قراءات ودراسات

العنف من الواقع المعيش إلى الواقع التّشكيلي

قراءة في بعض أعمال الفنّان السّوري عمران يونس

عاطف عبد الستّار*

المقدّمة: يُعدّ العنف بمختلف أشكاله وأساليبه أحد أهمّ الظّواهر الإجتماعيّة السّلبيّة الّتي سادت ولازالت تسود المجتمع الإنساني دون استثناء، وقد نشأت نتيجة غياب وعي كامل بضرورة تكريس ثقافة الحوار والتّفاهم والإعتراف بالآخر، وهي سلوك عدواني غير ناتج بالتّأكيد عن رغبة دقيقة من النّوع الإنساني، ولا عن غريزة عدوانيّة لا يُمكن قمعها أبدا، ولكن هي فعل حادث ونمط ثقافي يرتبط بثقافة فرعيّة ثانويّة لبعض الجماعات الدّينيّة أو المذهبيّة أو الحزبيّة… أو بمنظومة من القيم الإجتماعيّة الّتي تحرّك سلوك الأفراد وتوجّههم نحو أهداف محدّدة، بمعنى أنّ العنف ليس أمرا فطريّا وإنّما هو أمر مكتسب ويُصنع في المجتمع صنعا شأنه شأن الأنماط الأخرى للإنحراف الإجتماعي عبر عمليّة التّنشئة الإجتماعيّة المستمرّة من التّعليم والتّدريب والتّأهيل وعبر نظم ومؤسّسات وعلاقات وتفاعلات اجتماعيّة ثقافية مستمرّة يتمّ إنتاجها وإعادة إنتاجها عبر الوحدات نفسها (الأسرة، المدرسة، الجامعة، الإعلام، الدّولة..).

بيد أنّ هذا التطوّر المفاجئ والمتصاعد لظاهرة العنف ولأساليبه وأدواته وآلياته في أيّامنا هذه سواء على الصّعيدين المحلّي أو العالمي، جعل الكثير من علماء الإجتماع والأنثروبولوجيين وعلماء النّفس الإجتماعي إلى جانب الهيئات والمنظّمات الدوليّة يسارعون إلى دراسة هذه الظّاهرة المعقّدة ومحاولة فهم أسبابها وتوضيح أبعادها وشروط تطوّرها وانتشارها بهذا الشّكل المخيف في جميع المؤسّسات والفضاءات العموميّة والخاصّة بدون استثناء، وقد نبّه العلماء إلى أنّ الأخطر من الجانب المرئي للعنف هو هذا الجانب اللّامرئي، أي عالم الأفكار الّذي يُفصح عن نفسه في الإيديولوجيا المتطرّفة الّتي تزوّد الإرادة بطاقات ورغبات قويّة للإنتقام والقتل والتّعنيف، وبالتّالي تقطع تماما كلّ سبل الحوار والتّفاهم السّلمي مع الآخرين، يقول الشّاعر الألماني غوته (Goethe): “في البدء كان الفعل الّذي يُقابل اللّوغوس، بمعنى العقل واستخدام التفاهم والحوار من أجل الوصول إلى التّسوية السّلميّة، مقابل فعل العنف الّذي لا سند عقليّا له، ويرفض أن يُخاطب الإنسان من حيث هو كائن اجتماعي عاقل وجدير بالإحترام”. ولكن لماذا يلتجأ الإنسان العاقل إلى العنف وهو يعلم أنّه سلوك حيواني لا سند عقلي له ؟ ولم فشلت البشريّة حتّى اللّحظة الرّاهنة في التغلّب على ظاهرة العنف: أيعود ذلك لعجزها حقيقة عن فهم هذه الظّاهرة الخطيرة وتفسيرها لإمكان التحكّم فيها ؟ أم لعدم رغبتها أصلا في تطويقها والقضاء عليها طالما أنّها ظاهرة تجد دوافعها في النّفس البشريّة ذاتها ؟

إنّ مقاربتنا لمفهوم العنف هنا سوف تكون من منظور آخر مختلف على الطّرح الفلسفي وعن القراءة التّاريخيّة المتتبّعة بدقّة لنشأة هذه الظّاهرة واستفحالها وتطوّرها على مدى تاريخ الإنسانيّة، فنحن نروم في هذه الورقات طرح ظاهرة العنف من زاوية الفنّ التّشكيلي المعاصر، أي انطلاقا من مجال تتّحد فيه المادّة والصّورة اتّحادا عجيبا تمكّنتا من خلاله من أن تُعبّرا بصدق عن الواقع الإنساني بطريقة إبداعيّة تنحو نحو غايات استيطيقيّة حسب لالاند، لكنّها لا تخلو أيضا من مراجعة دقيقة للواقع وتحليل متوازن لسيرورته، فصحيح أنّ الفنّان في أعماله ينطلق من ذاتيّته، إلاّ أنّ هذه الذّاتيّة وهذا اللّاشعور أو اللّاوعي -كما يقول علماء النّفس -نراه مندمجا في حياة الجماعة فيُذيب حياة الفنّان في المجتمع ويُحيطها بعوامل ومؤثّرات إجتماعيّة عديدة دون أن يسلبه ذلك طبعا إرادته طالما أنّ “الفنّ لا ينحصر في اختيار تلك الموضوعات (الإجتماعيّة) بقدر ما ينحصر في صياغتها والتّعبير عنها”.

وفي هذا الإطار تتنزّل تجربة الفنّان التّشكيلي السّوري عمران يونس كأفضل مثال حيّ (في تقديرنا) معبّر عن ظاهرة العنف، باعتبار أنّ أعماله جاءت كردّة فعل قويّة على الواقع السّوري الأليم بعد أن أضحت سوريا مرتعا للمعتدين ومسرحا للقتال الدّامي بين أطراف عديدة، سوريا الّتي لم ترتبط مأساتها بالصّراع الدّاخلي وبالإنقسامات المتتالية بين عديد المكوّنات الإجتماعيّة المتعدّدة وحسب، بل ارتبطت مأساتها أيضا بالتدخّل الأجنبي لبعض الدّول الغربيّة المتغطرسة ذات السّياسات المتعسّفة والبرامج التوسّعيّة والإستعماريّة الجشعة، وأخرى ذات ارتباطات إثنيّة وقوميّة ودينيّة مشتركة، وكان ذلك بتواطئ بعض الحكومات العربية المستغربة وصمت رهيب للرّأي العامّ العالمي. فلم يجد عمران يونس في هذه الظّروف إلاّ المضيّ قدما في التّعريف بمأساة بلاده وضياع وطنه بين أيادي المخرّبين والمتنطّعين، فعبّر عن موجة العنف الّتي اجتاحت أراضيهم، فجرّت الشّقاء لأبناء شعبه وجلبت لهم الويلات، وأبادت الكثير وشرّدت الكثير.. هكذا كانت أعماله حريصة أشدّ الحرص على إحداث صدمة تماثل تلك الّتي يخلّفها العنف اليومي المعاش في سوريا، أعمال كمرآة تعكس وتصف بصدق بشاعة المجازر الّتي يتعرّض لها السّوريّون في كلّ يوم وفي كلّ لحظة خصوصا وأنّ عمران يونس يُعدّ من بين القلائل الّذين لم يُغادروا سوريا على الرّغم من الأوضاع المأساويّة، باختصار شديد، وظّفت أعمال عمران يونس مشاهد العنف للتّعبير عن العنف ذاته، فكان التّعبير من جنس العمل. ولكن أيّ علاقة يُمكن أن تربط الفنّ بالعنف في أعمال عمران يونس: علاقة صراع، تكامل، انصهار، نفي، إثبات ؟ وهل هو عنف تشكيلي لنفي عنف واقعي مُعاش ؟ أم عنف ضروري لإثبات عنف ؟ أو ربّما هو ضرورة عابرة من أجل معالجة ضرورة قصوى ؟ ولم هذه الضّرورة وفيم تتمثّل ؟ وهل أنّ توظيف الفنّ للعنف هو حقّ أمر ضروري ؟

وهل يحتاج الفنّ حقّا إلى العنف ليغيّر الواقع ويُعيد الحياة إلى الإنسان المقهور ويوقظه من سباته العميق ويكشف له عن إنسانيّته الّتي طمسها المعتدي ؟ أم أنّ ذلك ضرب من الإثارة يُقصد بها نقل تجارب ذاتيّة إلى الآخرين ؟ وهل يبحث عمران يونس في هذا الإطار من خلال إثارة مشاعر الخوف والهلع وتصوير مشاهد الموت عن تكريس ثقافة جديدة تمجّد العنف بوصفه الوسيلة الوحيدة الّتي تبقى لدى الإنسان المستعبد لاسترجاع ذاته وحريّته مثل ما ذهب إلى ذلك كلّ من فرانز فانون وسارتر ؟ أم أنّه بصدد البحث عن لذّة الحواسّ ومتعة الخيال دون أن يكون للحقيقة أيّ مدخل في أعماله ؟ وإذا كان جورج سنتيانا (Santayana) يُعرّف الفنّ على أنّه متعة إستيتيقيّة أو لذّة جماليّة، فكيف لنا أن نتذوّق فنّا يصوّر لنا أبشع مشاهد العنف والموت ؟ ألا يُذكّرنا هذا الأسلوب بأعمال أوتو ديكس وماكس بكمان وفرانسيس بايكن (Francis Baycon) الّتي تصوّر الجسد ككتلة تراجيديّة عنيفة تربك أبصارنا على الرّغم من انجذابنا القويّ وغير المعتاد إلى الألوان والخطوط وآثار العنف ؟ ألا تكون أعمال يونس امتدادا لها ؟

1- في معنى العنف وتعدّد مدلولاته:
قد يصعب على أيّ باحث أن يورد تعريفا جامعا للعنف، لمعناه ومبناه وماهيته والأدوار الّتي يلعبها في حياة الإنسان بشكل عام، خصوصا وأنّ هذه الظّاهرة تطوّرت تطوّرا مذهلا وأخذت أشكالا متعدّدة منها العنف الجسدي، والعنف النّفسي، والعنف الرّمزي، والإجتماعي، والجنسي، والثّقافي، والإقتصادي، والسّياسي، والتّربوي، والقيمي، والأخلاقي، والدّيني.. لذلك لا زالت هذه الظّاهرة تخضع لعدّة تأويلات وتأخذ أكثر من صيغة وشكل ومعنى ودلالة. وتعود كلمة عنف (violence) في اللّغة اللّاتينيّة إلى كلمة (violare) الّتي تعني “يُؤذي أو ينتهك”، وارتبط مفهوم العنف من النّاحية التّاريخيّة بمفهوم القوّة الّتي تصدر عن قوى الطّبيعة، لأنّ كلمة العنف (violence) مشتقّة من الكلمة اللّاتينيّة (vis) أي القوّة في شكلها الفيزيقي الملموس، ومن معناها أيضا ممارسة القوّة الجسديّة بهدف الإضرار بالغير، وتعني كلمة (violence) في اللّغة الأنقليزيّة الحيويّة (vitality)، فيما تشير كلمة (Gewalt) في اللّغة الألمانيّة إلى العنف والسّلطة، حيث لا توجد سلطة بدون عنف، ويمتدّ هذا المعنى إلى كلّ ما ينتج عنه فعل قوّة بشكل متطرّف أو عدواني، ولذلك جاءت كلمة اعتداء (Agression) لتعني السّلوك الّذي يهدف إلى إلحاق الأذى بالذّات أو بالغير، وبمعنى آخر الإستعمال غير المشروع للعنف أو على أقلّ تقدير غير القانوني للقوّة.

والعنف حسب ما جاء في لسان العرب هو “الخُرْقُ بالأمر وقلّة الرِّفق به، وهو ضدّ الرّفق، عَنُفَ به وعليه يُعْنُفُ عُنفا وعَنافة وأَعْنَفَهُ وعَنَّفَهُ تَعْنِيفا، وهو عنيف إذا لم يكن رفيقا في أمره، واعْتَنَفَ الأمر أخذه: بعنف. وفي الحديث إنّ الله يُعطي على الرّفق ما لا يُعطي على العنف”، وجاء في “مختار الصّحاح” للرّازي أنّ “العنف ضدّ الرّفق”، ويحدّد قاموس “ويبستر”(Merriam-Webster) سبعة معان لمفهوم العنف (Violence) أهمّها أنّ العنف هو “القوّة الجسديّة أو النّفسيّة الّتي تُستخدم للإيذاء أو للإضرار”. وأمّا اصطلاحا فتفيد كلمة العنف “الإفراط في استخدام القوّة من أجل قهر الآخر والهيمنة عليه، وهي تُوظّف بمعنى قوّة شديدة من أجل الإخضاع والسّيطرة، ومن هذا المصدر الإشتقاقي وُلد فعل العنف الّذي يرمز إلى استخدام الشدّة ضدّ الآخر وإالحاق الأذى به”، وعرّفت بربرا ويتمر (Barbara A. Wetmore) العنف بأنّه “خطاب أو فعل مؤذ أو مدمّر يقوم به فرد أو جماعة ضدّ أخرى”، وذكر الأستاذ حسن إبراهيم حسن أنّ العنف هو “سلوك موجّه ضدّ آخر لغرض وتنتج عنه أذية ماديّة أو معنويّة”، وفي هذا السّياق أيضا يقرّ بول ريكور (Paul Ricoeur) بأنّ العنف “يتّجه في مساره بوضوح أو بغموض، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، إلى السّيطرة على الآخر والهيمنة على مقدوات وجوده”. ويُعرّف جميل صليبا العنف بأنّه “فعل مضارّ للرّفق، ومرادف للشدّة والقسوة، والعنيف (violent) هو المتّصف بالعنف، فكلّ فعل يُخالف طبيعة الشّيء، ويكون مفروضا عليه، بصورة ما، فعل عنيف، والعنيف هو أيضا القوي الّذي تشتدّ صورته بازدياد الموانع الّتي تعترض سبيله كالرّيح العاصفة، والثّورة الجارفة”. وبحسب ابن خلدون فإنّ العنف مازال مستحكما في المجتمعات البشريّة الّتي ترفض الإحتكام إلى المنطق العقلاني الرّشيد وتعمد إلى استخدام العنف كوسيلة لتقرير مصيرها وانتزاع حقوقها وتسوية خلافاتها، وقد تطوّرت أساليب العنف وأدواته بفعل تزايد التّنافس والصّراع بين العوائل والعشائر على اقتسام الأراضي والمراعي والحقول وغيرها لردع نوايا الآخرين العدوانيّة والدّفاع عن حياته وأفراد عائلته وممتلكاته، ورافق هذا التّنافس والصّراع والمنازعات حياة الإنسان منذ أقدم العصور من أجل البقاء على قيد الحياة، وضمان وجوده واستمراريّته في عالم يسود مُعظم أرجائه قانون الغاب، بحيث طبعت السّلوك البشري وأخلاق البشر، وهذا ربّما ما قصده المتنبّي يقوله:

“والظّلم من شيم النّفوس فإن تجد ذا عفّة فلعلّة لا يَظْلِمُ.

كما يعتقد ابن خلدون أنّ العنف نزعة طبيعيّة، فمن “أخلاق البشر فيها الظّلم والعدوان بعض على بعض فمن امتدّت عينه إلى متاع أخيه فقد امتدّت يده إلى أخذه إلاّ أن يصدّه وازع”، ويقول أيضا في موطن آخر “اعلم أنّ الحروب وأنواع المقاتلة لم تزل في الخليقة منذ برأها الله.. وهو أمر طبيعي في البشر لا تخلو عنه أمّة ولا جيل، وسبب هذا الإنتقام في الأكثر إمّا غيرة ومنافسة وإمّا عدوان، وإمّا غضب لله ودينه، وإمّا غضب للملك وسعي في تمهيده”. وسبب العنف هو العصبية أو “الشّوكة” حسب الغزالي، وهي الإلتحام الّذي يوجب صلة الرّحم حتّى تقع المناصرة وهي التّنازع والفرقة والإعتداد بالأنساب، وأساس العصبيّة عند ابن خلدون هو الإستعداد الفطري الّذي يدفع الفرد إلى نصرة قريبه في الدّم والدّفاع عنه، أي “أن يدعو الرّجل إلى نصرة عصبته والتألّب معهم على من يُناوؤهم ظالمين كانوا أو مظلومين”. وقد يكون لهذا الموقف الخلدوني (732-808هـ/1322-1398م) مبرّرات تاريخيّة أساسها ضعف الدّولة الإسلاميّة في عصره وتمزّق شملها وتفكّك عراها، تبعه انحلال سياسي وعدم استقرار الحكومات الّتي لا تتعدّى ولايتها على الأقاليم الصّغيرة في عصره، ممّا أدّى إلى انتشار القتل والتّصفية والخلع والقمع أساسا بين أولئك الحريصين على الرّئاسة، وكان للتعصّب الأعمى دور كبير في تأزّم الأوضاع وتفاقم ظاهرة العنف بشكل كبير.

وهناك من المفكّرين المحدثين من مجّد العنف واعتبره خلاّقا ومنقذا للجماعة وباعث للحياة كما هو الشّأن عند جورج سوريل الّذي أعلن في كتابه “تأمّلات في العنف” الّذي صدر عام 1980، أنّ إحياء المجتمع البرجوازي وإيقاظه من جديد لا يتمّ إلاّ عن طريق العنف، أو فرانز فانون، الّذي يرى أنّ العنف حجر الزّاوية الّتي لابدّ منها لبناء صرح الحريّة، وهو السّبيل الوحيد للتخلّص من موروث الإستعباد واسترجاع الإنسان المستعبد لذاته وحريّته، فقد أصبح من الضّروري ممارسة المغلوبين لعنف مضادّ لعنف الغاصبين والمستعمرين، عنف يشبه طقوس التّطهير، عندها سيتمكّن المغلوب من إزالة موروث سنوات الإستعباد وسيبدأ في إعادة بناء ذاته وهويّته الجديدة المتطهّرة من دنس الإستعباد، إنّه عنف مطلق ضدّ استعمار مطلق، “إنّ تلك البروق الّتي تومض في نفسي فتدفع جسمي في طريق هائجة، وتُلقيني إلى تهاويل تُشبه أن تكون هلوسات مرضى، فإذا تصوّر وجه العدوّ (المستعمر) يجعلني في حالة دوار، وإذا دمي يحدوني أن أسفح دمه، وإذا موتي البطيء بالعطالة يحضّني على أن أحمل إليه الموت”.

ولعلّ هذا ما ذهب إليه الفيلسوف الفرنسي جون بول سارتر (Jean Paul Sartre) الّذي مجّد العنف وجعله “جوهر الإنسان” لأنّ المضطهدين في الأرض لا يُمكنهم أن يصبحوا بشرا إلاّ عبر “الجنون القاتل”، لأنّ “الآخر هو الجحيم” (L’enfer c’est l’autre)، لذا فهو يعترف صراحة بأنّ العنف بمختلف أشكاله هو نوع من الفشل، لكنّه فشل لا يُمكننا تجنّبه لأنّنا نعيش في عالم عنيف، وإنّ صحّ أنّ اللّجوء إلى العنف في مواجهة العنف سيساهم في توليد المزيد منه، فذلك لأنّه السّبيل الوحيد إلى إيقافه طالما أنّ “الصّراع هو المعنى الأصلي للوجود”.

هكذا تصدّى المفكّرون والفلاسفة وعلماء الإجتماع والأنثروبولوجيا على مدى التّاريخ لمصطلح “العنف” وذهبوا أشواطا بعيدة في تعريفه ومحاولة الإلمام بمختلف جوانبه كلّ حسب رؤيته وقناعاته السياسيّة، وعلى الرّغم من هذا الإختلاف الواضح في الآراء وهذا التّباين الصّريح في تفسير هذه الظّاهرة والوقوف على أهمّ دوافعها وأهدافها الظّاهرة والباطنة، إلاّ أنّ أغلب المفكّرين عموما قد اتّفقوا على أنّ العنف ظاهرة اجتماعيّة خطيرة يجب التصدّي لها، كيف لا وهي من أعقد المشاكل والعقبات الّتي تواجه البشريّة، ولازالت تتّخذ وجوها وأشكالا وأساليب ووسائل دفاع وهجوم مختلفة ومتنوّعة، بل وغير مشروعة ولا أخلاقيّة في أغلب الأحيان، كالتّعذيب النّفسي والمادّي والتّصفية والإغتصاب والتّدمير والإبادة..وفي مقدّمة أشكال العنف وأبشعها وأكثرها دمارا وتصفية هي العنف العرقي أو الإثني، وهو وليد الصّراع بين مختلف المعتقدات والمذاهب والأقليّات الّتي تعيش في نفس المجال الجغرافي وتحتكّ ببعضها البعض وكثيرا ما تختلف حول مسائل عديدة منها ما يتعلّق بالجانب الدّيني (العقائد والشّرائع والمنهج التعبّدي) ومنها ما يتعلّق بالجانب السّياسي (نظام الحكم والسّلطة وتوابعها)…وهو الأكثر قدرة على إثارة الرّعب والخوف والهلع في نفوس البشر.

2- حضور العنف في الفنّ التّشكيلي: عداء للفنّ أم تعبير عن الواقع:
إنّ المتأمّل في تاريخ الفنّ التّشكيلي يُلاحظ أنّه تاريخ قطيعات إبستيمولوجيّة وتقنيّة شاملة، أي تاريخ خلافات وتناقضات قد تتطوّر أحيانا إلى صراعات أو ربّما إلى عنف، فالفنّ التّشكيلي يتغذّى ويتطوّر انطلاقا من نقد الممارسات الفنيّة السّابقة وتجاوزها مفهوميّا ومعرفيّا وتقنيّا أيضا محاولا بذلك فتح آفاق جديدة للإبداع، كما أنّ المبدعين الحقيقيين حسب بيير فرانكاستل (Pierre Francastel) هم “أولئك الّذين يُسهمون في تطوّر الفنّ بإضافة إشارات جديدة إلى ما كان قد تكوّن في عصور سابقة”، وبالتّالي يُمكن القول بأنّ الـعمل الإبـداعي يقوم على أساس مشروع جديد، وهذا ما يفسّر إجرائيّا تعدّد المشاريع الفنيّة بتعدّد الفنّانين والتيّارات والمدارس، وعلى ضوء هذه الإعتبارات يمكن تحديد طبيعة حركيّة التيّارات الفنيّة في إطار علاقة جدليّة تكشف بوضوح أنّ عمليّة الإنتقال من تيّار فنّي إلى آخر، أو بالأحرى من حقبة فنيّة إلى أخرى لم تكن بالسّهولة الّتي يظنّ البعض، بل كان ذلك بشكل عنيف جدّا في كثير من الأحيان، ذلك أنّ هاجس تفجير الأطر الضيّقة للقيم السّائدة، والسّعي الحثيث نحو تخطّي المفاهيم والأساليب الفنيّة القديمة، ورفض الواقع المعيش، ومحاولة التّطهير الدّاخلي للفكر كما يزعم البعض.. قد شكّل مناخا عدائيّا ملائما لترعرع عدّة أفكار انتقاميّة وأساليب فنيّة ساخرة فتحت مجالا واسعا لظهور وتجذّر مفهوم العنف في الفنّ التّشكيلي المعاصر، سواء عنف الفكرة أو الموضوع، أو عنف الفعل الإبداعي، أو عنف الصّورة، أو عنف الحركة، أو عنف الأداء.. مثل الدّادائيّة بوصفها حركة عبثيّة ظهرت في بعض العواصم الغربيّة مع بدايات الحرب العالميّة الأولى (1912) وقد جعلت من نفسها حركة هدم وتدمير، فلم تكن بداياتها حسب تريستان تزارا (Tzara) بدايات الفنّ بل هي بدايات الإشمئزاز؛ فهي ليست حركة فوضويّة وعبثية وحسب في نظر معاصريها بل هي ظاهرة أدبيّة وإيديولوجيّة دعت إلى هدم القديم والتخلّي على قيم ومفاهيم من قبيل الشّرف والوطن والأخلاق والفنّ والدّين.. والّتي تكوّنت عبر التّاريخ تلبية لحاجات إنسانيّة، غير أنّه “لم يبق منها اليوم، في نظر تزارا سوى هيكل عظمي اصطلاحي”.

وقد انعكس هذا التمرّد على الأخلاق والقيم على الممارسة الفنيّة بصفة مباشرة بعد أن تمّ التخلّي تماما عن الرّيشة واللّوحة والمسند والتّصوير الزّيتي.. ثمّ التوجّه نحو إرساء منظومة فكريّة جديدة ورؤية جماليّة مخالفة لما هو سائد عبر البحث عن جملة من التّقاليد الفنيّة المغايرة الّتي تنطلق من تصوّر أنّ جدوى الفنّ ليس في النّتاج الفنّي عينه، وإنّما في الفعل الإرادي الّذي يصنعه، فالعمل الفنّي لا يُشكّل هدفا بذاته ولا ضرورة لتقويمه، ومن هنا جاءت أعمال الدّادائيين في ذلك الوقت غريبة، مريعة، بل وعنيفة جدّا في نظر معاصريها، متمرّدة على كلّ ذائقة بصريّة معتادة، تكرّس جميعها ثقافة “التطرّف الفنّي” وتُكسب عبارة “اللّافنّ” الّتي تبنّتها هذه الحركة مشروعيّة فنيّة.

مارسال دي شامب، النّافورة، 1917. تريستان تزارا وآخرون، جثّة رائعة، 1933.

كما نجد أيضا مجموعة الجسر الّتي سبقت الدّادائيّة (1905) ومنهم أرنست كيرشنر، وفريتز بلايل، وكارل شميت، وماكس بيشتاين، وغيرهم من الّذين استخدموا الأشكال التعبيريّة المشوّهة والمشاهد العنيفة والدّمويّة بشكل مكثّف للتّعبير عن قلقهم وخوفهم من مستقبلهم الغامض في ظلّ توتّر الأوضاع الإجتماعيّة والسياسيّة في أوروبا في بداية القرن العشرين، وهذا بالإضافة إلى بعض التّجارب الفرديّة الّتي يبدو فيها مفهوم العنف حاضرا بقوّة مثل تجربة الفنّان التّعبيري الألماني أوتو ديكس (Otto Dix-1891-1969) الّذي أراد أن يروي للعالم من خلال أعماله الفنيّة تجربته كجندي في الجيش الألماني، وحاول ترجمة هذا العنف وهذه الوحشيّة وهذا الدّمار الّذي خلّفته الحرب العالميّة الأولى في لوحاته ليكشف بذلك عن معاناة الإنسان وألمه وشقائه من جرّاء هذه المأساة الإنسانيّة.

بعض أعمال الفنّان الألماني أوتو ديكس(1891-1969)

كما لا يسعنا في هذا السّياق المرور دون الحديث عن جداريّة بيكاسو (Picasso) الشّهيرة “غارنيكا” (Guernica) الّتي استوحاها الفنّان الإسباني من الدّمار الّذي أحدثه قصف الطّائرات الألمانيّة والإيطاليّة لمدينة غارنيكا الإسبانيّة في 26 أفريل 1937 خلال الحرب الأهليّة الإسبانيّة مساندة منهم لحليفهم “فرانكو” وللقوميين الإسبان، وتعرض لوحة “غارنيكا” البالغ طولها ثلاثة أمتار ونصف المتر وعرضها سبعة أمتار وثمانية سنتيمترات، مأساة الحرب والمعاناة الّتي تسبّبها للأفراد، وقد صارت في نظر العالم اليوم رمزا مضادّا للحرب وتجسيداً للسّلام. وقد تمّت الجداريّة بتقنية الرّسم الزيتي، وهي لوحة تكعيبيّة من ناحية بناء مكوّناتها الفنيّة على منهج هندسي ومن ناحية بنائها بسلسلة من الرماديّات المختلفة بجميع درجاتها حتّى يتسنّى للمشاهد التّركيز على الأشكال وكيفيّة الجمع بينها وتوزيعها على فضاء اللّوحة من دون أن تكون الألوان سببا في تشتيت اهتمامه فيستحيل معه استحضار الواقعة الأليمة وتحقيق التّواصل مع الفنّان وعمله في الآن ذاته، وهو ما يطمح إليه بيكاسو.

وتظهر على هذا الفضاء الممتدّ عدّة أشكال وشخوص مشوّهة وأقنعة هائمة تتجوّل في المساحة القاتمة بحذر شديد: رأس الثّور الّذي يرمز إلى وحشيّة القوّات النازيّة واعتدائها البغيض على القيم الإنسانيّة والأخلاقيّة، ورأس الحصان الّذي يرمز إلى غارنيكا الجريحة ويبدو ذلك واضحا أساسا من خلال ملامح الوجه والفم والأسنان الّتي تعطي إحساسا رهيبا بالألم والمعاناة الممزوجان بغضب مكتوم وسعي محروم وإرادة عاجزة عن فعل شيء، ورأس الأم الثّكلى، والرّأس الجريحة الملقاة على الأرض والذّراع الحامل للمصباح ويرمزان هنا إلى صحوة الضّمير الإنساني ودعوته إلى إعمال العقل والكفّ عن قتل الأبرياء وإلحاق الأذى بهم فإنّ ذلك اعتداء على القيم الإنسانيّة الّتي ناضلت من أجل إرسائها أجيال وأجيال على مدى التّاريخ.

بيكاسو، غارنيكا، 1937: (349×776 سم)، متحف رينيا صوفيا بمدريد.

وهكذا يُمكن القول هنا أنّ الفنّ التّشكيلي قد امتزج بالعنف في كثير من اللّحظات، وسواء استسلم الفنّ للعنف أو استوعبه ليُعيد صياغته في ثوب جديد بهدف نقد سلوك أو ظاهرة ما أو التّعبير عن قضيّة معيّنة، فإنّ ذلك لا ينفي حضور العنف وبقوّة في الفنّ، ولكن إلى أيّ مدى نُبرّأ الفنّ من العنف ؟ وهل هناك ما يدلّ حقيقة على وجود تعارض جذري بين الفنّ كمعطى جمالي وفكري، وكرؤية نتمثّل بها عالمنا حسب فرانسوا جاكوب (François Jacob) وبين العنف بوصفه علامة يأس وانحدار قيمي وفكري؟ وإلى أيّ مدى يُصبح العنف نفسه أداة الفنّان لمقاومة العنف ؟

3- أعمال عمران يونس من العنف إلى اللّاعنف:
إنّ المتأمّل في أعمال عمران يونس يُلاحظ أنّها تدور حول مفهوم مركزي ألا وهو “العنف”، العنف كموضوع، عنف الصّورة، عنف الحركة، عنف اللّون، عنف الشّكل، عنف الفعل الإبداعي… ولا غرو في ذلك، فالعنف هو الميزة الأساسيّة لواقعه الأليم، وقد أخضعه لحالته النفسيّة وعبّر عنه بطريقة مشوّهة عنيفة توحي للمتفرّج بحالة الفنّان المتأزّمة، فهو ضرب من الإسقاط لذاتيّة مرهفة تتوق إلى الإنعتاق والتحرّر، فلوحاته لا تنبني على احترام المنظور، ولا على التّركيبة الهرميّة، ولا تهتمّ مطلقا ببنية الجسم الإنساني ولا ربّما حتّى بحرمته أيضا، كما أنّها لا تعير أيّ اهتمام للتّفاصيل والجزئيّات كما هو الحال في الفنّ الكلاسيكي، وإنّما هي لوحات تتجاوز كلّ أسلوب تشكيلي قديم، بل إنّها تتمرّد وتقطع معه بقسوة شديدة، فهذه التّمثيلات التّشكيليّة مبنيّة غالبا على رؤى قلقة ناتجة عن رؤية متشائمة للحياة، وهذه الملامسة للتّكوينات الوحشيّة القاسية للألوان، وهذا التّراكم للأشكال العدائيّة، وللشّخوص المشوّهة، والأقنعة والخطوط الحادّة والشّائكة، وهذه الفوضى العارمة تخبرنا جميعها بأنّ الفنّان بصدد الإنتقام أو الإنتصار لغريزة القتل، ومن ثمّ محاكمة الأخلاقيّات الّتي تنظمُها العلاقات الإنسانيّة بمفهومها الجمعي.

فاللّوحات المسكونة بالوساوس والهواجس تروي قصصا وروايات غريبة ومخيفة وغامضة أيضا، بل وتزداد غموضا شيئا فشيئا إذ ليس هناك شخصيّة تعلن عن نفسها، بل ثمّة توريات مباشرة للوجه، واستخدام مكثّف للأقنعة، وحتّى في تلك الأعمال الّتي تخلّى فيها عن الأقنعة، نراه قد استبدلها بأقنعة نفسيّة تؤكّد الإغتراب الدّاخلي للشّخصيّة خصوصا مع هيمنة الألوان الدّاكنة والتّرابيّة، وهي ألوان الشّحوب والمرض والموت. فما يستحوذ على الخيال عند النّظر إلى هذه الأعمال هو أنّ الجسد كتلة تراجيديّة من دون قناع، الوجوه هنا تبدو كأنّها قريبة من القبر، أشكال وهيئات غريبة كأنّها ظلال صارخة أو مكشّرة عن أسنانها، أو كتل لا تبرز فيها سوى عضلات الجسم، وهذه المخلوقات العجيبة بأجنحتها، فمن المؤكّد أنّها ليست ملائكة، فهي قبيحة المنظر، كما أنّها تبدو في حالة صراع، أو ربّما هي في جلسة محاكمة، قد تكون هذه المخلوقات عنقاوات تستعدّ لحرق نفسها كي تنبعث من رمادها ثانية أتمّ شبابا وجمالا. ونرى في لوحة أخرى سلسلة من الدّمى المشؤومة والوجوه الممسوخة والأجسام المشوّهة المحاصرة في عالم الفنّان، إذ سجنهم عمران يونس في مكان ضيّق بين أرضيّة شطرنجيّة مذبذبة وخلفيّة سوداء قاتمة، تصيح وتتصارع محدثة ضجيجا، فأحدهم يتكلّم، والآخر يُنصت، وهذا يصرخ، وآخر يصيح بأعلى صوته، وآخر يتأمّل، وغيره ينتظر…وقد أحاطت بهم على هذه الخلفيّة عيون كثيرة وظّفها الفنّان إمّا لتلعب دور الجواسيس، أو لتوحي بالأبديّة حسب قول السيّدة ديزروشس- نوبلكورت، أو هي عيون حامية تؤمّن للموتى عبورا سعيدا للآخرة على أنغام عازف الرّباب، الّذي يعزف لحن الخلود أو ربّما لحن الغضب، إنّه صوت الفنّان عمران يونس يتوعّد كلّ مغتصب وكلّ سافك للدّماء.

بعض أعمال عمران يونس.

وهكذا فإذا كانت أعمال يونس مشحونة بالأحلام والرّغبات والعوالم الماضويّة مزدحمة بصخب لوني وبشري، فإنّ هذه التّعبيرات ليست نوعا من الحنين المجرّد بقدر ما هي استدعاء للواقع بهدف محاكمته وتجريده من سحريّته الخادعة، بينما يتّسع الفراغ في لوحات أخرى، بألوان بسيطة متقشّفة، لا بورتريهات عائليّة تتماهى فيها ملامح الذّكورة والأنوثة ولا تشكيلات لونيّة وحشيّة، ولا مشاهد مسرحيّة ودراما عاطفيّة، وإنّما هي مساحات رماديّة شاسعة تمتاز بالبرودة والقسوة، يلعب فيها الخطّ دور المؤسّس الوحيد للفضاء، يرتحل بين أرجائه ليخطّ لنا بكلّ حميميّة مشاهد يخيّم عليها الحزن لفقدان أخ أو أب أو صديق أو حبيب… مثلما نرى ذلك أيضا في هذا المشهد الّذي يظهر فيه صندوق به جثّة يعلوه كلبان مسعوران ينبحان، وإذا ما تأمّلنا قليلا في جسم الكلبان لأمكننا تتبّع حركة الفنّان بسهولة، وربّما أمكننا أيضا تفهّم حالته النّفسيّة، فالخطوط حادّة ومتلاشيّة بخفّة في المساحات الرماديّة، متقطّعة أحيانا تعكس حالة من التوتّر والخوف الفائضين من أصابع الفنّان ليملأ اللّوحة، فأثر الضّغط بقلم الرّصاص على الورق يبدو واضحا.هنا يصف يونس طريقة عمله “طاقة الخطّ واللّحظة بين الحياة والموت، إنّه سؤال أحاول الإجابة عليه، كيف يمكن لهذه الخطوط المتدرِّجة من الأبيض والأسود ألّا تكون ميكانيكيّة؟ هي الّتي تتداخل مع روحك وتنفخ في أشكالك ومساحاتك الرّوح وترصد الحركة الدّاخليّة للشّكل وتعمل عليها بحيث تكون الخطوط والأشكال نابضة بالحياة”.

يريد يونس أن يرسم شيئا نابضا بالحياة عن الموت !!! كيف لا وقد تحوّل الموت إلى كائن يعيش معه ويطارده حتّى في منامه “لحظة الموت مرعبة إنَّها تتحوَّل إلى كوابيس حتّى في أحلامي”، وحوش وكلاب مسعورة مثل هذه اللّوحة، فالكلبان رُسما بخطوط قويّة وحادّة في حركة سريعة خاطفة مع التّركيز على الأنياب الحادّة والعيون المستديرة الّتي يتطاير منها الشّرر وهي تحدّق في نفس الإتّجاه، قد يكونا بصدد طرد عدوّ، أو ربّما قد يكونا بصدد حراسة الصّندوق أو حمايته من المعتدين، ولكن لم يحرسان الصّندوق ؟ وممّن ؟ من العدوّ ؟؟!!! فما حاجة العدوّ بصندوق فارغ به جثّة هامدة ؟!!

رصاص وفحم على ورق، 160 × 121 سم (2013).
لا إنّها ليست جثّة هامدة، وإنّما هو طفل صغير قد مدّ يداه الصّغيرتان على الأرض ورفع رجله اليمنى في حركة صبيانيّة إلى الأعلى، لابدّ أنّ الموت باغته فجأة وهو يلعب.. في لحظة سرور، فلم يُسعفه الحظّ في أن يحيا حياة كريمة في وطنه، ولكن يبدو أنّه لم يلقى العناية اللّازمة أيضا حتّى بعد مماته، فالميّت لا يُدفن عندنا بهذا الشّكل، ولكن ما أدرانا أنّه دُفن حقّا ؟ وهل هذا صندوق أم قبر ؟ وهل أنّ الطّفل الصّغير مدفون حقّا في اللّوحة كما قتل تماما على أرض الواقع ؟ أم أنّ عمران يونس عثر عليه مُلقى في إحدى الشّوارع فدفنه في هذا الصّندوق إكراما له ؟ أم أنّه عثر عليه في مخيّلته ميّتا يلعب ؟ ألا يُمكن أن يكون هذا الطّفل شعب سوريا المُضطهد ؟

قد يصعب علينا حقيقة الإجابة عن كلّ هذه الأسئلة في الوقت الحالي لأنّه مهما بلغ تطفّلنا ومهما بلغت جرأتنا على عالم الفنّان الشّخصي، فإنّنا لن نتمكّن من فهم وتفسير كلّ شيء على النّحو الّذي يحلو لنا، فقط هي تأويلات قد تتطابق أحيانا مع ما ذهب إليه الفنّان وقد تخالفه مرّات عدّة، ولكن يُمكن أن ننطلق من فرضيّة أنّه ثمّة علاقة وثيقة بين الفنّان وموضوع اللّوحة، حتّى أنّنا قد نستطيع أن نتعرّف على شخصيّة الفنّان من أسلوبه في اختيار موضوعاته، وسواء أتعلّق الأمر بصورة الطّفل الصّغير أو بشيخ مسنّ أو بالثّكالى.. فإنّ ما يُلفت الإنتباه في كلّ أعمال عمران يونس هو هذا التّركيز على موضوع العنف والقتل والموت، أليس على أرض سوريا انتصارات اليوم ؟ أليس هناك قوّة ورباطة جأش ؟ أليس هناك ما يدعو إلى السّرور ؟ أليس جديرا بالفنّان أن يذكّر السّوريين بأمجاد الماضي وبطولات الأجداد حتّى يبعث الأمل والتّفاؤل في نفوسهم ويزيدهم حرصا على المواجهة وصبرا على الشّدائد ؟ أليس جديرا به أن يُحدّثهم عن الحياة وبهجتها وسرورها ويزيل عنهم شبح الموت حتّى وهم في أحلك الظّروف وأتعسها ؟

إنّ هذا التّكرار وهذا الإصرار على تصوير موضوع بعينه ليس أمرا عارضا بالنّسبة للفنّان، وإنّما هو ظاهرة نفسيّة لا بدّ أن تكون لها دلالاتها وأبعادها في ذاته، إذ ليس من قبيل الصّدفة أن يكون بيكاسو (Picasso) قد اختار غارنيكا (Guernica) موضوعا لعدد لا بأس به من لوحاته، وكذا الشّأن بالنّسبة لعمران يونس، فليس هذا الإختيار لمشاهد العنف بالأمر الإعتباطي، بل أنّ هذا الموضوع لابدّ أن يكون حيويّا في نظره، وكأنّما هناك حوار حميمي طويل بين الفنّان والعنف سجّلت لنا لوحاته بعض المقتطفات المروّعة من هذا الحوار، وهي مقتطفات قد تغيب على الكثير من المباشرين لنفس القضيّة، “فما استبعده الجغرافي من المنظر الطّبيعي، وما أغفله المؤرّخ في صميم الحدث التّاريخي، وما لم يستطع المصوّر الفوتوغرافي أن يلتقطه من الوجه البشري، وما لم يُفصح عنه الإدراك الحسّي إلاّ بصورة غامضة، وما غاب كلّه أو جلّه عن المعرفة العلميّة الموضوعيّة: هذا بعينه هو ما يريد الفنّان أن يقصد التّعبير عنه”، ولكن هل أنّ عمران يونس عنيف حقّا ؟ يبدو أنّ الفنّان السّوري على الرّغم من إغراقه في مشاهد العنف والقتل لا يُصوّر الموت هنا بقدر ما يحتفي بالحياة، حياة نشعر بها من خلال هذه الحيويّة والنّشاط في خطوطه الرصاصيّة الّتي تتنقّل، فتنتقل، فترتحل فوق الفضاء بكلّ حريّة رافضة كلّ أشكال القسر والعبوديّة، خطوط متمرّدة، حادّة، عنيفة قد تحمل الفنّان وشعبه نحو الرّبيع المنتَظر لا الرّبيع المنكسر، أو “الرّبيع العربي” كما سمّاه البعض، إنّه الرّبيع الّذي غابت ألوانه عن أرض سوريا تاركة إيّاها في حداد مفتوح بين جسد مذبوح ودم مسفوح.. بين حرقى وغرقى، بين أسود داكن بهيم وأبيض باك حزين يختزلان بحضورهما كلَّ الألوان الغائبة، “فالأسود رمز اللّيل، رمز الغمر بالمعنى الأصلي والمجازي، والتّعارض أبيض/ أسود يرمز للتّعارض بين موت أو قذارة من جهة وحياة وطهارة من جهة أخرى”، وبين هذا التّعارض يقف رمادي كئيب على حافّة كلِّ الألوان، خجل من أن يتلوّن، حذر من أن يتقدّم.

عمران يونس، رصاص وفحم على ورق، 2013.
هكذا غاب الرّبيع الّذي نعرفه ويعرفه عمران يونس جيّدا، ربيع زنوبيا وتدمر قبل أن يزحف إليها الرّومان، وربيع دمشق وبنو أميّة قبل أن تتخاطفهم سيوف العبّاسيين من خراسان، ربيع حمائم حلب ودمشق قبل أن تفتكّ بها العقبان، ليفسح المجال أمام ربيع استعماري مُتغطرس صنعته قوى الغرب المستبدّة في مخابرها التّحليليّة أثناء ليالي الشّتاء الباردة، هناك في الكهوف البعيدة، في أعماق الأرض، حيث الظّلام الحالك والبرد القارس، ربيع كلون الخريف استطاع أن يبطش بنظارة سوريا ويفرش بعض ألوانه القاسية عنوة على شعبها وأرضها، ومنها ليتسلّل إلى أعمال عمران يونس، فيجعل منها مقابر تنبعث منها رائحة الموت…هيكل عظمي لطفل صغير أضاءت جمجمته بقعة ضوئيّة صفراء وكأنّها شعلة قنّاص حمراء أصابها الذّهول لما رأت، فتغيّر لونها وشحبت، صندوق أو تابوت أو قبر، إنّه معجم الموت في أعمال عمران يونس.

“فهل رأيت الموت بشكلٍ شخصي، أو صورةً له على الأقلّ ؟ هل تأمّلت هيبة الأموات لساعات دونَ أن تداعبكَ فكرة الخوف ؟ هل تصوّرتَ أنّ الموت من الممكن أن يكون مليئا بالحياة”، تلك هي الأسئلة الّتي استهلّت بها بسمة شيخو مقالتها المعنونة “في أعمال الفنّان السّوري عمران يونس: مقابر معلّقة على الجدران” عند محاولتها الولوج إلى عالم الفنّان السُّوري عمران يونس وفهم ما خفي من شخصيّته من خلال تناول بعض أعماله بالدّراسة والتّحليل، أو ربّما هي تفرّعات لأسئلة عمران يونس نفسه الّتي وثّقها في نصّه المرافق لإحدى معارضه في “غاليري أوروبيا” بباريس لمّا مُنع هو من السّفر وهي كالآتي: “من أنت أيها الموت ؟ كيف يمكن أن تكون سوريا وحاضرا إلى هذه الدّرجة، وتظل غامضا ومجهولا بالنسبة لنا؟” يقول هذا وهو يرسم الجثث والجماجم والرّؤوس المقطوعة وكأنّ باللّوحات تحوّلت إلى مقابر مفتوحة.

وقد لا يشكّل هنا تصوير الرّؤوس المقطوعة تماما أو لأجزاء منها حسب محمّد عمران تعبيرا عن أزمة الإنسان المعاصر فحسب، بل يشكّل أيضا انعكاسا لبيئة العنف المكثّف التي أنتِجت فيها تلك الأعمال، فالرّأس المقطوعة مثلا، لم تكن ظاهرة معروفة في الفنّ التّشكيلي العربي بعكس الفنّ الغربي حيث رسم كلّ من فالسكيز (Valezquez) وفرانسيس بايكن (Francis Bacon) الأجسام المشوّهة، ووظّف بعض الفنّانين الجماجم لنقد ظاهرة اجتماعيّة أو سياسيّة معيّنة، فهذا فان غوغ (Van Gogh) يرسم هيكلا عظميّا نصــفيّا يدخّن سيجارا بهدف السّخرية من مناهــج التّعـليم الّتي لم تتخطّى في رأيه كلاسيكيّة اليونان والرّومان، وهذا سلفادور دالي (Salvador Dali) يرسم جمجمة سائلة على بيانو، وغاص أوتو ديكس (Otto Dix) عميقا في المعنى التّقليدي للجمجمة حين أضاف إليها ديداناً تخرج من كلّ ثقوبها، لينقد بشدّة الحرب وبشاعتها..

رسم نصفي لهيكل عظمي وجمجمة فان غوغ. لوحة جمجمة من الحرب للفنان أوتو ديكس.

ولكن مع تصاعد العنف في سوريا وانتشار الصّور والفيديوهات الّتي تظهر عمليّات إبادة جماعيّة بأبشع الطّرق أساسا مشاهد قطع الرّؤوس، تبنّى عمران يونس وغيره من الفنّانين السّوريين هذا الأسلوب العنيف والمتوحّش ووظّفوه في أعمالهم التّشكيليّة للتّعبير عن العنف الواقعي الّذي يتعرّض له السّوريّون في وطنهم، ففي أحدى لوحاته، وحرصا منه على إحداث صدمة (Choc) تماثل تلك التي يخلّفها العنف اليومي المعاش في سوريا، يصوّر عمران يونس رأسا مقطوعة وُضعت في صندوق لازال الدّم يسيل منها، وهي إشارة قويّة من الفنّان إلى أن ذبح الإنسان لا يختلف كثيرا عن ذبح الحيوان في مشهد العنف السّوري أو بالأحرى “الدّاعشي”، وقد يُذكّرنا ذلك ربّما ببلاد الغال والفيكينغ وغيرهم من القبائل الإفريقيّة المتوحّشة والبدائيّة الّتي يفخر رجالها بقطع جمجمة عدوّ قتيل لتصبح رمزا لشجاعتهم وبراعتهم في القتال، “إنّ الجمجمة رمز الموت، تحرّض على التّفكير حول مسائل الحياة والموت، كذلك فإنّ وجودها على طاولة إلى جانب أحد الأشخاص في الأعمال المرسومة أو المنقوشة، توجّه إمّا نحو صوفي مستسلم للتأمّل، وإمّا نحو فيلسوف”.

عمران يونس، رأس مقطوعة في صندوق، حبر على ورق، 2014.

وعلى هذا النّحو يرفض عمران يونس من خلال أعماله العنيفة محاكاة عنف الواقع، ويسعى إلى تغييره بطريقته عبر استدعائه ومحاكمته في محكمة الفنّ، ثمّ التفنّن في تعذيبه وتعنيفه، أي تعنيف العنف ذاته، ثمّ استئصاله من الجسد السّوري مرّة واحدة، هكذا يُحبّ عمران يونس الحياة، وهكذا يُحوّل العنف إلى لاعنف، وهكذا يوثّق المأساة السّوريّة.. فهو لا يرى “تمثيل الموضوعات، وإنّما يرى فقط تلك الموضوعات الّتي ينتزع تمثيلها من صميم الواقع”.

وهكذا نجح الفنّان السّوري عمران يونس في أن يستضيفنا من خلال انطلاق وجدانه وتدفّق خياله إلى عالمه الخاصّ، عالم سوريا الجريحة.. حتّى نتذوّق مرارة الحرب وخرابها والفتنة وشرّها والفجيعة وحرقتها.. إنّها معاناة شعب أبيّ كان بالأمس يقود الأمّة فأصبح اليوم يستعطف قلوب الأمّة عسى أن تمتدّ إليه بعض الأيادي فتنتشله من مستنقع الطّائفيّة والغطرسة الدّوليّة، ولكنّ عمران يونس هنا لا يستعطفنا بهدف التقرّب إلينا، بل يقدّم لنا لوحات تعكس واقعا أليما وكأنّها نوافذ مفتوحة على الأراضي السّوريّة، فهي أصدق من الصّور الفوتوغرافيّة ذاتها، إنّها أعمال تشملنا بإحساس قويّ بالرّعب والهلع والدّمار والخراب، تلك هي الميزة الأساسيّة لأعمال عمران يونس وللفنّ المعاصر عموما، لا يخرج عن كونه أداة تواصل بين الفنّان والمتلقّي يتحقّق عن طريقها ضرب من الإتّحاد العاطفي أو التّناغم الوجداني بينهما، أي القدرة على محو شتّى الفواصل بين النّاس.

وكما أنّ محكّ صدق العمل الفنّي عند تولستوي (Tolstoi) إنّما هو مدى انتشاره بالعدوى (contagion) لأنّه كلّما كانت العدوى أقوى كان الفنّ أصدق بغضّ النّظر عن مضمونه أو قيمة العواطف الّتي ينقلها إلينا، فإنّنا لا نتردّد هنا في الإعتراف صراحة بأهميّة لوحات عمران يونس من منظور تولستوي طالما أنّ درجة العدوى تتوقّف على شروط ثلاثة ألا وهي: “الأصالة أو الفرديّة أو الجدّة في العواطف المعبّر عنها، درجة الوضوح في التّعبير عن هذه العواطف، وإخلاص الفنّان، أو شدّة العواطف الّتي يُعبّر عنها”، وهو ما نجده متوفّرا حقيقة في أعمال هذا الفنّان السّوري الشّاب. يقول النَّاقد اللبناني حازم سليمان في هذا الصّدد “تطلّ تجربة هذا الفنّان الشّاب الخارج من تراكمات المحترف التّشكيلي السّوري، والمنتبه إلى أنّ إنجاز تجربة مغايرة وجديدة، يتحقّق من مشاهدات دقيقة واختبارات عميقة للقدرات الفرديّة والحرفة والموهبة. إنّها إحدى المهامّ القاسية الّتي يُلزم بها الفنّان نفسه، إذ يُخضع الحياة لمراقبة ذكيّة تخوِّله تقديم مشهديّات واقتطاعات، يؤسّس عليها ما يمكن تسميته الفرجة أو الحكاية البصريّة، ويبني من خلالها أيضا صورة الفنّان وتداخله مع مكوّنات العالم، أو احتجاجه عليها، أو حتّى لامبالاته بها”.

فمن المؤكّد أنّ الرّابطة الّتي تجمع بين الفنّان وبين صوره النّفسيّة وتعبيرها المادّي، وبين مكوّنات العالم، لهي رابطة واقعيّة لا سبيل إلى إنكارها بأيّة حالة من الأحوال، أي أنّه ثمّة بمكان ما ضرب من الإستمراريّة أو التّواصل بين عقل عمران يونس وعقول الشّعب السّوري والعربي بصفة عامّة حتّى وإن بدا في الظّاهر خلاف ذلك، وهذا ربّما ما قصده جول رومان (Jouis Romains) لمّا اعتبر أنّ الإنفصال النّفسي “إنّما يسود على السّطح أكثر ممّا يشيع في الأعماق، وفي الشّعور أكثر منه في اللّاشعور”.

الخاتمة:

هكذا تحمّل عمران يونس عناء نقل العنف من الواقع المعيش إلى الواقع التّشكيلي دونما إغراق في التّأويلات الفضفاضة، بل نراه يرفض رفضا باتّا كلّ محاولة يُراد من ورائها فصل الصّورة عن الموضوع، أي العنف التّشكيلي عن العنف المعاش، ومعنى هذا أنّ الصّورة العنيفة الّتي ما تنفكّ تغيب في جميع لوحات الفنّان السّوري الشّاب ليست مجرّد نتيجة لحادثة عابرة أو لتأثّر وجداني، كما أنّها ليست مجرّد خطوط وأشكال ولطخات على المحمل، ولا مجرّد توازن بصري أو تمايز بين الظلّ والضّوء، ولا مجرّد ظاهرة مصاحبة للفعل الإبداعي وحسب، بل هي كيفيّة باطنة في صميم الموضوع، بل هي العنف ذاته لا بوصفه موضوعا مستقلاّ، ولكن بوصفه وحدة متكاملة ينصهر فيها العنف المادّي مع العنف التّشكيلي، ليصوغا لنا تصوّرا واضحا عن معاناة الفنّان وتوتّره وأسفه على ذهاب وطنه، ولكن لا يعني ذلك إطلاقا أنّ لوحاته قد أصبحت مطيّة للعنف، ولا مبرّرة له أو مدافعة عنه كما ذكرنا آنفا، وإنّما هي محاكمة عادلة للعنف، أي أن يكون الفعل من جنس العمل.

وبذلك نتجاوز كلّ بعد سادي في شخصيّة الفنّان وكلّ نظرة مأساويّة داكنة في لوحاته نحو لغة نوعيّة خاصّة تعبّر بصدق عن حاجة هذا الكائن الضّعيف ألا وهو الإنسان إلى إضفاء طابع جمالي ليس على منتجاته الإبداعيّة فحسب، بل على علاقاته بالآخر أيضا، ومن هنا تبزغ فوق هذه الأرضيّة القاحلة، وفي هذا الجوّ المليء بالخراب والدّمار والفوضى العارمة، نظرة جماليّة ترتكز بالأساس على مفهوم العنف، جماليّة العنف، أو ربّما جماليّة الرّائع والمريع، فالرّائع الجمالي هنا “لا يحتمل أيّ فصل نهائي بينه وبين المريع، إنّ المريع هو أيضا “جمالي” بشكل لا يُصدّق، فالجمالي ليس دوما موضوع متعة وسعادة. إذ يحدث أن يُفزعنا الرّائع إلى حدّ الرّوعة والتّرويع”، لذلك لا يجدر بنا في هذه الحالة أن نصف أعمال عمران يونس بالعنيفة، كما لا يجدر أن نصرّح بأنّ الفنّ قد مات، لأنّ العنف لم ولن يؤدّي إلى موت الفنّ، طالما أنّ موت الفنّ مرهون بموت الإنسان ككينونة وكفكر، وكعقيدة أيضا، لا فقط كجسد.

*أكاديمي تونسي

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق