قراءات ودراسات

من أجل تفسير الظاهرة الأدبية: معالم النظرية (تشكل مفهوم العقل)

بقلم :أ . عباس المناصرة

يختلط مفهوم كلمة العقل على عامة الناس، ولا يملك عنه أهل العلم إلا القليل، فنحن إذا دققنا النظر في بعض العبارات المتداولة على ألسنتهم نحو: فلان ذكي الفؤاد، وفلان صاحب دماغ عبقري، وفلان لا يسمع لأحد ولا يرى نفسه إلا على صواب؛ فإننا نجد أن بعضهم قد ظن من هذه العبارات وما يشابهها أن العقل هو الدماغ، وبعضهم فهم أنه القلب، والآخر ظن أنه الحواس. وقد نسي هؤلاء أن من أساليب اللغة العربية في التعبير إطلاق الجزء مع أنه يقصد الكل، أو يطلق الكل ويريد به الجزء.

والحقيقة أن كلمة العقل أكبر من الدماغ وحده أو الحواس وحدها أو القلب وحده، بل هي الكلمة الجامعة (للحواس والدماغ والقلب)، وأن جميع ما ذكر هو من قوة التمييز والعقل.

ونجد مصداق ذلك من القرآن الكريم، حيث أطلق فعل العقل على القلب {لهم قلوب لا يعقلون بها} [الحج:46]؛ وذلك من قبيل إطلاق الجزء وإرادة الكل، ليدل على أجهزة العقل كاملة، لكنه ذكر القلب لأنه آخر المراحل وأرقاها في تدرج عملية المعرفة من الواقع إلى الحواس، ومن الدماغ إلى القلب.

وفي قوله تعالى: {فلما أحس عيسى منهم الكفر} [آل عمران:52]، ذكر الجزء وهو الحس لكنه قصد عملية الإدراك بكاملها؛ لأنه رأى كفرهم متجسداً أمام حواسه بسلوكهم وأفعالهم، وتحققه بدماغه وقلبه. ومع أننا نقر أن جوهر العقل شيء غيبي لارتباطه بالروح التي هي من أمر الله، إلا أن ظاهرة العقل فيما نلمسه من حالة الوعي الظاهرة عند الإنسان من خلال ما قدمناه، تدل على أن مصطلح العقل يعني مجموع (علم الدماغ علم القلب). ولذلك فهو يدل على الأجهزة الظاهرة للعقل، وهو يدل أيضاً على ثمار هذا العقل؛ حيث العلم الذي يجعل الإنسان قادراً على التمييز ويعقله عن الوقوع في الخطأ، من خلال هذا الميزان الذي يتكون من قطبين هما: (الدماغ بحواسه) و(القلب بمملكته) وهما يتجاذبان عملية العلم والمعرفة تجاذباً يضمن لهما التطور والاستمرار. ويمكننا إلقاء الضوء على عملية التجاذب تلك وإيضاح معالمها من خلال النقاط التالية:

1.علم الدماغ: نسمي (المعرفة) التي يتحصل عليها الدماغ أثناء عملية التفكير في المعلومات القادمة عن طريق الحواس، والوصول بها إلى مرحلة استنتاج (الحقائق والمفاهيم والأحكام) بـ(الحقائق الدماغية الفكرية)؛ لأنه يحاكم ويميز من خلال منهج يضبط عملية التفكير حتى يصل بها إلى مرحلة الاستقرار والثبات أو إلى حالة التساؤل والبحث الذي يدفع بها إلى عمليات تفكير جديدة.

2.علم القلب: نسمي (الموقف) الذي يصدره القلب على ضوء الحقائق الدماغية القادمة إليه من جهود الدماغ في التفكير بـ(قيمة الحقيقة)؛ لأنه يحكم على حقائق التفكير الدماغي أو مفاهيمه من خلال مركب من مشاعر التصديق والرضى والقبول، أو من خلال مركب من مشاعر الرفض والخوف والقلق أو منهما معاً، وهي عبارة عن ردة الفعل الطبيعية لدى فطرته أو موقفه الشعوري، حيث يرى قيمة هذه الحقائق وفائدتها في إشباع فطرته وعواطفه ومشاعره وإرادته وحاجاته، كأن يصدر مشاعر الفرح قيمة لحقيقة النصر، أو أن مشاعر الحزن قيمة لحقيقة الهزيمة، أو أن يصدر مشاعر الحزن والهلع قيمة لحقيقة الموت، أو أن يصدر مشاعر الكره والحقد قيمة لحقيقة الظلم والاضطهاد، أو أن يصدر مشاعر مركبة من رصيده الفطري الشعوري تجاه أحداث ومفاهيم وحقائق يكابدها في الحياة.

وإذا عدنا إلى الآية السابقة التي انطلقنا منها، فإننا نجد أن الحقيقة الدماغية المستخرجة من التفكير في السماوات والأرض، ظهرت في صيغة {ربنا ما خلقت هذا باطلاً} ومعناها يدل على حقيقة، ينفي فيها التفكير معنى العبثية عن الحياة والكون والإنسان، ويقر بأن الإنسان خُلق لمقصد محدد، وعندما ظهرت هذه الحقيقة بوضوحها أمام القلب المستقيم الفطرة، أصدر قيمة هذه الحقيقة والموقف منها لدى هذا القلب، وظهرت قيمة الحقيقة في صيغة {سبحانك فقنا عذاب النار} حيث ظهر هذا القلب الخائف أمام انتفاء العبثية وجدّية الحياة، وجاء على شكل دعاء وتعظيم لله سبحانه وتعالى، يتجلى فيه الإيمان والخضوع

والاستعاذة بالله من عذاب النار. وهكذا ظهرت قيمة الحقيقة والموقف منها منضبطة بمعيار متلازم، لا انفصال فيه بين الموقف والقيمة وهي أيضاً متصلة بالرؤية الفكرية التي كوَّنتها؛ لأن القلب هو الذي يعقل علم الدماغ وتفكيره وحقائقه ومفاهيمه، ويستفيد منها ويسترشد بها، أو يعرض عنها وينفر منها، وهكذا فهو يعقل قيمة هذه الحقائق ويدرك جدواها في إشباع ميوله وحاجاته وغرائزه وطموحاته.

ونلاحظ أن عملية المعرفة تتدرج في دماغ يعقل حقائق عالم الشهادة، وقلب يعقل وجه المصلحة من هذه الحقائق.

أما إذا عمي القلب عن إدراك هذه الحقائق ووجه الحق فيها، فمعنى ذلك أنه عرضت أمامه حقائق الحياة وحقائق التفكير ومفاهيمه عنها، لكنه لم يستجب لها، ولم يستفد منها، وأصبحت هذه الحقائق مجرد معلومات عابرة لم تؤثر في موقفه، ولم تعدل من استجابته، وما الفائدة من الحقائق التي يتعب الفكر الدماغي في الوصول إليها، إذا لم يقبلها القلب ويسترشد بها في تهذيب مشاعره وحاجاته وفطرته، حتى يدرك جوهر الحياة وحقائقها، فيخاف وقت الخوف، ويطمئن وقت الطمأنينة، ويتعظ وقت الاتعاظ، ويكره وقت الكره، ويحب وقت الحب. ولذلك وصف الله تعالى هذه القلوب بلسان الجمع في قوله {لهم قلوب لا يعقلون بها} [الحج:46]؛ لأنهم في آية أخرى تفصل حالهم: {وكانوا لا يستطيعون سمعاً} [الكهف:101]. لا من قوى فكرهم ولا من فكر غيرهم؛ لأن مملكة الهوى تخضعهم لرغباتها، فهم لا يرون الحياة إلا من خلال منظارها.

ولا تخلو عملية التجاذب بين القطبين (الدماغ والقلب) من تبادل التأثر والتأثير فيما بينهما، بحثاً عن الوعي الأفضل والأمثل؛ فتارة يضيق القلب بحالات الجمود والتقليد الذي يعيشه الفكر أحياناً، فيدفع القلق القلبي الدماغ للنشاط والتفكير بحثاً عن العلم والتفسير والطمأنينة، وتارة يقوم التفكير الدماغي بهداية العواطف الجامحة لدى القلب، بما لديه من فكر، وبخاصة أمام حالات الجدة والدهشة والمفاجأة، يرشدها ويربيها؛ لتفيق من هياجها وتخضع للفهم الأفضل فيما استجد عن قناعة ورضى وتسليم

وفي نهاية المطاف، لا بأس من التفريق بين العلم في بعض معانيه وبين المعلومات؛ فالعلم: يدل على حالة استفادة القلب من تفكير الدماغ ومفاهيمه وحقائقه. وفي هذه الحالة يستفيد القلب ويهتدي، وتتحول الحقائق إلى هداية في أعماقه وارتقاء في مشاعره وطباعه وتهذيب في فطرته وانضباط في أهوائه، ثم يمتد هذا العلم إلى سلوك ظاهر في جوارحه وأفعاله وأقواله.

أما المعلومات: فتدل على الحالة الأخرى المغايرة، وهي الحالة التي تمرر فيها حقائق الدماغ عن الحياة وتفكيره وجهوده، وتعرض أمام بصيرة القلب لكنه لا يتعظ بها، ولا يتكيف معها في هداية فطرته، وهذا القلب عمي عن تلك الفائدة وقبول الحق منها، رغم أنها قريبة منه، وفي متناوله، وقد وصف الله سبحانه هذا النوع من القلوب بقوله: {فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور} [الحج:46]؛ لأنها جعلت الإشباع هدفاً وهاجساً ومعبوداً، واستبعدت عملية تعلم الحق من أهدافها، فتحولت الحقائق إلى مجرد معلومات يختزنها في الذاكرة، ولكنه لا يستفيد منها ولا يعتبر بها. قال الإمام الشافعي رحمه الله: \”ليس العلم ما تحفظ، إنما العلم ما نفع\” ) (. ومن الأبيات الجميلة التي دارت في فلك الآية القرآنية قول أحمد شوقي:

لقد أنلتك أذناً غير واعية ورُبّ مستمع والقلب في صمم

الخلاصة:

وهكذا نرى أن المعرفة في المفهوم القرآني، تتدرج في قنوات العقل البشري من الواقع الخارجي (عالم الشهادة) إلى الحواس، ومنها إلى الدماغ ومنه إلى القلب، وهو أرقى الدرجات في السلم المعرفي وأعلاها، ضمن سلسلة من التواصل والتفاعل، تصنع المفاهيم وتكشف الحقائق وتصدر الأحكام التي تشكل الرؤية الفكرية للأديب، فيستقبلها القلب بإصدار قيمة الحقيقة والموقف منها.

وتتم عملية المعرفة تلك في ترابط وتشابك وتجاذب بين قطبي العقل (الدماغ والقلب) حتى تصل إلى مرحلة الحقيقة الكاملة بجميع أبعادها: الواقعية والحسية والفكرية والمنهجية والقلبية.

وكان الهدف من شرحها مفككة هنا، هو تسهيل عملية فهمها فقط، وقديماً قال أحد الحكماء: (إن الله جعل القلب أمير الجسد، وملك الأعضاء، فجميع الجوارح تنقاد له، وكل الحواس تطيعه، والقلب وزيره العقل) ) (، وقصد بالعقل هنا الدماغ والفكر وهو من قبيل إطلاق الكل وإرادة الجزء.

القلب ومصادر المعرفة:

استكمالاً لما سبق، لا بد من إيضاح مسار المعرفة، حيث يتلقى القلب العلم والمعرفة من مصدرين هما:

المصدر الأول: علم المعرفة القادمة للقلب من بوابة الفكر والحواس على الكون والحياة، وهذه المعرفة يأخذها الفكر من مصدرين هما: (علم حقائق الوجود، وعلم حقائق الوحي) ويكون فعل القلب في هذه الحالة هو إصدار (الموقف والقيمة) وهو ما تم تفصيله فيما سبق من الفقرة رابعاً (حكم القلب).

المصدر الثاني: علم المعرفة القادمة إلى القلب من جهة بصيرته (الروح) وهو من بوابة الروح على أصل فطرتها في عالم الغيب، وهو ما اصطلح أهل العلم على تسميته بالإلهام.

الإلهام:

والإلهام (الهداية – الفراسة) هو انفتاح بصيرة القلب لتلقي العلم مباشرة من الله سبحانه وتعالى من خلال طاقاتها ومواهبها وخصائصها، ومن جهة أصلها وفطرتها وانفتاحها على بوابة عالم الغيب، حيث يهجم هذا العلم على شاشة القلب كهجوم الأسد على فريسته، أو يقذفه الله في القلب مباشرة، دون مقدمات أو جهد.

ويختلف عن العلم الذي يأتي إلى شاشة القلب عن طريق الفكر وبوابة الحواس على الواقع الخارجي. وتسمى الروح في هذا العلم بالبصيرة، لأنها تبصر الحقائق بذاتها وطبعها، بصفتها نفخة علوية من عطاء الله للإنسان.

وقد اختلف العلماء في تسمية هذا العلم من جهة تلك البصيرة، إلى تسميات منها: (الإلهام – الهداية – الفراسة). وقد ورد في شرح العقيدة الطحاوية باسم الفراسة وذكر منها ثلاثة أنواع:

1.فراسة إيمانية: وسببها نور يقذفه الله في قلب عبده، وحقيقتها أنها خاطر يهجم على القلب يثب عليه كوثوب الأسد على فريسته، وهذه الفراسة على حسب قوة الإيمان، فمن كان أقوى إيماناً فهو أحدُّ فراسة.

2.وفراسة رياضية: وهي التي تحصل بالجوع والسهر والتخلي، فإن النفس إذا تجردت عن العوائق صار لها من الفراسة والكشف بحسب تجردها، وهذه فراسة مشتركة بين المؤمن والكافر، وهي فراسة لا تدل على إيمان ولا على ولاية.

3.وفراسة خلقية: وهي التي صنَّف فيها الأطباء وغيرهم حيث استدلُّوا بالخَلق على الخُلق لما بينهما من الارتباط الذي اقتضته حكمة الله، كالاستدلال بصغر الرأس الخارج عن العادة على صغر العقل )

والإلهام حالة فردية متفاوتة في ظهورها لدى الأفراد، ومن الأحوال التي تسرِّع الإلهام وتيسِّره وترفع القلوب إلى مستواه، حتى تستحق أن تُلهم العلم من الله سبحانه وتعالى:

1.إذا تحرج القلب عن الوقوع في الشبهات أو المعاصي.

2.وإذا استنفذ الفكر الحول والقوة ووقف عاجزاً، واستيقظت في القلب الإرادة التي تتشوَّق إلى معرفة الحق الذي يرضي الله سبحانه وتعالى.

3.إذا عاش القلب حالة انتظار الفرج، وغمره الصدق والنقاء، وارتفع إلى مراتب التقوى.

4.إذا اشتدت في القلب الحاجة والافتقار إلى عون الله في البحث عن الصواب، وألحَّ في الطلب والدعاء.

وأدلة ذلك كثيرة في كتاب الله تعالى وسنّة نبيه صلى الله عليه وسلم، ومن أدلته في القرآن الكريم:

– {ومن يتق الله يجعل له مخرجاً . ويرزقه من حيث لا يحتسب} [الطلاق: 2-3].

– {والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا} [العنكبوت: 69].

– {واتقوا الله ويعلمكم الله} [البقرة: 282].

– {إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون} [الأعراف: 201].

ومن سنة الرسول صلى الله عليه وسلم أنه علَّمنا صلاة الاستخارة والدعاء عندما يغمُّ الأمر، أو تضيق بنا الأحوال والسبل، وعندها لا بد أن يأتي الفرج والهداية ولو بعد حين.

ويأتي الإلهام على صور وأشكال متعددة منها:

1.أن يقذف الله سبحانه وتعالى الفهم السديد على شاشة القلب، فينكشف له وجه الحق والصواب فيما غمَّ عليه.

2.أن يأتيه العلم على شكل رؤيا صالحة واضحة التأويل.

3.أن يجعل الله في قلبه ميلاً وطمأنينة تجاه الشيء الذي غمَّ عليه.

4.أن يجعل الله في قلبه نفوراً وقلقاً تجاه الشيء الذي يهتم به.

5.أن تزول الغشاوة عن البصيرة فينكشف لها الدليل والبرهان في جلاء حقيقة معينة.

6.وقد يأتيه العلم حين يلهمه الله حسن التقدير وصحة التوقع لما يدور حوله من القضايا التي يهتم لها.

7.أن يهجم عليه التذكر بعد النسيان فإذا هو مبصر لما غاب عنه.

تفسير الظاهرة الأدبية في ضوء ما سبق:

وهكذا وبناءً على ما سبق، يمكننا الاتكاء على نظرية المعرفة في تفسير الظاهرة الأدبية، لما لها من فضل عظيم في إلقاء الضوء على النشاط الفكري والنفسي والأدبي عند الإنسان، وتحديداً عندما نتذكر أن الله سبحانه وتعالى قد منّ على الإنسان فأعطاه العقل بقطبيه (الدماغ والقلب) وجعله كائناً مفكراً ا مشاعر وعواطف، ومنحه القدرة على نقل فكره ومشاعره، بما أعطاه من نعمة البيان وبما منحه من أدواته، ومن أدلة ذلك في الكتاب العزيز، قوله تعالى: {علمه البيان} [الرحمن: 4]. وقوله: {واختلاف ألسنتكم وألوانكم} [الروم: 22].

وقوله: {ألم نجعل له عينين . ولساناً وشفتين} [البلد: 8-9]. وقوله {وعلّم آدم الأسماء كلها} [البقرة: 31]. والأصل في التعبير والبيان أنه حاجة داخلية شعورية قلبية، لأنها تمثل الموقف في القلب، لكن الذي يتحكم في صياغتها الفكر والذوق، وهذا ما تبينه الآيات الكريمة في قوله تعالى: {يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم} [الفتح: 11]. وقوله أيضاً في وصف موسى عليه السلام عن نفسه وحاله {ويضيق صدري ولا ينطلق لساني} [الشعراء: 13].

والبيان وسيلته اللغة وجهازه الصوتي والفكر، مما جعل هذا الإنسان قادراً على النقل والإيصال والإعراب عما يعتمل في نفسه، من خلال الأبنية اللغوية والأساليب الفنية وبما توصل إليه من الأجناس الأدبية التي تمكنه من إيصال ما يريد، ومن خلال البيان الذي يسحر القلوب بما يوصله من تأثير إلى نفوس المخاطبين.

وكما نعلم أن الأدب في أصله وجرثومته يعتمد على نقل الموقف الشعوري القلبي وبما تصدره مملكة الهوى والإرادة من مركَّب المشاعر، التي تبين قيمة الحقائق والمفاهيم التي قدمتها الرؤية الفكرية للأديب، أثناء حدث خارجي تحرَّش بشعور الأديب وأيقظ حالة الاهتمام والانتباه الشعوري في قلبه، وهو ما اصطلح عليه الشعراء والأدباء باسم: (التجربة الشعورية) للشاعر أو للأديب، وهي التي وصفها الأخطل بقوله:

إن الكلام لفي الفؤاد وإنما جعل اللسان على الفؤاد دليلا

وكلام الفؤاد له لغة خاصة به، هي لغة الذات، لغة أغوار النفس، التي تختلف عن كلام اللسان الذي يمثل لغة المجتمع، لأن اللسان هو الترجمان الذي يترجم لغة الذات إلى لغة المجتمع من خلال لغة البيان.

من لغة الذات إلى لغة البيان:

ومن هنا لا بد لنا من متابعة الرحلة، حتى نرى كيف تتحول لغة الذات، التي قال عنها الشاعر (إن الكلام لفي الفؤاد) على لغة اللسان والبيان الذي يفهمه المجتمع، والأمر يتضح عندما نطلُّ على القلب فنرى أن المشاعر في داخله، أبه بالبحر المتلاطم الأمواج، تظهر على شكل موجات من المشاعر المختلفة في شدتها وتمازجها وطولها، تحكمها حالات من الاندفاع والتوتر المتأرجح بين القمة والقاع، تتداخل فيها الجوانب الشعورية بالجوانب الأخرى الحسية والفكرية، وتتعالى أمواجه بالوجدان والإرادة، وتظهر على شكل وجدانات تمتلئ بالأشواق والمعاناة والرغبات والنوايا والمقاصد لترسم قيمة الحقائق التي قدمت مع الرؤية الفكرية وتحدد الموقف الشعوري منها.

ومع ذلك تبقى لغة الذات مجهولة الدلالة، لا يعلمها إلا الله سبحانه وتعالى، ثم صاحب ذلك القلب، لأنها لغة خاصة مبهمة غامضة متداخلة في أعماق النفس، إنها لغة تعتمد المشاعر والتوتر والنبضات أسلوباً، ولذلك هي تحتاج إلى نقلها من لغة النبضات والمشاعر الداخلية المبهمة، أو ما نسميه حديث النفس إلى لغة الخطاب الخارجي المتعارف عليها بين أبناء المجتمع، وعندها يحتاج المبدع إلى عملية إبداعية تحولها إلى لغة بيانية، قادرة على حمل ما يجول في ذلك العالم الغريب الخفي من نفس المبدع، من خلال نعمة البيان التي تعتمد الأساليب اللغوية، وحيث توظف هذه اللغة في بناء معمار بلاغي يكون قادراً على نقل هذه التجربة، لأن البشر لا يفهمون اللغة الشعورية للمبدع، إلا بعد تحويلها إلى لغة بيانية اجتماعية جمالية، تترجم لهم عوالم هذه النفس إلى ما يفهمون من لغة اجتماعية لها تقاليدها الفنية المتعارف عليها بينهم.

وهنا تظهر قيمة البيان الذي منحه الله للإنسان حين يتمكن هذا الإنسان من تحويل لغة ذاته وحديث نفسه ومناجاتها إلى لغة البيان الموصلة المفهومة لدى الجميع، وهو أمر مألوف ومعروف في الآداب الإنسانية كلها، حيث أصبحت كل أمة لها لغتها البيانية الخاصة بها، وهي تمثل تقاليدها الفنية وعلومها البلاغية، وخبراتها التي تتميز بها في الأجناس الأدبية، وبما تجمع لها من خبرات تعكس ذوقها الجمالي الذي تتميز به عن غيرها من الأمم، وبما استقر لها من أساليب البيان بنوعيه: البيان العلمي والبيان الأدبي، لخدمة علومها وآدابها، وإلى هنا نتوقف في بحثنا عن الظاهرة الأدبية حيث نحتاج إلى بحث مستقل يتناول المحطة الأخيرة بشيء من التفصيل وعناوين جديدة تتناول طبيعة الأدب ووظيفة الأدب والتمايز بين الآداب العالمية.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق