قراءات ودراسات

(أبو حيان التوحيدي بين الإيمان والإلحاد)

د. عاصم زاهي مفلح العطروز*

أبو حيان التوحيدي بين الإيمان والإلحاد:
وعين الرضى عن كل عيب كليلة

ولكن عين السخط تبدي المساويا
ولئن كانت هذه هذه الحكمة تصدق على عوام الناس، بل على معظمهم، بل على جلهم، فإنه ينبغي أن يستثنى منهم العالم الناقد المدقق البصير الخبير؛ فهذا ينبغي أن يكون ثبتا صدوقا ثقة في كل ما يكتب أو يروي، فلا تحكمه الأهواء الشخصية، ولا توجهه الاختلافات المذهبية، أو العصبيات القومية. ولكن الدارس المتعمق والباحث المستقصي في كتب التراجم، والطبقات، وسير الرجال يلفي كثيرين من أصحابها وقد احلوا من أحبوا مكانا عليّا، وانحطوا بمن اختلفوا معه مذهبا أو فكرا أو رأيا أو سيرة مهوى سفليا .
ولئن كان هذا من أنكر وأعيب ما يتصف به العالم فإن الأكثر عيبا والأشد نكرا أن يأتي من بعده، فيتلقف ما كتب ويتبناه ويردده، إن صدقا، وإن كذبا، دون تحر، وتدقيق، ومقاربة وموازنة، وتمحيص وإعمال فكر.
وكان الواجب أن يحكم على من يراد الحكم عليه من أفكاره و مقولاته، و ليس مما كتب عنه الآخرون ،مهما كان هؤلاء الآخرون، وكانت مكانتهم ومنزلتهم. فمن الخطأ بل والخطل أن نظل نتلمس عقائد علمائنا ومفكرينا ومذاهبهم، فيما كتبه عنهم القدماء، لا من الفكر الذي أودعه هؤلاء العلماء و المفكرون في مصنفاتهم.
وأبو حيان التوحيدي واحد من هؤلاء العلماء الأعلام الذين تباينت فيهم الأقوال وتضاربت الآراء تباينها في تاريخ ميلاده، ووفاته، وتضاربها في مكان نشأته .
وسأعرض في هذا التحقيق المقتضب ما قيل عنه و فيه، مما يخص الموضوع ،ثم أقابل بين الأقوال، و أوازن بين الآراء؛ لتستبين حقيقة الرجل وما أراه فيه. فقد ذكر السبكي إتهام ابن فارس له بالكذب، و قلة الدين و الورع و القدح في الشريعة، و القول بالتعطيل().
كما ذكر السيوطي قول ابن الجوزي فيه :”زنادقة الإسلام ثلاثة: ابن الراوندي، التوحيدي، أبو العلاء المعري، و أشرهم على الإسلام التوحيدي؛ لأنهما صرحا، وهو مجمج ولم يصرح”().
وقال فيه الذهبي: “كان سيء العقيدة، كذّابا، قليل الدين والورع عن القذف والمجاهدة –وأراها المجاهرة- بالبهتان، والقدح في الشريعة”. وقد ذكر محمد عُماره في كتابه: (أبو حيان التوحيدي بين الزندقة والإبداع) قول محمد باقر الموسوي الخوانساري فيه: “كان التوحيدي كذابا قليل الورع”().
هذا ما قاله هؤلاء فيه، وفي مقابله قال ابن النجار محب الدين أبو عبد الله “كان أبو حيان فاضلاً لغوياً نحوياً شاعراً، له مصنفات حسنة، وكان فقيراً صابراً متديناً حسن العقيدة. كما أثنى عليه ياقوت الحموي؛ حيث قال: “إنه شيخ الصوفية، وفيلسوف الأدباء، وأديب الفلاسفة، ومحقق الكلام، ومتكلم المحققين، وإمام البلغاء…” ().
وقال السبكي فيه: “ولم يثبت عندي الآن من حال أبي حيان ما يوجب الوقيعة فيه، ووقفت على كثير من كلامه، فلم أجد فيه إلا ما يدل على أنه كان قوي النفس، مزدريا بأهل عصره؛ ولا يوجب هذا القدر أن ينال منه هذا النيل”().
تلكم كانت آراء المتقدمين في أبي حيان التوحيدي، ونراها قد ترددت بين سوء الاعتقاد والضلال، والزندقة والإلحاد، والتدين، وحسن العقيدة، والتصوف، مرورا بالفلسفة، وعلوم الكلام والاعتزال، وانتقلت إلى مؤلفات المعاصرين الذين غاب عن أكثرهم المنهج الذي يفسر هذه المتناقضات في ضوء الدافع المذهبي لكل من ترجم له أو كتب عنه؛ فابن فارس الذي اتهم التوحيدي في عقيدته كان مساكنا له في مدينة الري، وكان أستاذا للصاحب ابن عباد الذي وقف التوحيدي على مكانة الناسخ الوراق، التي كان التوحيدي يسميها (مهنة الشؤم)، وانتهت بفراره من وعيد ابن عباد وهجائه له هجاء مقذعاً، أشرك فيه معه ابن العميد، ووضع فيهما كتابه (مثالب الوزيرين).
وكان ابن الجوزي حنبلياً من أهل الأثر الذين يضيقون بأهل الرأي ذرعا، وكان التوحيدي ممن امتلأت مصنفاتهم بآراء الفلاسفة والمناطقة، على مذهب أرسطو، وإخوان الصفا. ومثل ابن الجوزي كان الحافظ الذهبي، رغم أنه كان شافعياً في علم الفروع.
وتفضيل التوحيدي أبا بكر الصديق على علي ابن أبي طالب -رضي الله عنهما- هو ما دفع الخوانساري الشيعي إلى رميه بما رماه به.
أما الذين دفعوا عن التوحيدي اتهامات الحنابلة وأهل الأثر والمحدثين، فمنهم ابن النجار الذي كان شافعي المذهب، كالتوحيدي، ولم يكن طرفاً في صراعات المتكلمين، فهو مؤرخ أقرب إلى أهل الرأي. ومنهم السبكي، وقد كان شافعياً كذلك، ولم يسلم هو نفسه من اتهام شيوخ عصره له في عقيدته.
وأما ياقوت الحموي فقد جمعه بالتوحيدي قول:”إن المصائب يجمعن المصابينا”؛ فكلاهما لم يكن صاحب حسب ولا نسب؛ فقد كان ياقوت عبداً رقيقاً أعتقه سيده، وكان التوحيدي من غمار الناس، وكان كلاهما يعيش بحرفة الوراقة ونسخ المخطوطات، كما كانا من أهل الجمع والرواية، والأفكار، والأخبار.
وممن دافع عن التوحيدي، ورد كل ما اتهم به من المحدثين محمد عمارة في كتابه (أبو حيان التوحيدي بين الزندقة والإبداع). ولقد كنت قد نوهت أنفاً بأن الحكم على العلماء والمفكرين ينبغي أن يكون مما قالوا، وصنفوا، لا ما قيل فيهم، أو كتب عنهم… فهل كان أبو حيان ملحداً؟.
لقد قرأتُ ما وقع تحت يدي من كتب التوحيدي، وفي مكتبتي كتابه الإمتاع والمؤانسة. ولقد تبين لي بأن أبا حيان كان جامعاً للروايات، والأفكار، والشواهد، والمأثورات، وأنه كان يضيف عليها ويستنبط، ويسوغ صياغة تميزه عن غيره من الرواة، وأنه كان دقيقاً أميناً في نسبة الروايات والمأثورات والأفكار إلى أصحابها، مميزاً لها عما كان له من إضافات واستنباطات. فهل كان في كل إضافاته واستنباطاته ملحداً؟.
إن ما وقفت عليه مما أضاف و استنبط ينفي هذا الاتهام قطعياً، و يقينا؛ فالرجل مؤمن شديد الإيمان بالله سبحانه و تعالى ،وهو لا يقف عند الإيمان به، ولا عند البرهنة على وجوده ولا على إبداعه في هذا الوجود، وإنما هو ينبه على حدود العقل ومحدوديته في العلم الإلهي، والدين عنده -الذي هو تكليف الهي- هو الأساس و الدعامة في الخُلق، وفي سائر ميادين العمران، بالدنيا والآخرة جميعاً.
ولقد كان الهمّ بالدار الآخرة عنده أهم وأولى من الهم في الدنيا؛ لأن الآخرة هي المعاد والمآب ودار الخلود؛ فهي خير وأبقى(). ولقد كان متعلقاً بحبال الدين؛ طلبا للنجاة يوم الدين؛ فهو يتضرع إلى الله قائلا: “جعلنا الله عز وجل يوم الفزع الأكبر في زمرة رسوله صلى الله عليه وسلم، كما جعلنا من أمته، ورزقنا شفاعته، كما ألهمنا طاعته بمنه وجوده(). ولقد كان آخر قوله قبل وفاته: “إنما أُقدم على رب غفور”.
وبعد فهل بعد هذا من مجال للقول بأن الرجل كان ملحداً زنديقاً، فضلاً عن أن يكون شر زنادقة الإسلام؟! إنّني أرى أن الذين ألصقوا للتوحيدي تهمة الإلحاد والزندقة فريقان: فريق كان دافعه ما ذكرتُ من التعصب المذهبي، وضيق الأفق بالرأي الحرّ. وآخر لم يحسن قراءة ما كتبه التوحيدي؛ غفلة منه، فقد توهم أن ما أورده الرجل في مؤلفاته من عبارات الإلحاد ونحوه على ألسنة من كتب عنهم أنها له، نطق به لسانه الذي هو ترجمان قلبه، ووعى غيرهم هذه العبارات؛ وعلم علماً يقيناً أنها ليست له، وإنما هي لغيره ممن نقل كلامهم، ولكنهم ألصقوها به لحاجة في أنفسهم.

قائمة المصادر والمراجع
1) التوحيدي، أبو حيان: البصائر والذخائر، تحقيق: وداد القاضي، دار صادر ، بيروت، ط1، 1988.
2) السبكي: طبقات الشافعية الكبرى، تحقيق: محمد الطناحي، وعبد الفتاح الحلوم، القاهرة، 1993م.
3) السيوطي، جلال الدين: بغية الوعاة، تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم، بيروت، ط2، 1979م.
4) محمد عُمارة: أبو حيان التوحيدي بين الزندقة والإبداع، دار نهضة مصر للطباعة والنشر، ط2، 2005.
5) ياقوت الحموي، شهاب الدين أبو عبدالله: معجم البلدان، دار صادر، بيروت، ط2،، 1995.

*أستاذ مساعد في النقد الأدبي
الإمارات العربية المتحدة/ الشارقة

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق