قراءات ودراسات

في الذكرى 51 لرحيله.. (أرنست همنغواي) تخطيطات أولية

ترجمة وتقديم: احمد جاسم العلي

مقدمة المترجم: كتب (أرنست همنغواي 1899-1961) هذه التخطيطات الأولية أو (الفصول)1 الخمسة عشر في مطلع حياته الأدبية عندما كان يجرب الكتابة في باريس، وقد أقام فيها بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى 1914-1918. في هذه التخطيطات نلمح همنغواي القادم بكل ما عُرف عنه في ما بعد في رواياته وقصصه القصيرة من اهتمامات مصيرية بمواضيع الموت والفشل والجبن والشجاعة والإنكسار. هذه المواضيع التي خاض تجارب بعضها شخصيا أيام التطوع في الجبهة الإيطالية عام 1918، والعمل كمراسل متجول في أوربا عام 1922، وتغطيته الحرب اليونانية-التركية عام 1923 (وقبل عام 1918 في شيكاغو ومشيغان أيام نيك آدمز ممثل صباه،) وبعد عام 1923 في باريس مع جيروترود ستاين، عزرا باوند، وجيمس جويس،) وفي أسبانيا مع مجد المصارعين (بيلومنتي و فيلالتا.) إنها ،هذه التخطيطات، مشاهد حقيقية ومكثفة حتى لتبدو وكأنها عناوين كبيرة لمواضيع مؤجلة حول احداث كبيرة كانت ستتحول في ما بعد بشخصياتها ووقائعها وزمنها إلى اعمال مفصلة هي مجموعة الروايات والقصص الطويلة والقصيرة التي جعلت من همنغواي الكاتب الأكثر شعبية في العالم.
في كل تخطيط تجد ضربة إنفعال واحدة، مركزة أو موزعة على مساحة المشهد. في التخطيط الخامس تشعر بالضربة المركزة حين لا يستطيع احد الوزراء بسبب مرضه، الوقوف إلى الجدار مع الآخرين الذي يراد تنفيذ حكم الإعدام بهم. ويجلس في بركة الماء ويكون الوابل الأول من الرصاص قد انهمر عليه. وفي التخطيط الثاني تكون الضربة موزعة على المشهد كله ” كان المشهد مروعا حد المرض.”
في التخطيطات رموز يشك (مالكولم كاولي) في وعي همنغواي بها2، وأنا أشك في أن همنغواي لم يقصدها. إنها رموز بسيطة، غير متكلفة، تولد من داخل الحدث وتنمو معه، ومع ذلك فهي ليست غير مقصودة. ويأتي التخطيط العاشر ليؤكد ان رموز همنغواي في التخطيطات كانت واعية بشكل غير مزخرف. فبعد الضرب الذي يتعرض له الحصان الأبيض وانتهائه إلى حالة عصبية مريعة، وقد بدأ الدم ينزف من بين ساقية ” لم يستطع الثور اتخاذ القرار بالهجوم.” وهو فعل إيحائي بارز. ولكن المشهد نفسه في قصة (اللامهزوم/1928) لا يخدم في هذا الإتجاه. فالسبب الذي يجعل الثور هنا لا يستطيع اتخاذ قرار بالهجوم ليس هو الضرب الذي يتعرض له الحصان ولم يكن قاسيا، بل هو بالضبط تردد الحصان وإحجامه. في التخطيط كان المشهد، مشهد الضرب العنيف، هو المقصود وما يتبعه من رد فعل الثور، أما في القصة فقد كان المشهد عابرا والضرب ليس عنيفا وتركيز الثور موجها إلى الرمح الذي يحمله (البكادور) وهو يمتطي الحصان، والرمح مصدر الخطر الأول للثور.
في التخطيطات كان همنغواي يشكل ملامح شخصيات اعماله القادمة واحداثها. ( فيلالتا في التخطيط الثاني عشر هو بيدرو روميرو في رواية تشرق الشمس أيضا/1927، ذلك المصارع الأسمر النحيف والوسيم بسنواته التسع عشرة الذي لم يفلت من شباك الليدي بريت اشلي) والتخطيط الثالث عشر هو جانب من مشاهد مهرجان الرقص والغناء الشعبي (الفيستا) الذي يقام في أسبانيا في السادس من تموز من كل عام ويستمر سبعة ايام بنهاراتها ولياليها. وفي التخطيط السادس والسابع مشاهد سوف تتخلل رواية ( وداعا للسلاح/1929.) وفي التخطيط الثاني نرى مشهدا مكثفا سوف يتوزع على مساحة أوسع ويتخلل مشاهد قصته القصيرة (على رصيف سميرنا) التي أدارها حول جلاء اليونانيين عن ميناء سميرنا في الحرب اليونانية – التركية عام 1923. وربما يرى القارىء المطلع في تخطيطات أخرى هنا ملامح شخصيات وأحداث قصص وروايات كان قد قرأها لهمنغواي.
إن هذه التخطيطات، ” وضمن حدودها الخاصة كانت ناجحة تماما. وحتى وراء تلك الحدود اثبتت نجاحا، إذ برهنت صوره على حيازتها قوة إيحائية كبيرة.”3
__________
التخطيط الأول.
كان الجميع سكارى. تقدمت السرية على الطريق في الظلام، وكان جميع جنودها سكارى. كنا متوجهين إلى إقليم (شامبانيا.)4 بقي الملازم الأول يمتطي صهوة جواده بعيدا في الحقول ويقول له ” أنا سكران، أقول لك، يا عجوزي. أوه، أنا غارق في السكر.” تقدمنا على الطريق طوال الليل في الظلام بينما بقي مساعد الضابط راكبا جواده إلى جانب عربة مطبخي قائلا ” إطفأها. إنها خطرة. ستثير الإنتباه.” كنا على بعد 50 كيلومترا من الجبهة ولكن مساعد الضابط كان قلقا بسبب النار التي تنبعث من مطبخي. كان شيئا مسليا، التقدم على ذلك الطريق. حدث ذلك عندما كنت عريف مطبخ.
التخطيط الثاني.
إرتفعت إلى أعلى المآذن في المطر خارج (أدرنه)5 عبر سهول الطين. شقت العربات طريقها إلى مسافة ثلاثين ميلا على طول طريق (كراجاتش،) وكان جاموس الماء والماشية تسحب العربات خلال الطين. لا نهاية ولا بداية، بل عربات محملة بكل ما يملكون. سار الشيوخ والعجائز وقد تسربلوا بالماء، وهم يحثون الماشية على التقدم. كان نهر (ماريتزا) يجري شاحبا وكاد يعلو الجسر. وشقت العربات طريقها بغير إنقطاع على الجسر تتمايل بينها الجمال. وقاد سلاح الفرسان اليوناني الموكب. كانت النساء والأطفال يتكومون في العربات مع الفرش والمرايا وماكينات الخياطة والصور. وكانت هناك إمرأة تحمل طفلا وإلى جانبها صبية تمسك ببطانية فوق رأسها وتبكي. كان المشهد مروعا حد المرض. كان المطر ينهمر طوال عملية الجلاء.
المشهد الثالث.
كنا في حديقة بمدينة (مونز.) دخل الشاب (باكلي) مع دوريته من جانب النهر. أبصرت الألماني الأول يتسلق على جدار الحديقة. إنتظرنا حتى رفع إحدى ساقية ليتسلق ثم أطلقنا النار عليه. كان يحمل معدات كثيرة وبدا مذهولا على نحو مروع وهو يسقط على ارض الحديقة. ثم جاء ثلاثة آخرون إلى أسفل الجدار. أطلقنا عليهم. كلهم قدموا بالطريقة نفسها.
التخطيط الرابع.
كان يوما حارا جدا. أقمنا متراسا منيعا عبر الجسر. كان لا يُقدر بثمن حقا. قطعة كبيرة وقديمة من الحديد المُليف إنتُزِعت من واجهة بيت. كان أثقل من ان يُرفع وكنت تستطيع ان تطلق النار من خلاله. وتوجب عليهم ان يتسلقوا فوقه. كان عاليا تماما. حاولوا تسلقه، واطلقنا النار عليهم من مسافة أربعين ياردة. هاجموا المتراس، وظهر ضباط وحدهم راحوا يتدبرون أمره. كان عائقا منيعا. وكان الضباط رائعين حقا. تخلينا عن موقعنا مرعوبين عندما سمعنا ان جانب المتراس قد تحطم. وكان علينا ان ننسحب.
التخطيط الخامس.
نفذ حكم الإعدام رميا بالرصاص بالوزراء الستة الكبار في الساعة السادسة والنصف صباحا على جدار المستشفى. في الباحة كانت توجد برك ماء ضحلة وعلى ارضية الباحة كانت أوراق نبات مبتلة وميتة. أمطرت السماء بغزارة. كانت جميع مصاريع نوافذ المستشفى قد أُغلقت عن طريق تسميرها. أحد الوزراء كان مريضا بالتيفوئيد. وكان جنديان قد حملاه إلى الدور الأسفل وخرجا به في المطر. حاولا إسناده إلى الجدار ولكنه جلس في بريكة الماء. وقف الخمسة الآخرون بهدوء تام إلى الجدار. أخيرا قال الضابط للجنود أن لا فائدة من محاولة جعله يقف. وحين اطلقوا الوابل الأول من الرصاص كان هو يجلس في بريكة الماء وقد وضع رأسه فوق ركبتيه.
التخطيط السادس.
جلس(نيك) إلى جدار الكنيسة حيث سحبوه ليكون بمنجى من نار الرشاش في الشارع. برزت كلتا ساقيه على نحو أخرق، وكان قد أصيب في العمود الفقري. كان وجهه معرقا وقذرا، وقد تألقت الشمس فوقه. كان النهار قائظا. وعلى وجهه، وقد تبعثرت معداته، إنكفا (رينالدي) ذو المؤخرة الكبيرة، مطروحا قرب الجدار. نظر نيك إلى الأمام متقدا. كان الجدار القرنفلي اللون لأحد المنازل المقابلة قد أنفصل عن السقف، وتدلى نحو الشارع هيكل سرير حديدي راح يدور حول نفسه جيئة وذهابا. بين انقاض الحجارة وفي ظل البيت تمدد جنديان ميتان من الجنود النمساويين. وفوق الشارع كان جندي آخر ميتا. كانت الأمور تمضي قدما في البلدة. كانت تمضي بشكل جيد . سيأتي حاملو النقالات في ية لحظة . أدار نيك رأسه بحذر ونظر إلى رينالدي ” سنتا6، رينالدي، سنتا. لقد عقدنا أنا وأنت صلحا منفصلا.” كان رينالدي ممدا لايزال في الشمس، يتنفس بصعوبة. ” لسنا وطنيين.” حول نيك رأسه بحذر مبتسما والعرق يتصبب منه. كان رينالدي نصيرا مخيبا للآمال.
التخطيط السابع.
بينما كان المدفع القديم يضرب الخندق بعنف في (فوسالتا) تمدد هو بطوله ملتصقا بالأرض والعرق يتصبب منه داعيا، يا يسوع المسيح أخرجني من هنا، أرجوك. أيها المسيح، لو أنك نجيتني من القتل فقط فسوف أعمل أي شيء تأمرني به. أنا مؤمن بك وسأقول لكل من في العالم أنك الوحيد المهم. أرجوك أرجوك يا حبيبي يسوع. سقطت القنبلة في مكان أبعد من الخط الأمامي. صمدنا في الخندق. وفي الصباح أشرقت الشمس وكان النهار حارا ورطبا، بهيجا وهادئا. في الليلة التالية وفي (ميستر) لم يخبر الفتاة التي رافقها إلى فوق في حانة (فيلاروزا) عن يسوع ولم يخبر أي إنسان.
التخطيط الثامن.
في الساعة الثانية صباحا إستولى مجريان على مخزن لبيع السيجار في الـ(غراند إفنيو). إنطلق (دريفتس) و (بويل) من مركز شرطة الشارع الخامس عشر بسيارة فورد. كان المجريان يرجعان شاحنتهما إلى الوراء خارجين من زقاق. أطلق بويل النار على الأول الذي يجلس بجانب السائق وعلى الآخر الذي أخرج رأسه من مقصورة السيارة. أرتعب دريفتس حين وجد ان الأثنين قد ماتا.
” يا للجحيم، جيمي، ” قال دريفتس. ” ما كان ينبغي عليك ان تفعل ذلك. سنتعرض لقدر كبير من المتاعب.”
” إنهما لصان، اليس كذلك؟” قال بويل. ” إنهما مهاجران، اليس كذلك؟ من بحق الجحيم سيعرضنا لأية متاعب؟”
” هذه المرة لا بأس، ربما،” قال دريفتس. ” ولكن، كيف عرفت أنهما كانا مهاجرين وقد أسقطتهما؟”
” مهاجران،” قال بويل. ” أستطيع القول أنهما مهاجران من على بعد ميل.”
التخطيط التاسع.
أصاب المصارع الأول القرن بجانب السيف وصاح الحشد إستهجانا. زلت قدم المصارع الثاني وسقط فقبض عليه الثور من بطنه وتمسك هو بالقرن بإحدى يديه وشد الأخرى إلى أرض الميدان بقوة. وحشره الثور بالجدار فأحدث ارتطامه به دويا، وبرز القرن للعيان. وتمدد هو في الرمل. ثم نهض كالسكران الهائج وحاول ان يضرب الرجال الذين يحملونه بعيدا وصاح طالبا سيفه، ولكنه أُغمي عليه. كان الولد الصغير قد برز وتوجب عليه قتل خمسة ثيران لأنه لم يكن بالمستطاع توفير اكثر من ثلاثة مصارعين. وعند الثور الأخير كان التعب قد تمكن منه فلم يستطع ان يغمد السيف. لم يستطع حتى ان يرفع ذراعيه. حاول خمس مرات وكان الحشد هادئا لأنه كان ثورا رائعا. وبدا ان الحشد اعجب به أو بالثور. ثم نجح أخيرا. وتقيأ، جالسا في الرمل، وقد ألقوا عليه رداءا بينما كان الحشد يصرخ متذمرا ويلقي بأشياء في حلبة المصارعة.
التخطيط العاشر.
ضربوا الحصان الأبيض بشدة على ساقيه وجاهد هو ليستقيم على ركبتيه. لوى (البيكادور)7 الركاب بعنف إلى الأمام وشد لجام الحصان نحو السرج. وتدلت احشاء الحصان مثل عنقود ازرق، وراحت تتأرجح جيئة وذهوبا عندما بدأ يخب، وعمال الحلبة يضربونه على مؤخرة ساقيه بالعصي. خب على نحو متشنج على طول الحاجز. وتوقف متيبسا فأمسك احد العمال بلجامه وسار به إلى الأمام. رفسه البيكادور بمهمازيه، ثم إنحنى إلى الأمام، وأسقط رمحه على الثور. تدفق الدم على نحو متواصل من بين ساقي الحصان الأماميتين. كان الحصان مترددا بشكل عصبي. ولم يستطع الثور إتخاذ قرار بالهجوم.
التخطيط الحادي عشر.
صاح الحشد طوال الوقت ورمى بكسر من الخبز إلى داخل الحلبة، وألقى بالوسادات وقناني الشراب الجلدية. وظل يصفر ويهتف. أخيرا كان الثور قد غدا متعبا جدا بسبب كثرة الطعن القاسي، وطوى ركبتيه وتمدد مستسلما. وأنحنى احد عمال الحلبة فوق رقبته وحزها بسكين قصيرة. جاء الجمهور عبر الحاجز والتف حول مصارع الثيران وتناوب عليه رجلان، هذا يمسك به وذاك ينتزعه. وقطع احدهم ضفيرته وراح يلوح بها ثم اختطفها ولد صغير وهرب . وفي ما بعد التقيته في المقهى. كان رجلا قصيرا جدا وأسمر الوجه. وكان سكران حد الثمالة. وقال ” مع ذلك فقد حدث مثل هذا من قبل. لست مصارع ثيران حقيقي.”
التخطيط الثاني عشر.
لو كان المشهد قد حدث أمامك تماما، لاستطعت ان تشاهد (فيلالتا) يزمجر بوجه الثور ويستفزه. وعندما هجم الثور تفاداه بحركة دوران إيقاعية إلى الخلف وهو ثابت في مكانه كشجرة السنديان حين تصدمها الريح، ساقاه متراصتان، والرداء ينسحب فوق الأرض والسيف يتبع إنعطافة الرداء. ثم إستفز الثور ونشر الرداء فجأة امام وجهه، وتفادى الهجمة. قدماه ثابتتان، والرداء ينعطف خلفه. ومع الإيقاع المنتظم لكل حركة كان الجمهور يهدر.
وعندما بدأ يقتل كان المشهد يجري بذات الإندفاع. ينظر الثور إليه باستقامة، نظرة بغض، ويسحب هو السيف من بين طيات الرداء وينظر بذات الحركة وينادى الثور ” تورو! تورو!” هجم الثور وهجم فيلالتا. وللحظة واحدة صار الإثنان واحدا. إلتحم فيلالتا مع الثور ثم إنتهى كل شيء. وقف فيلالتا منتصبا بينما كان مقبض السيف يبرز كما ينبغي من بين كتفي الثور. فيلالتا، رافعا يده إلى الجمهور، والثور النازف دما ينظر إلى فيلالتا مباشرة وتنهار ساقاه.
التخطيط الثالث عشر.
سمعت صوت الطبول يأتي من الشارع ثم صوت النايات والمزامير، وبلغوا المنعطف وكلهم يرقصون. كان الشارغ يغص بهم. أبصره (مايرا) ثم أبصرته أنا. وعندما توقفوا عن الموسيقى ليؤدو حركة الجثوم جثم هو في الشارع معهم، وحين بدأوا مرة أخرى قفز وراح يرقص في الشارع معهم. كان سكرانا بشكل ظاهر.
” إذهب إليه أنت،” قال مايرا. ” إنه يكرهني.”
نزلت إلى الشارع ودخلت بينهم وأمسكت به بينما كان جاثما ينتظر الموسيقى لتنطلق مرة اخرى.
“تعال, لويس، لخاطر المسيح. عليك ان تنازل ثيرانا هذه الظهيرة.”
لم يصغ إليّ ، بل كان يصغي بقوة إلى الموسيقى لتبدأ.
” لا تكن احمق، لويس، عد إلى الفندق.”
ثم بدأت الموسيقى مرة أخرى وقفز في الهواء. وفلت مني بعيدا وراح يرقص. قبضت على ذراعه فأطلقها قائلا ” أو، أتركني وحدي، لست ولي أمري.”
عدت إلى الفندق وكان مايرا يقف في الشرفة ينظر إلى الأسفل ليرى ان كنت سأعود به. دخل حين أبصر بي ونزل الى الطابق الأرضي بوجه مشمئز.
” حسنا،” قلت. ” إنه لا يعدو كونه مكسيكي متوحش وجاهل.”
” نعم، ” قال مايرا. ” ومن سيقتل الثيران بعد ان يكون قد إنتهى؟”
” نحن، كما أفترض.”
” نعم، نحن، ” قال مايرا. ” نحن نقتل ثيران المتوحشين وثيران السكيرين وثيران راقص ال (ريو- ريو) نعم، نحن من يقتلهم. نحن نقتلهم جميعا وكما يجب. نعم، نعم، نعم.”
التخطيط الرابع عشر.
بقي (مايرا) مطروحا، رأسه على ذراعيه، ووجهه في الرمل. شعر، نازفا، بالدم الدافىء اللزج. في كل مرة كان يحس بالقرن قادما. أحيانا كان الثور يرطمه برأسه فقط. وفي مرة نفذ القرن إلى داخله مباشرة وشعر به يغور في الرمل. أمسك أحدهم بالثور من ذيله. كانوا يشتمونه وينشرون الرداء بوجهه. ثم تخلى الثور عنه. التقط بعض الرجال مايرا وانطلقوا به نحو الحواجز وعبر البوابة ثم انعطفوا في مجاز يقع تحت مدرج الملعب ودخلوا في المشفى.8 مددوا مايرا فوق سرير وخرج احد الرجال لطلب الطبيب. وقف الآخرون حوله. وصل الطبيب راكضا من الزريبة حيث كان يخيط جراح خيول (البيكادور.) كان عليه ان يتوقف ويغسل يديه. كان الصياح يتعالى فوق على المدرج. وشعر مايرا بأن كل شيء يغدو اكبر فاكبر ثم اصغر فاصغر. ثم غدا اكبر فاكبر ثم اكبر فاكبر ثم اصغر فاصغر. وبعد ذلك بدأ كل شيء يجري اسرع فاسرع كما يحدث حين يزيدون سرعة الفلم السينمائي. ومات.
التخطيط الخامس عشر.
شنقوا (سام كاردينيلا) في الساعة السادسة صباحا في رواق سجن المقاطعة. كان الرواق عاليا وضيقا وعلى جانبيه قامت صفوف من الزنزانات. كانت جميع الزنزانات مشغولة. وجيء بالرجال لتنفيذ عملية الشنق. في الزنزانات الخمس العليا كان هناك خمسة رجال حُكموا بالإعدام، ثلاثة منهم زنوج. كانوا مرتعبين جدا. أحد الرجال البيض جلس في سريره ورأسه بين يديه. والآخر تمدد بطوله على سريره وقد لف رأسه ببطانية.
برزوا إلى المشنقة من خلال باب في الجدار. كان هناك سبعة منهم بضمنهم قسيسان. كانوا يحملون سام كاردينيلا. إنه على هذه الحالة منذ نحو الساعة الرابعة صباحا. وبينما كانوا يربطون ساقية أمسك به حارسان وراح القسيسان يهمسان له. قال احدهما ” كن رجلا، يا بني.” وعندما تقدموا منه ليضعوا الغطاء على رأسه فقد سام كاردينيلا السيطرة على نفسه. تركه الحارسان، اللذان كانا يمسكان به، يسقط. كانا مشمئزين.
” ماذا لو أتينا بكرسي، يا ويل؟” سأل احد الحراس.
” هذا أفضل.” قال رجل يضع قبعة سوداء مستديرة. وعندما تراجعوا خلف منصة المشنقة، التي كانت ثقيلة جدا، وقد شُيدت من خشب السنديان والحديد وأُديرت على محمل، كان سام كاردينيلا قد تُرك هناك جالسا على كرسي وقد رُبط بأحكام، بينما ركع اصغر القسيسين بجانب الكرسي. وثب القسيس إلى الوراء بعيدا عن المنصة قبل ان تسقط المشنقة تماما.
__________
إشارات:
1- ظهرت هذه (الفصول) لأول مرة في مجموعة همنغواي الأولى ( في عصرنا/1924 ) ثم ظهرت في مجموعة ( ثلوج كليمنجارو وقصص أخرى) من منشورات Benguin /1965 . وقد تقدمت هذه التخطيطات عددا من قصص المجموعة وطبعت بحروف مائلة دون ان يشار إليها بتعريف أو ملاحظة ما.
2 و3- مالكولم كاولي (مقدمة إلى همنغواي،) نقاط من الفصلين الأول والثاني، ترجمة مصطفى عبود، مجلة الأديب المعاصر، العدد 5، المجلد2، تموز 1973.
4- Champagne إقليم في شرق فرنسا وهو أيضا أسم للنبيذ المعروف.
5- Adrianople مدينة تركية في القسم الأوربي منها.
6- Senta هكذا في النص.. إيطالية وتعني (إسمع.)
7- Picador فارس يفتتح مصارعة الثيران بإهاجة الثور وخزا بالرماح ليوهن عضلات عنقه وكتفيه.
8- المشفى. غرفة الطوارئ.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق