قراءات ودراسات

مركزية الأنثى الطارقية في رواية (نادي الصنوبر) لربيعة جلطي

د. آمال كبير*

تمهيد: تتحول المرأة تباعا داخل النصوص السردية إلى مادة لزجة، ونقصد باللزوجة هنا؛ قدرتها على استقطاب القارئ والناقد معا إلى حظيرة الحكي ثم إفلاتهما للانزلاق الحتمي صوب هاوية العجب والسؤال.
مقاربة تثير الحيرة، وهي في كل مرة تبدو وكأنها عبث سردي ثم عبث قرائي يتلوه عبث نقدي، دائرة تلتف حول نفسها ولا تقول شيئا مهما في آخر المطاف.

المرأة الطارقية ومجتمع المدينة:
وعلى الرغم من أن المرأة في المجتمع الجزائري تعيش سلبيات المجتمع الأبوي؛ أو بالأحرى المجتمع الذكوري، إلا أن طبيعة التأثير والتأثر بين الجنسين مختلفة عن المألوف الحكائي أو الواقعي الذي تصل أخباره إلى السطح المعرفي أو تتجاوزه.
ما تريد الكاتبة (ربيعة جلطي) أن تقوله في روايتها (نادي الصنوبر) ينطلق من هذه الفكرة ليثبت جدواها في التعبير عن قضايا المجتمع الجزائري، حيث تختلط أوراق الحكاية ببعضها لتخرج الورقة الرابحة من بين تلك الأوراق ممثلة في البطلة (عذرا)؛ الطارقية التي تنسج من خيالات الصحراء منبعا لثروة أنثى جزائرية لا تنضب ينابيعها ( ضاجة مثل الرعد، تدخل الحاجة عذرا الصالة بألبستها الفضفاضة ذات الألوان المتعددة، يغلب عليها الأسود الليلي البراق، أطرافها تطير في كل مكان حتى كأنها تجرجر وراءها الأشياء، إلا أن القماش الهفهاف العريض يمر مثل الماء مداعبا وسائلا فوق كل شيء دون أذى، ومن كثرة ما ترفع مناديلها حول كتفيها، تمتلئ الأمكنة بروائح المزيج من طيوب صحراوية، لا تشبه في شيء العطر الفرنسية المغشوشة التي نتنافس على شرائها من سوق الطرباندو، كلما سمحت إمكانياتنا بذلك ) الرواية ص 7.
تقدم الكاتبة وعيا مبتكرا لقيمة المرأة في المجتمع الجزائري من خلال الإلماح إلى طريق ترنو إليه كل امرأة ( فطنت الحاجة عذرا إلى أحاديثها التي تشدنا إليها أكثر، هي تلك التي تتناول سير الرجال وعلاقتهم بالنساء، وما يدور في كواليس النساء خاصة من تدابير عفاريتية للحيل.. فتسترسل سخية فيها مفصلة، مؤكدة، محللة، معلقة.. لم تكن الحاجة عذرا لطيفة مع الرجال على الرغم من إعجابها الكبير بهم، واهتمامها بأخبارهم الصغيرة والكبيرة.. وحين تبدأ بوصف أحد منهم فإنها تفتت جسده بالقول والمعنى إلى تفاصيل لا تدركها غير عارفة بأمورهم الدقيقة، وكانت تسميهم الذكورا ) = الرواية ص 13. فالكاتبة هنا تستعير نمطا مختلفا للاهتمام الأنثوي يكون فيه الرجل طرفا موصوفا لا واصفا، مفعولا به عبر القول والاهتمام والغلبة، وهي في الوقت نفسه تطرح أمام القارئ مجموعة من الإشكالات التي لا تتعلق بالذكورة باعتبارها مركزا عالميا في القيادة والتسيير، بل باعتبارها طرفا مهزوما وقيمة منقوصة من حيث هي مجرد بوق فارغ يصدر عويلا تاريخيا يرثي به اضمحلال فكره أمام شهواته (الجنس/ المال/ السلطة)، (أخبرتنا أنه بعد أن تم طلاقها من آخر أزواجها، بسبب عدم إنجابها له، شعرت أنه بدأ يتلكأ ويبدي الامتعاض من محنته، فلم تتردد في الانفصال عنه، وتبعا لعادة الطوارق في الاحتفال بالمطلقة، لم تخرج عن العادة العتيقة، فأقامت حفلة جميلة صاخبة، حضرها كبار القوم وصغارهم، ولم تستثن في دعوتها أحدا، وفي الحفلة التاريخية تلك، صادف وجود رجال من بلد خليجي في المنطقة، يقيمون عادة لفترة محددة بغرض ممارسة هواياتهم التي هي صيد الغزلان، والظباء، وحيوانات الصحراء الشاسعة الغنية بكل شيء من ثروات باطنية وظاهرية حية يزخر بها البلد… وفي الغد وكما كانت تنتظر، بعث الوسيم إليها بمرسول، وبهدايا ثمينة، لكن إجابتها كانت قاطعة ) = الرواية ص15، 18. وهي هنا تستبدلها وتستبدل معها مجتمع المدينة الموهوم بالمجتمع الطارقي الذي يؤسس قانونه لقيم أكثر توازنا ونجاعة وأقل تأزما، والأهم فيه أنه مجتمع أمومي؛ حتى لا نثير نوازع الانتقاد والتذمر إن وصفناه بالمجتمع النسوي.
يأتي صوت المرأة الكاتبة في هذه الرواية مختلفا عن المألوف النسوي، إذ لا تقف الكاتبة لتندب مصير المرأة أو تبكيها أو تبث لواعج حاجاتها المكتومة، ومشاعرها المغيبة، وحظوظها الضائعة بين القهر والعهر؛ (لكن هذه العذرا لا تراني.. يبدو أنها لا تحسب لي حسابا، تمر دون حتى أن تقع عيناها علي، وكأنني أضع طاقية إخفاء..أإلى هذا الحد تتمادى الطارقيات في شموخهن.. ) = الرواية ص 20. إنها تقدم أنموذجا أنثويا صاخب التأثير، ولعل الوعي بعالم المرأة وما يجب أن يكون عليه فعلا، هو الذي يصنع المفارقة البيّنة بين مواقف المرأة التي تمثل الأصل الأنثوي القيادي، وبين المرأة التي اخترقت شرنقتها لتعيش في السجن (نجلس في البد حولها صامتات، بأثوابنا المسائية تتهدل حول أجسامنا النحيلة المتعبة، والنمل يتكاثر في أسفل الأقدام من كثرة السعي في هذه المدينة الغولة التي نتشارك جميعنا في غربتنا فيها، كل واحدة في داخل رأسها دخان اليوم الطويل في البحث عن المبتغى، يتصاعد في التواءات قليلا قليلا مثل أفعى راقصة ) = الرواية ص 11. تلك المقارنات الضمنية التي تتكشف للقارئ وهو يصطدم بحال النساء اللواتي جئن إلى الحكاية الرئيسة محملات بالواقع المزري الذي تنوء تحت ثقله كل امرأة تنوي الاستقلال بمصيرها.

إنها تقدم خطابا نسويا ( يهدف إلى التغيير النقدي الجذري عبر استعماله لغة جديدة غير مستعارة من الخطاب الأبوي السائد، وعبر توظيف آليات لا تنتمي إلى الآليات التقليدية، وعبر الصدع بين الفكر والممارسة، وأخيرا عبر اتخاذ موقف مستقل عن الفكر الغربي والعربي (الأبوي) على السواء ) = مجموعة من الباحثين، نقد المجتمع الأبوي، ص 19.
كما تمزج الكاتبة بين حديث النساء وأحاديث السياسة، إنها التركيبة العلاماتية الأكثر جذبا في الرواية (من رماني إلى العالم الموازي بهذه الفيلا التي تبدو لي أكثر وحشة كل يوم، على الرغم مما بها من أثاث فاخر، علمت أنه من لدن الدولة الكريمة، ملأت كل البنايات الفاخرة هنا بهذا الأثاث، مثل ما فعلت على ما يبدو مع جميع الفيلات الجاهزة الأنيقة المترامية على أطراف شجر الصنوبر وعلى الشاطئ المحروس، لا يدخله من هب ودب من الشعب، قطعة من الخيال، فيه ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا لسان ذاق. جنة نادي الصنوبر بعيدة عن ضجيج العاصمة وهوائها الملوث، تسكن بها وتأويها الناس “اللي تستاهل”، الشخصيات السياسية والهامة والمحظوظة والمقربة وال..، كي تستريح وتسكن إلى الهدوء ولذة البذخ، وتنام وتحلم في منأى عن الدهماء والغاشي، وإلا كيف لها أن تفكر في هدوء وسكينة كيف تضمن مستقبل الأجيال والبلاد والعباد، وتكتب تاريخ المجد الذي يليق بها بأحرف من نور ونار وزبرجد، من ذهب وفضة… السياسة والحكم والتفكير أمور يحسبونها سهلة وما هي بسهلة، فلا بد أن يكافأ عليها من يمارسها. ثم إنها تتطلب الهدوء المطلق، كي ينطلق المخ الكبير، نعم المخ الكبير الذي يستخدم كل خلاياه…) = الرواية ص 26. فما الذي تريد الكاتبة أن تقوله فعلا من خلال نموذج المرأة مقابل النماذج الذكورية المعلّبة، ولماذا تتلاحم المرأة الحرة مع الحياة في (نادي الصنوبر) زمنا، ثم تترك كل تلك الرفاهية من أجل حريتها؟ لماذا تفلت من الكاتبة الحكاية عبر المضمر لتقول حديثا متخفيا عن الصحراء، ولماذا تواجه (الحاجة عذرا) الثراء بالقيمة، وهل يمكن أن تكون الصحراء هي مركز التأثير والثراء والحرية وليست المرأة كما توهمنا منذ حين؟
تستعير الكاتبة المرأة هنا لتجعل منها أيقونة بديلة للصحراء، فالمرأة والصحراء في الجزائر يشكلان قيمة مادية ومعنوية متشابهة، غير أن الحكاية لا تدور أحداثها بين حبات الرمال، بل بين الجدران الضيقة للعمارات أو الواسعة في فيلات ( الخليج/ نادي الصنوبر) ( بكت عذرا حين زارت قصر أم عبده المتوفاة، وجدت خيمة منصوبة داخل القصر، وكأنها تشهد على عالم منقرض .. أخبروها أن أم عبده بعد الانتهاء من تشييد القصر لها، أصرت أن تنقل خيمتها إليه، وترفع أوتادها داخله كعادة رفع الخيام…) = الرواية ص 86.
هذا ما يجعل الحنين إلى المكان مشوبا بالألم وغير متناغم مع مصطنعات البذخ الذي يمكن أن يغير الآخرين، لكنه لم يتمكن من تغيير (عذرا) (النفط يملأ الحاويات الرابضة، المهيأة للإبحار والطيران، النفط يملأ فناجين القهوة وملاعق السكر، وقنينات إرضاع الأطفال، النفط يحشو الأسرة ووسائد الليل، وآهاته وتنهداته، ويغلف موائد النهار.. يلون النظارات والعدسات اللاصقة والورد الاصطناعي ويتسرب إلى كل شيء، يتطاول على كل شيء مثل لسان أفعى سريع وقاتل، يغلق السقف ويحظر الشمس.. كل شيء مغلق.. النفط.. النفط.. النفط ) = الرواية ص 90.
إن الهامش الذي تحيل إليه الكتابة بهذا الشكل يتحول إلى مركز مهم في دائرة الوعي الكتابي محيلا الأهمية نفسها إلى حدود القراءة، ولا يلعب المتخيل دوره هنا إلا بمقدار ما يستطيع أن يلائم بين المعطيات والموجودات التي هي واقعية في أصلها، ولهذا لا تقوم علاقة المرأة في الرواية على طرف واحد كما هو متعود وشائع ومألوف، بل تقوم على طرفين جديدين: على علاقتها بذاتها، وعلى علاقتها بالمكان، أما علاقتها بالرجل فهي طرف دخيل لا يعزز قيمتها الاجتماعية أو النفسية، ولا يمنحها بديلا ضروريا عن إمكانية سيطرتها الأنثوية الكاملة.
إذا (عذرا) مثل الصحراء، بل هي الصحراء، شاسعة وغنية وقادرة على العطاء لكن وفق مفهومها لقيمة ما تمنحه علنا، ولما تخبؤه في أحشائها لوقت الحاجة المجهولة، إذا لماذا صار مجتمع (الطوارق) مجتمعا هامشيا مغيبا من دائرة المدينة وحاضرتها السياسية والاجتماعية والفكرية؟ وإذا كان الهامشي هو ذلك المشبوه المطارد بجريمة التأثير السلبي على منحى المجتمعات التي تسير طبيعية بدونه، أين يكمن الجرم الطارقي وفيم يتمثل؟( كم علي أن أردد على مسمع زوخا وباية ونسيمة، بأن الصحراء هي قلب البلد وهي عاصمته الحقيقية وهي بخيراتها السخية يمكنها أن تعيل عائلة البلاد الكبيرة الواسعة… الصحراء الكبيرة لنا منذ خلقت، خلقت لنا نحن الطوارق، لأننا نحب كل حبة رمل فيها، لم نأت لنسرقها، لنغتصبها ثم نختفي) = الرواية ص120.
إن (عذرا) في الرواية تجمع مهمشات تمتّ إلى بعضها البعض بصلات رمزية مضمرة وخطيرة (دون سابق إنذار يتعاظم في قلب سعدة الشعور أن عذرا الغريبة الآتية من عالم بعيد ومجهول بالنسبة لها، أقرب إليها من أخواتها غير الشقيقات، إنها تتقاسم معها أهم إحساس لا تعرفه النساء اللواتي ينجبن، الشعور أنها الللؤة الفريدة تحمل قيمتها في ذاتها…هي الطارقية حرة الجسد والروح ومرمى النظر.) = الرواية ص 92، 94. ولا تبدو هذه الصلة إلا من خلال الإحاطة بطبيعة التأثير الذي تتركه امرأة طارقية في كل ما حولها بسطوة وفاعلية غير قابلة للمقاومة (تدفع لي الحاجة عذرا كل شهر ما يكفي لعيش كريم، أبعث منه قسطا لأمي وأختي. الحاجة عذرا كريمة كرم أهل الصحراء.. انتشلتني من فراغ رهيب قاتل تتوالى الأيام فيه دون طعم…) = الرواية ص 31.
( عباس من هؤلاء، من وجوه الحارة، مهرب سابق، أفصح عن رغبته للترشح في البرلمان القادم فأطلق لحية شعثاء منذ مدة، قبل أن يبدأ حملته الانتخابية في المسجد. لعله يراهن عليّ ليثبت لمنتخبيه قدرته وفعاليته على ترويض نمر مثلي ووضعه صاغرا في قفص. أليس جميع من هم مثلي مجرد أوراق انتخابية ضائعة مبعثرة في الشوارع.. من يلتقطها يملأ صندوقه ويكون الأجدر بثقة العامة والسلطة معا..) = الرواية ص 54. هنا تبدو الكاتبة وكأنها تعيد تصميم الواقع الجزائري لا أن تنقله بعيونها فحسب، ذلك أنها تعير صوتها السردي لتلك الشخوص المتأزمة تباعا، تربطهم جميعا بالبطلة التي تتحول إلى ذرة أثيرية تمنح الآخر جرعات من الأمل والسعادة وتحقيق الأحلام، ولهذا فإنها تعطي أبعادا متشابكة للقصة البسيطة لحياة الطارقية التي لم تأنس إلى الجاه والسلطة، بل اختارت سلطتها المتوارثة الخاصة، التي لا تنفك أن تكون حالة فردية غير قابلة للتكرار أو للتقليد، لتقول منها أزمة الإنسان في مجتمع تعددت مشاكله والتفت حول عنقه وهو سائر إلى اختناق أكيد.
إن الكاتبة تحاول تباعا أن تضيء جانبا معتما في وطن ينقسم على نفسه بشكل عجيب، فالحالة الطارقية هنا ليست رمزا فحسب بل هي قيمة خاصة ومعقدة (نحن الطوارق لم يمسنا كل هذا التشويه الذي أفرغ سكان الشمال من إنسانيتهم. مازال الطارقي منا يحتفظ بجوهره وبرحيقه على الرغم مما تعرض له من محاولات كسر وتحطيم هو الآخر. حياتنا نحن الطوارق مرآة لاسمنا الأصلي العريق “إيموهاقن” الاسم الذي مازال يشبهنا ويدل علينا “الأحرار”.. نعم.. كلمة الأحرار تدل علينا. لست أدري لماذا أشعر بالتفوق وأؤمن أنني من تربة أخرى مختلفة، معجونة بماء الحرية والحياة المنطلقة المفتوحة على السحر والأسرار والفرح) = الرواية ص 102. وهي إذ تقدمها في شكل امرأة قوية مثل (عذرا) إنما تريد أن تخرج بها من دائرة الضحية – على الأقل على مستوى الكتابة – إلى مستوى الإدراك والاعتراف (إنهم هنا مرتاحون، يتنعمون يتمايلون بين سواقي الحليب والعسل وبنت العنب. لم يستشيروا أحدا ولم يخترهم أحد لكي يعيشوا في هذا البذخ الذي تمنه لهم خيرات الذهب الأسود السخي. ثم ليس يهم أن لا يختارهم أحد، ولا يهمهم ما يقال وما لا يقال، ولا يهمهم الأنين في الجهة الأخرى للسور الخارجي، ولا يهمهم همّ الدهماء وضجيجهم وروائحهم ومشاكلهم التي لا تنتهي وشكواهم التي لا تنقطع.. المهم يا يمة زهور أنهم ليسوا مثلنا، ليس يهددهم أحد بالطرد ولا الزيادات في الأجور مثلما فعل معنا القاضي قدور. نعم بعد كل هذه السنوات إن سألت عني يا يمة زهور، فأنا عساس.. عساس بخمسة نجوم أو ستة بالأحرى.. سامحيني إن لم أصبح قاضيا ولم أحقق لك أمنيتك فيّ، لكن صدقيني يمة زهور أعدك أنني سأكون عساسا أحسن وأنظف من القاضي قدور، لسبب بسيط ومقنع، وهو أن الطارقية الساحرة الحاجة عذرا مالكة العمارة امرأة بألف قاضي قدور) = الرواية ص 44.
إن تقديم البطلة في هذه الرواية بهذا الشكل ليست أنموذجا غريبا كما يخيل إلينا؛ فهي ليست مجرد آخر مختلق للتعبير عن فكرة عابرة أو عن موقف بديل، بل هي آخر يستحق الاستمرار في الذهن بل وأن يتحول إلى دليل (هن هكذا الملكات لا يقنعن بالأنصاف، وفي قرارة نفس عذرا سليلة الملكة تنهينان لا تغفر لنفسها أن تكون أقل منها، بل من واجبها أن تكون في المستوى والصورة المثلى.. عذرا لا تكتفي بنصف اشتهاء، ولا يرغب فيها كما اتفق.. لا.. إنها لا ترضى إلا بقلب كيان من يقترب منها رأسا على عقب، فتغير نبضه، وتسارع أنفاسه، وتشتت أفكاره.
– أنا التي أختار.. أنا بنت الطوارق ) = الرواية ص 84.
لكن هل يمكن أن تنفصل شخصية (عذرا) عن المكان الذي تنتمي إليه وتظل أنموذجا قابلا للاحتذاء؟ تلك هي النتيجة التي لم يتحمل قلم الكاتبة تبعاتها، فقد أخفقت في الأخير حين فصلت فكرة الرمز عن أنموذج الحلم النسوي الذي ظل ينمو هنا وهناك ناشرا عبق الصحراء بين الأحياء المعتمة ( – المرأة عندنا محقورة يا عذرا.. محقورة.
لست أدري لماذا يحلو لي أن أحدث نفيسة عن المرأة الطارقية التي تولد وحولها غلالة تقيها من شر الرجال. تضحك نفيسة وتقول:
– أنتم عايشين على كوكب آخر) = الرواية ص 110.
وعلى الرغم من الانتصار الظاهر للمهمش ترحل (عذرا) إلى مكانها الأصيل الذي لا يمكنها أن تكون بدونه، ولا يمكنها أن تكون إلا فيه، تاركة هؤلاء الذين ارتبطوا بها يواصلون حياة حلت بعض مشاكلها على يديها، وتركت الأخرى عالقة بين عالم المدينة وبين عالم الأحلام (الكوابيس)، وتنتهي الكاتبة إلى ترسيخ مجتمع المدينة كما هو عليه فعلا، بتعديل بسيط يعزز قابلية الإمكان في شكل حلم مهيأ للتحقق النسبي (اختلطت الأصوات في رأسي.. هل حدث فعلا أن نطقت الحاجة عذرا تقول: – غدا سأرحل إلى الصحراء يا بنات.
هل حدث فعلا أن سلمتني مغلفا كبيرا وهي توصيني إيصاله لمسعود حارس فيلتها بنادي الصنوبر: – زوخا.. روحي عند مسعود في الفيللا بنادي الصنوبر سلمي له هذه الأمانة.. الله يخليك..
هل حدث فعلا وأخبرتنا أنها كتبت الشقتين باسمي وباسم باية؟ هل أفضى لنا صوتها الجهوري، ترتجف حبات الرمل في ممراته، وهي تقول مغمضة العينين: – أشتهي أن أدس جسدي في الرمل.. أن أعود إليه.. !) = الرواية ص 198.

*جامعة تبسة

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

رأي واحد على “مركزية الأنثى الطارقية في رواية (نادي الصنوبر) لربيعة جلطي”

  1. السلام عليكم .
    مقال متعب عليه و لكن رواية نادي الصنوبر لربيعة جلطي رواية من النوع السردي المكثف بحبث أن كل كلمة تضيف درجة إلى سلم المعنى . وللولوج إلى عوالمها وتفكيك شخصياتها النسوية والذكورية المختلفة والتي لا تشبه الواحدة فيها الاخرى ولا تشبه شخصياتها النابعة من المكان وهو الجزائر بصحرائه ومدنه ما تقدمه الروايات عادة
    كتبت عنها مرتين وفي كل مرة تبدو لي أبواب الرواية نادي الصنوبر عالية للولوج إلى حقيقة الطوارق من خلال شخصية عذرا فإن لم نتسلح ببعض من المعرفة في علم النفس وفهم سيكلوجية الريف والصحراء والمدينة والتاريخ والسياسة وعلم الاجتماع ستظل رواية نادي الصنوبر تنتظر من الأجيال من يقرأها قراءة هادئة ويكشف أسرارها .
    نادي الصنوبر التي اهدتها الروائية ربيعة إلى الفنان عثمان بالي زرياب الصحراء كما سمته وختمتها باغنيته المشهورة دمعة دمعة تنطوي على نقد لاذع للوضع السياسي والاجتماعي والأداري في البلاد . نقد بطريقة فنية وشجاعة فلا ننسى أن الرواية كتبت قبل الثورات و هامش “الحريات “الجديدةللبوح. فقد كانت الروايات عادة ما تهرب من نقد الواقع المعاصر إلى مواضيع الحب والأحداث التاريخية.
    هنيئا لنا بهذا المقال وهنيئا لنا بقلم الروائية ربيعة جلطي قلم جزائري وعربي استثنائي بحق بعيدا عن الغيرة النسوية المقيتة.
    والسلام عليكم ورحمة الله .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق