ثقافة المقال

وحشي بن حرب رضى الله عنه

محمد عبد الظاهر المطارقى

كانت أعظم أمانيه علي الإطلاق أن يصير حرا طليقا . يتحرك بإرادته ويملك زمام أمره ويكون سيد نفسه فلا يحركه أحد ، حتي ولو كان أعظم السادة علي وجه الأرض . لكن هيهات ، كيف له بتلك الحرية ، انه ضربا من المستحيل ، قدره أن يكون عبدا يتلقى الأوامر ويقوم بتنفيذها في التو ، هو طوع أمر سيده ، أي كان هذا السيد ، شريفا كان أو وضيعا .. صغيرا كان أو … عليه السمع والطاعة والا أقرع بالعصا ، وقد تكون من الحديد ، بل والمحمي أحيانا إذا استدعي الأمر ذلك . فالعبد ليس له أن يرد كلام سيده ، مهما كانت الظروف .
وللحرية ثمن ، وهو لا يملك سوي جواد خياله ، وما عليه إلا أن يركن ظهره إلي أقرب حائط بعد الفراغ من مهام أعماله ، ليركب صهوة أحلامه ويمرح به في سماوات الخيال ، إلي بلاد بعيدة يكون هو السيد المطاع صاحب العصا ، الآمر الناهي .. المتحرك بأمره وإرادته هو .
يالها من أحلام لذيذة ورائعة ، إنها دائما تخفف من حدة الواقع وقسوته رغم أنها كثيرا ما تتقوض وتنهار مع أول نداء لسيده ، لكنه سيعود حتما الي تلك الأحلام المستحيلة ليستمتع بها ويهنأ .

وفجأة، وما أكثر المفاجآت في حياة البشر . ناداه سيده ” جبير بن مطعم ” وكان ممتقع الوجه ، شديد الكآبة . وذهب اليه وأحني رأسه قائلا :
ـ ” لبيك سيدي .. ”
وانتظر كعادته أن يأمره سيده فيمتثل ، لكنه أشار اليه في حنو أن يجلس فجلس . ان ثمة شبه ابتسامة ترف علي وجه سيده، تري ما الأمر، هو يعلم جيدا أسباب الكآبة والحزن بمكة ، وهي ليست خافية علي أحد. منذ هزيمتهم النكراء علي يد محمد وأصحابه ، ان جميع العرب يعلمون ذلك، صارت قريش لقمة سائغة في أفواه القبائل، هم أهل الحرم وسدنة الكعبة ، أصحاب الكلمة الأولي علي جميع من بالجزيرة العربية بحكم مكانتهم الدينية السامية، وشجاعتهم في خوض المعارك والأهوال، والتي يضرب بها الأمثال .
الآن صار الخزي والعار يجلل رؤوسهم جميعا، رجالا ونساء . سبعون قتيل بالقليب، ومثلهم أسري بحوزة المسلمين يفعلون بهم ما يشاءون
انها أعظم نكبة أصابت مكة.. وسيده أيضا . ألم يقتل عمه الشريف ” مطعم بن عدي ”
ها هم يجمعون الجموع، ويحشدون الحشود للانتقام من هؤلاء المسلمين .
عليهم أن يمزقوهم إربا إربا ويمثلوا بهم حتي يثأروا لقتلاهم ويستعيدوا كرامتهم مرة أخري.

قال سيده :
ـ ان قتلت حمزة ” عم محمد ” بعمي فأنت عتيق .
.. عتيق ؟!! يالها من كلمة ساحرة ، لها صدي هائل راح يتردد في رأسه بسرعة :
” عتيق .. عتيق .. ”
لقد صار قاب قوسين أو أدني من عالم الأحرار ، لا يهمه الثمن ، بوسعه أن يضع أي شيء ما دام فيه حياته ، أقصد ” حريته ” .
بل ان ” هند بنت عتبة ” زوج أبي سفيان قد وعدته هي الأخري بمال كثير وهدايا عظيمة لو تمكن من قتل الأسد ” حمزة بن عبد المطلب “. انها أيضا تود الانتقام . وهل تنسي عتبة والدها والوليد شقيقها .. وربيعة عمها .
أي سعادة ينتظر ..حرية ومال . ياللسعادة والهناء .
واستمع اليه وهو يروي لنا بنفسه تلك القصة :
” .. كنت غلاما لجبير بن مطعم ، وكان عمه ” طعيمة بن عدي ” قد أصيب يوم بدر ، فلما سارت قريش الي ” أحد ” قال لي جبير :
ـ ان قتلت حمزة عم محمد بعمي فأنت عتيق .
قال : فخرجت مع الناس وكنت رجلا حبشيا أقذف بالحربة قذف الحبشة ، قلما أخطيء بها شيئا ، فلما التقي الناس خرجت أنظر حمزة ، وأتبصره حتي رأيته في عرض الناس مثل الجمل الأورق يهد الناس بسيفه هدا ، ما يقوم له شيء . فوالله اني لأتهيأ له ، أريده وأستتر منه بشجرة أو حجر ليدنو مني اذ يقدمني اليه ” سباع بن عبد العزي ” فلما رآه حمزة قال: هلم يا بن المشركة ، قال : فضربه ضربة كأن ما أخطأ رأسه .

محمد عبد الظاهر المطارقى

قال : وهززت حربتي ، حتي اذا رضيت منها ، دفعتها عليه ، فوقعت في ثنته حتي خرجت من بين رجليه وذهب لينوء نحوي ، فغلب وتركته واياها حتي مات ، ثم أتيته فأخذت حربتي ثم رجعت الي العسكر فقعدت فيه ، ولم يكن لي بغيره حاجة وانما قتلته لأعتق .
فلما قدمت مكة أعتقت ، ثم أقمت حتي اذا فتح رسول الله صلي الله عليه وسلم مكة هربت الي الطائف ، فمكثت بها ، فلما خرج وفد الطائف الي رسول الله صلي الله عليه وسلم ليسلموا تعيت علي المذاهب فقلت : ألحق بالشام ، أو باليمن ، أو ببعض البلاد ، فوالله اني لفي ذلك من همي اذ قال لي رجل : ويحك ! ، انه والله ما يقتل أحدا من الناس دخل في دينه ، وتشهد شهادته . فلما قال لي ذلك . خرجت حتي قدمت علي رسول الله صلي الله عليه وسلم . المدينة ، فلم يرءه الا بي قائما علي رأسه أتشهد بشهادة الحق ، فلما رآني قال : ” أوحشى ؟ ” قلت : نعم يا رسول الله .
قال : اقعد فحدثني كيف قتلت حمزة .
قال وحشى: فحدثته ، فلما فرغت من حديثي قال : ويحك غيب عني وجهك فلا أرينك . قال : فكنت أتنكب رسول الله صلي الله عليه وسلم ( أجلس خلفه)حيث كان، لئلا يراني حتي قبضه الله صلي الله عليه وسلم .
يقول وحشى بن حرب رضي الله عنه:


ـ وعلي الرغم من أني عرفت الاسلام يجب ما قبله فقد ظللت أستشعر فداحة الفعلة التي اقترفتها واستفظع الرزء الجليل الذي رزأت به أي : ( المصيبة التي أصبت بها الاسلام ) والمسلمين وطففت أتحين الفرصة التي أكفر بها عما سلف مني . فلما لحق الرسول عليه الصلاة والسلام بالرفيق الأعلي وآلت خلافة المسلمين الي صاحبه أبي بكر ، وارتدت بنو ” حنيفة ” أصحاب مسيلمة الكذاب مع المرتدين ، جهز خليفة رسول الله صلي الله عليه وسلم جيشا لحرب مسيلمة وإعادة قومه بني ” حنيفة ” الي دين الله . فقلت في نفسي : ان هذه ـ والله ـ فرصتك فاغتنمها ، ولا تدعها تفلت من يديك . فلما خرج المسلمون الي مسيلمة الكذاب صاحب اليمامة خرجت معهم وأخذت حربتي التي قتلت بها حمزة ، فلما التقي الناس رأيت مسيلمة الكذاب قائما في يده السيف ، وما أعرفه ، فتهيأت له ، وتهيأ له رجل من الأنصار من الناحية الأخري ، كلانا يريده ، فهززت حربتي حتي اذا رضيت منها دفعتها عليه ، فوقعت فيه ، وشد عليه الأنصاري فضربه بالسيف فربك أعلم أينا قتله ، فان كنت قتلته فقد قتلت خير الناس بعد رسول الله صلي الله عليه وسلم ( حمزة ) وقد قتلت شر الناس ( مسيلمة ) .
وهكذا استمر هذا الصحابي الجليل يخوض المعارك الطاحنة ضد المشركين حتي مات رضى الله عنه.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق