطر المصري القائمة آنذاك والتي تفتقد البلاد بعض منه الآن حيث يقول”…وعرضها – يقصد مصر – من بلد أسوان التي بأعلى نيل مصر وما سامتها من أرض الصعيد إلى مدينة رشيد وما دناها من مساقط النيل في البحر الرومي وهو نحو ثلاثين مرحلة ، وطولها من أيلة من ساحل الخليج الخارج من بحر الحبشة…إلى برقة التي هي جنوب البحر الرومي” ، ولما رأى العبدري الإسكندرية فقد أبدى إعجابه بأسلوب المدينة وعمود السواري ما يوحى بجمال عمرانها .
وساعدت الرحلة بهذا علماء الجغرافية والتاريخ في دراسة الظواهر التي كانت سائدة آنذاك، كما تفيد مؤرخى الأدب في التأريخ الأدبي للأقطار التي مر بها العبدرى، فهي تضم نصوصاً أدبية- شعرية ونثرية ونقدية- مهمة تتفرد الرحلة في بعضها، بما يزيد من أهمية الرحلة ويضعها في مكانها الصحيح بين كتب الرحلات المختلفة

حماده عبدالحفيظ الرخ

وأتى بعد العبدرى الرحالة بن رشيد السبتى (ت:721هـ/1321م) والذي قام برحلة دونها في كتاب سماه” ملء العيبة بما جمع بطول الغيبة في الوجهة الوجيهة إلى الحرمين ومكة وطيبة”، وصور فيه المراحل التي قطعها في طريقة للحج ذهاباً وإياباً، مع ذكر أسماء العلماء الذين مر بهم وأخذ عنهم ، وقد أقام بالإسكندرية مشتغلا بالبحث والتنقيب، دائم التردد على كل من يشار إليه بمعرفة في فن من الفنون، مقيدا كل ما يسمع وما يرى، ثم انتقل إلى القاهرة وحل بها في رجب سنة 684هـ/1285م في الطريق ذهاباً وفي العودة في صفر 685هـ/1286م وهو في ذلك مقبل على الدراسة والإفادة، وقصد بعد ذلك البلاد الحجازية فدخل المدينة أولا في طريقه من دمشق ثم مكة، وحج في موسم سنة أربع وثمانين، ثم رجع إلى المدينة ومنها إلى مصر فالإسكندرية، وهو في أثناء كل ذلك لا يفتر عن التقيد والبحث عن علماء كل بلد وأدبائه والأخذ عنهم ونقل أخبارهم وإنشاداتهم وإفادتهم ، وتجسد الرحلة القيمة الحضارية للمجالس العلمية في منازل العلماء والتي كانت أحد ايجابيات هذا العصر، فعلى سبيل المثال وفي خضم الحديث عن الإمام قطب الدين القسطلاني يقول ابن رُشيد “الحمد لله مستحق الحمد.أضافنا الشيخ الراوية المحدث الإمام الصوفي قطب الدين أبو بكر محمد بن أحمد القسطلاني- أبقاه الله تعالى- بمنزله من القاهرة…” وأيضاً يقول “سمعت أبا بكر القسطلاني في التاريخ…بمنزله يقول…” .
وجاء بعد ابن رشيد الرحالة خالد بن عيسى بن أحمد بن ابراهيم البلوي (كان حياً عام(740هـ/1339م)، وهو من أهل قنتورية من حصون وادي المنصورة . وكان محباً للأدب، صنفها في كتاب”تاج المفرق في تحلية أهل المشرق”، قال في مطلعها: “هذا تقييد، أطلعه عون من الله وتأييد، قصدت به ضبط موارد الرحلة الحجازية، وذكر معاهد الوجهة المشرقية، جعلها الله تعالى في ذاته وابتغاء مرضاته، بمنه وكرمه، وألممت مع ذلك بذكر بعض الشيوخ من العلماء الفضلاء الذين يطئون ذيول البلاغة، ويجرون فضول البراعة، ولهم كلام يتألق منه شعاع الشرق، ويترقرق عليه صفاء العقل، وينبث فيه فرند الحكمة، ويعرض على حلى البيان، وينقش في فص الزمان، ويحفظ على وجه الدهر، ويفضح عقائل الدر، ويخجل نور الشمس والبدر وألمعت بذكر نبذ من فوائدهم، واختيار طرف من أناشيدهم، ومزجتها بما جرت إليه العبارة، وحسنت فيه الإشارة…”وقد قال لسان الدين الخطيب(ت:776هـ/1274م) عنه أنه”حج وقيد رحلته في سفر وصف فيه البلاد ومن لقى وقد جاء مصر سنة 737ه/1336م عهد الناصر محمد بن قلاوون فأقام بها رحالة ومتجولاً، فوصف مصر والقاهرة والإسكندرية، وتعد رحلته ذات أهمية كبيرة جغرافياً وتاريخياً ، فقد وصف فيها البلاد التي نزل فيها بدقة وضبط، متحدثاً عن نشاط السكان حيناً،وعن مصادر رزق العباد حيناً، وعن جغرافية البلاد وعمائرها حيناً أخر،مما يعطينا وصفاً حياً للحياة اليومية للمدن والقرى المصرية التي زارها ، متصلاً في ذلك بأعلام ورجال الفكر ففي حديثه عن علماء الإسكندرية يقول” وممن تدمجت معه وتمتعت به فيها صاحبنا الشيخ الفقيه المحدث تقي الدين أبو عبد الله محمد بن أحمد بن أبى بكر بن عوام الربعي الشافعي، سبط الشيخ الولي الشهير أبى الحسن الشاذلي نفع الله تعالى به، هو من كبار الطلبة الفضلاء، وخيار السادة الفقهاء…وأفاد كل واحد منا صاحبه بما تجلبه المذاكرة من وجه الإفادات وتفضل من المشاركة المباركة وبذل الجد …”
أما الرحالة الشهير ابن بطوطة محمد بن عبد الله بن محمد بن ابراهيم (ت:779هـ/ 1377م) فقد بدأ رحلته من طنجة مسقط رأسه عام (725هـ/1324م) وقد جاء مصر عهد الناصر محمد بن قلاوون فأقام بها مدة طويلة وتجول في بلدان الساحل الأفريقى الشمالى، حتى وصل الإسكندرية التي يقول عنها “وهى الثغر المحروس والقطر المأنوس، العجيبة الشأن، الأصيلة البنيان، بها ما شئت من تحصين وتحسين، ومأثر دنيا ودين”، وقد وصف ابن بطوطة ما شاهد في القاهرة والاسكندرية ودمياط وأسوان، ووصف ما شاهد فيها من مدارس وجوامع…الخ”
ويبدو أن رحلة ابن بطوطة الطويلة قد كتبها صاحبها بعد الانتهاء منها والعودة إلى الديار، أو ربما في أثناء العودة، وقد يكون كتبها في طريق الذهاب ونقحها في طريق العودة؛ فهو يقول في وصفه لمرسى الإسكندرية: “ولها المرسى العظيم الشأن، ولم أر في مراسي الدنيا مثله إلا ما كان من مرسى كولم وقاليقوط ببلاد الهند ومرسى الكفار بسوداق ببلاد الأتراك ومرسى الزيتون ببلاد الصين”.
وثمة ملاحظة مهمة في معرفة مدى استشراء الخراب على فنار الإسكندرية من خلال الحديث عنه في رحلتي ابن بطوطة وسلفة العبدرى، فالأخير الذي بدأ رحلته عام(688هـ/1300م) فقد تحدث عن المنار قائلاً: “…وقد أحاط به البحر شرقاً وغرباً حتى تآكل حجره من الناحيتين، فدعم منها ببناء وثيق اتصل إلى أعلاه وزيد دعماً بدكاكين متسعة وثيقة، وضع أساسها في البحر…”
أما ابن بطوطة الذي بدأ رحلته عام(725هـ/1324م) فيقول: “…قصدت المنار في هذه الوجهة فرأيت أحد جوانبه متهدماً” غير أن رحلة ابن بطوطة لم تكن بالرحلة القصيرة، فأثناء العودة عام(750هـ/1349م) فوجدته “وقد استولى علية الخراب بحيث لا يمكن دخوله ولا الصعود إلى بابه”.
ويضيف ابن بطوطة قيمة تاريخية، أخرى حيث يشير إلى أن السلطان الناصر حسن قد شرع في بناء منار مثله إزائه، ولكن الموت قد عاجله وحال بينه وبين أن يتمه.

*باحث دكتوراه جامعة الزقازيق

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق