الموقع

حقوق الإنسان بين عدالة الإسلام وجور الغرب

إبراهيم الباش

جاءت الرسالات السماوية من لدن آدم عليه السلام إلى محمد صلى الله عليه وسلم لتقررّ مكانة الإنسان المتميزة في الوجود، وأن الله خلقه في أحسن تقويم واستخلفه على هذه الأرض، وأناط به حقوقاً وتكاليف لا بد منها في مسيرة حياته، ومن هنا فقد استحوذت حقوق الإنسان على اهتمام المصلحين وعلماء الاجتماع والفلاسفة، لكن الذي يلفت النظر اليوم هو أن المواثيق الدولية لحقوق الإنسان تحوّلت إلى ذريعة للتدخل في شؤون الشعوب ولا سيما بعد أن أخذت هذه الحقوق بعداً عالمياً بصدور ميثاق الأمم المتحدة لحقوق الإنسان،  فصار التدخل بحجة الإنسانية ورفع الظلم عن المظلومين، حتى صارت هذه الحقوق ألعوبة يتذرع بها الأقوياء لنهب خيرات الشعوب، ومن ثم تكون هذه الحقوق وسيلة للقضاء على خصوم الغرب الذي استطاع امتلاك القدرة وأدوات الفتك الهائلة.

 

وإذا توجهنا صوب الغرب فإننا سنجد الكثير من الكتابات الغربية تصوّر الإسلام على أنه أهدر حقوق الإنسان، فإنه في نظرهم أهدر حقوق المرأة حين أباح تعدد الزوجات، وأنه أهدر حقوق الإنسان حين رضي أن يكون عبداً رقيقاً يباع ويشترى، وأهدر الحقوق يوم إذن بالقتال وسفك الدماء.

هذه التصورات المغلوطة المبتورة تصوّر جزءاً من نظرة الغرب  للإسلام اليوم، مع الاعتراف بفضل ثلة من المستشرقين والكتاب المنصفين الذين أقروا بعدالة الإسلام وأن ما يكتب عنه ما هو إلا افتراءات مغرضة غير خاضعة لميزان البحث العلمي، لكن كثيراً من التصورات تُفرَض على الغربي بقوة الإعلام لا بقوة الحديد والنار، وهذا يلعب دوراً كبيراً في بناء القناعات الغربية تجاه الإسلام.

حقوق وتكريم:

لقد خلق الله آدم عليه السلام ونفخ فيه من روحه، وأسجد له ملائكته، وجعل ذريته مكرمين.

(ولقد كرمّنا بني أدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا).

(الإسراء 70).

والإنسان في نظر الإسلام مكلّف والتكليف عنوان التشريف.

(إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه فجعلناه سميعاً بصيراً، إنا هديناه السبيل إما شاكراً وإما كفوراً).

(الإنسان، 2-3).

وقال تعالى:

(لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم).

(التين 4).

وفي السنّة مواقف لا تحصىعلى تكريم الإنسان والاعتراف بحقوقه وإقرارها، ففي صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم وقف حين مرّت من أمامه جنازة مع أنها جنازة يهودي فسئل في ذلك: فقال: أليست نفساً، وفي خطبة الوداع أرسى الرسول صلى الله عليه وسلم دعائم الحقوق الإنسانية في تاريخ البشرية بصورة لم تسبق:

(إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا… إلى أن قال: ألا لا ترجعوا بعدي كفّاراً يضرب بعضكم رقاب بعض).

كما ذكر حرمة الدماء لمنع القتل أو الجرح أو الاعتداء، وحرمة الأموال لمنع سرقتها ونهبها وذكر حرمة الأعراض لمنع الزنا والقذف.

ولم تكن خطبة الوداع الموقف الوحيد الذي حدد فيه الرسول صلى الله عليه وسلم حقوق الإنسان، بل المواقف أكثر من أن تحصى في هذا الشأن، وكل ما أقره الإسلام من الحقوق للإنسان يجب أن يتجاوب مع فطرته وحاجته وتحقيق مصلحته، كحق الحياة والحرية وحق العلم ، وكل هذه الحقوق تعد في الإسلام جزءاً من الدين ولا يكون المؤمن مؤمناً حتى يقوم بتطبيقها على نفسه، فليس له الخيار في أن يأخذها أو يدعها إلا بما يوافق منهج الله عز وجل في جلب المنافع المشروعة ودرء المفاسد الممنوعة.

لقد أقر الإسلام حقوق الإنسان سواء الحقوق العامة أو الخاصّة، وآيات القرآن الكريم والأحاديث النبوية تقدم الدلائل الكثيرة في هذا الشأن، بل إن الكثير من الحقوق التي جاء بها الإسلام لم تفلح البشرية في تحقيقها ولم ترد في ميثاق حقوق الإنسان الدولي ومن هذه الحقوق: حق اليتامى، وحق الجار، وحق الميراث، وحق ضعاف العقول، وحق الإنسان في الدفاع ضد من ظلمه، فكل هذه الحقوق لم تأت بها مواثيق ولا إعلانات حقوق الإنسان.

حقوق الإنسان في المواثيق الدولية:

إن إعلان ميثاق عام 1942 كان قانوناً عاماً ملزماً وقعت عليه الدول دون استثناء وأول ما جاء في هذا الميثاق من حقوق عامة:

–       حق الإنسان في ألا يستبعد أو يقهر أو يقتل.

–       حق الاتصال البريدي والهاتفي.

–       حق الزواج.

–       حق السلامة الصحية.

–  الحقوق القضائية: فقد ورد في الميثاق أن للإنسان الحق في أن يدافع عن نفسه أمام القضاء، وعدم التعرض بصورة تعسفية لاعتقال إنسان، وحق الإنسان في تقديم العرائض والشكاوى.

–  الحقوق الفكرية والسياسية: فقد جاء في الميثاق حق الإنسان في تكوين حزب سياسي وحق تكوين الجمعيات والأحزاب وحرية الرأي والتعبير، وحق حرية الصحافة والإعلان ولا شك أن الغرب قد حقق في ذلك تقدّماً لا ينكر، بل إن الإعلام عندهم أفلح في الكشف عن فضائح كثيرة وكان سبباً في معاقبة أصحابها.

–  الحقوق الاقتصادية: ورد حق الإنسان في أن يملك الأرض وله الحق في التجارة وحق المساواة أمام التكاليف كالضرائب وغيرها.

–  الحقوق التعليمية: جاء في الميثاق حق الإنسان في اختيار المجال التعليمي وممارسة حق الاختراع والابتكار العلمي.

فروق جوهرية:

ما يميز حقوق الإنسان في الإسلام ذلك السياج الأخلاقي والعقائدي الذي يكتنف هذه الحقوق، المتمثل في سرعة الاستجابة والامتثال، والذي تجسده الآية الكريمة:

(وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم، ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالاً مبيناً).

(سورة الأحزاب، 36).

وقوله تعالى:

(إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا وأولئك هم المفلحون).

(سورة النور، 51).

فالحقوق يعمل بها في الحكومات الوضعية وفق قوة القانون وقوة السلاح وقوة الإعلام، أما في الإسلام فقوة الإيمان هي الرادع الاخلاقي والتي تظهر عند الغرب بما يسمى الضمير، حيث إن هذا الرادع لو فقد لسادت شريعة الغاب، وهذا السياج الأخلاقي الذي يحيط بحقوق الإنسان في الإسلام نجده عند الفاتحين العرب، والذين قال فيهم توينبي: (ما عرف التاريخ فاتحاً أرحم ولا أعدل من العرب).

ولعل العهدة العمرية التي منحها عمر بن الخطاب لأهل إيلياء (القدس) خير سجل يقرر حقوق الإنسان لغير المسلمين.

وهذا أبو عبيدة بن الجراح لما أخذ الجزية من أهل حمص رأى أنه قد لا يستطيع الدفاع عنهم، فعاد إليهم ورد الجزية إليهم وقال: مع هذا سوف ندافع عنكم ما استطعنا فإن انتصرنا عدنا وأخذنا الجزية منكم، وإن لم ننتصر لم نكن ظلمناكم.

ومما يميز حقوق الإنسان في الإسلام من غيرها أن هذه الحقوق جاءت بوحي من الله دون أن يسعى الإنسان في تحصيلها، أما في الغرب فلم تحصل شعوبه على بعض هذه الحقوق بسهولة، بل انتزعت انتزاعاً، فكل إعلان لحقوق الإنسان كان يسبق بمعارك وصدامات ودماء، فيضطرون بعدها للإعلان عن تلك الحقوق، فالإعلان العالمي لحقوق الإنسان لم يعلن إلا بعد الحرب العالمية الثانية، بينما نرى أن حقوق الإنسان في الإسلام جاءت مقررة في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، دون أن يسبق إقرار هذه الحقوق سجون ممتلئة أو محاكم تفتيش أو مجازر جماعية وغير ذلك من وسائع القمع وكبت الحريات.

ومما يميز حقوق الإنسان في الإسلام أنه حافظ على طبيعة كل من الرجل والمرأة، فالرجل لا يتحول إلى امرأة، ولا تتحول المرأة إلى رجل، فلكل منهما حقوق وواجبات تتناسب مع طبيعة كل منهما وهذا ما قررته الآية الكريمة:

(ولا تتمنوا ما فضّل الله به بعضهم على بعض للرجال نصيب مما اكتسبوا، وللنساء نصيب مما اكتسبن واسألوا الله من فضله).

(النساء، 32).

بين النظرية والتطبيق:

مع الاعتراف النظري بحقوق الإنسان، فإنها تبقى أخطر نظرية في التاريخ فكل الأنظمة تتغنى بحقوق الإنسان حتى النظام الشيوعي البائد الذي قتل أكثر من عشرين مليون ونفى مثل هذا العدد، حتى هذا النظام يزعم أنه قام لإعلان المساواة وإلغاء الطبقية، لكن الفرق الشاسع بين الكلام الشفهي النظري والواقع العملي المر.

وإذا توجهنا صوب إفريقيا والبلدان الفقيرة فإننا نلاحظ بصورة لا مثيل لها كيف أن الغرب وظّف حق تغيير الدين في تحوّل قرى كبيرة عن الإسلام إلى النصرانية، وهذا أمر مسموح به قانوناً، ولا سيما عندما تكون القوة بيد الغرب والمساعدات والإغاثة بيد الصليب الأحمر، فكل هذا أدوات فعّالة بيد الغرب يستعملها باسم حقوق الإنسان مستغلاً الفقر والكوارث لحرف المسلمين عن دينهم، في حين أنهم لو وجدوا نصرانياً تحوّل عن دينه إلى الإسلام أقاموا الدنيا وجعلوا هذا الحدث نتيجة ضغوط إرهابية أو خوف أو ما شابه ذلك.

ومن الصور الممسوخة لحقوق الإنسان أيضاً ما كنت تراه في الاتحاد السوفياتي وما زالت آثاره باقية، ففي الوقت الذي أقر فيه الدستور الذي يحكم الاتحاد السوفياتي حق حرية الفكر والتعبير والاجتماع وحرمة المنازل والمراسلات، فإن نظام الكي جي بي السوفياتي جنّد ملايين الأشخاص، فجعل كل مواطن يشعر انه في سجن كبير وأنه يعيش داخل هذا السور الحديدي.

وليس حال الأجانب من غير المسلمين في الغرب أفضل من المسلمين، فإنهم يعانون تمييزاً عنصرياً بغيضاً ففي فرنسا مثلاً هناك دعوات وإعلانات لطرد الأجانب من فرنسا، وما لقيه السود من سكان أمريكا الأصليين من الاضطهاد والعنصرية والعنف والابتزاز أمر يفوق الوصف.

ومن هنا فإن المواثيق الدولية التي يتحدثون عنها هي ذات ميزان مزدوج، فهم يكيلون بمكيالين، فإذا اعتدي على حقوق الإنسان في مكان ما فإنهم يكتفون بالشجب والاستنكار الشفهي، ثم يتدخلون عسكرياً كما حدث في أكثر من مكان وكما حصل في العراق حيث تدخّلوا لإحلال الديمقراطية والقضاء على الديكتاتورية وإحلال حقوق الإنسان – كما زعموا – وتخليص الشعب العراقي ومنحه الحرية، وإذا كان الأمر كما زعموا فلماذا لم يتدخلوا لحماية الملايين التي واجهت تصفية عرقية في أكثر من مكان في العالم كما في أندونيسيا والبوسنة والهرسك ورواندا، وغيرها من المجازر كصبرا وشاتيلا وجرائم الصهاينة المتواصلة في فلسطين إلى يومنا هذا.

فهذ لا شك – يدل على أن الغرب يلوي عنق القوانين الدولية من أجل مصلحة هذا الطرف أو ذاك فأين حقوق الإنسان أمام ذلك؟!

وبعد: إن حقوق الإنسان في الإسلام لا تضاهيها حقوق في أي تشريع بشري وضعي، وهي تعني الربط الوثيق بين القول والعمل، وهذا ما تحقق بصورة أقرب إلى المثالية الواقعية لا الخيالية في القرون الأولى للإسلام، فقد تحقق في واقع المسلمين وتاريخهم المديد صوت لأعظم حقوق الإنسان من دم ومال وعرض، والإسلام لا يقف من جهة أخرى أمام تحقيق انسجام لتلك القرارات والمواثيق الدولية لحقوق الإنسان مع الشريعة في تربية النشء على معرفة الحقوق فتطلب، والواجبات فتؤدّى، والسعي الدؤوب لبناء جمعيات ومؤسسات عادلة غير مجيرة لصالح جهة أو أخرى تعنى بحقوق الإنسان عامّة والإنسان المسلم خاصّة.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق