ثقافة المقال

نحن وما بعد الحداثة

سامر إسماعيل

شكلت الحداثة منعطفًا هامًا في تاريخ الفن، وقد أخذت مشروعيتها كجزء من الحالة الثقافية والمعرفية في تطورها في أوروبا والعالم. وعلى الرغم مما شهدته هذه الحداثة من تجريبية وانفعال، إلا أنها قدمت حالة معرفية وفهمًا غير متوقع للواقع والحياة. ويمكن القول إنها أحدثت انقلابًا مفاهيميًا في الرؤية التشكيلية، كما أحدثت نفس الشيء بالنسبة للمتلقي، حيث تحدّت الذوق السائد ووجدت صعوبة في إقناعه في التحول البصري الجديد. وتبدو الحداثة اليوم حالة تقليدية بالقياس إلى ما بعد الحداثة، إذ تتكرر التجربة مع فنون ما بعد الحداثة في علاقتها مع المتلقي، وقد جاءت بلبوس لا يشكل صدمة وحسب، بل تجد صعوبة بالاعتراف بها من قبل المتلقي والفنان، وخاصة أنها تعاني من الارتباك لخضوعها لنظام السوق، بعد أن تطورت وأخذت أشكالًا احتكارية وتماشى النقد والإعلام أحيانًا مع حركة التسويق، فغابت المعيارية النقدية الموضوعية، وأصبح هناك ما يدعى ببضاعة الفنان إعلاميًا بغية تسويق أعماله.

لكن المشكلة ليست هذه فقط، إنما في طبيعة أعمال ما بعد الحداثة التي تخطّت السطح التصويري للحداثة، واعتمدت على المسبق الصنع أو الجاهز، فنرى أشكالًا لا يمكن قبولها مباشرة، فتجد سيارة مضغوطة أو علبًا من الكرتون أو أشكالًا معدنية متحركة. وقد شاهدت عام 1991 معرضًا كبيرا في باريس احتوى على عدد كبير من الأعمال لا تستطيع أن تأخذ موقفًا ثابتًا منها “سيارة مثقوبة بالرصاص”، “دراجة محطمة”، “بقعة بحجم كبير من المعدن” للنحات سيزار وأعمال أخرى كثيرة.

ثمة أسئلة كثيرة أخرى حول طبيعة ما بعد الحداثة التي وجدت مرتكزها أو جذورها في الدادائية، التي شكلت الأب الشرعي لها، لكن ثمة فارق قد يكون غير مدرك ما بين الدادا وما بعد الحداثة، حيث أن الدادا كانت ردّة فعل على الحرب دون وعي تشكيلي مكتمل، وقد ظلت تنظيرية حتى وفاتها وجاءت بديلتها السريالية، أما فن ما بعد الحداثة فهو وليد ظرف اجتماعي مختلف، وهو أفضل مما قبل الحرب الثانية، حيث أسس المجتمع الأوروبي حالة متوازنة نسبيًا على الصعيد الحياتي، ويمكن القول إن تشكل ما بعد الحداثة قد بدا ما بعد الحرب الثانية، وتطورت هذه التجربة في الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي وما تزال.

أدى صعود القوى الاقتصادية الأميركية إلى نهوض تشكيلي داخل الولايات المتحدة بتجارب جادة مثل جاكسون بولوك، لكن هذه الجدية تلاشت أمام حركة التسويق وإضعاف حركة الفن كبعد ثقافي وتشكل ما يدعى البوب آرت، الذي يساوي بين العمل الفني والذائقة العامة. وخطورة التوجه الأميركي للفن تكمن في تسطيحه، وإعطائه بعدًا أفقيًا وليس عموديًا تحت شعار الثقافة الجماهيرية، وهذا ما سيؤدي ربما إلى هلاك الفن.

لكن الأسئلة تعود لتواجه فن ما بعد الحداثة في التسعينيات، ليصحو بعض النقد الأوروبي ويعيد النظر في التجربة، وفي هذا العقد وحتى الآن نرى عودة إلى فنون الحداثة، وأغلب المعارض التي رأيتها في مدينة ليون الفرنسية عام 2001 تشير إلى انحسار لا بأس به في فنون ما بعد الحداثة لصالح السطح التصويري المرتبط بالفن الحديث، حيث ذلك يمكّن العمل الفني من ديمومته وفيه يكمن وضوح الرؤية البصرية، وبطبيعة الحال لا يمكن المراهنة على شكل بصري ثابت للتعبير، والتجريد يدخل في صميم الممارسة الإبداعية.

الواقع اليوم

لا ريب أننا نعيش في ظل متغيرات بصرية غاية في الدقة على صعيد التشكيل، وثمة مفاجآت في التحول التشكيلي الغربي ناتج عن سياق ما، يحتاج ربما لمزيد من التأمل. السؤال الأهم هو: كيف نفكر داخل ما يحدث؟ ولمحاولة الإجابة يجب العمل كأن ما يحدث ليس في بالنا، في الوقت ذاته يجب الاطلاع عليه والتفكير فيه، بمعنى آخر كي نكون حقيقيين لا بد من أن نعيش تجربتنا الثقافية لا أن نكون ببغاويين لتجربة الآخر، وتكمن صعوبة المسألة في منهجتها وليست في أدلجتها، أن يكون لك عين الطائر، لا أن ترى الأشياء من ثقب الباب، أو ربما لا بأس أن ترى الأشياء من الداخل والخارج.

إن العالم الآن يعيش بصريًا تجارب غريبة نصفها بما بعد الحداثة. إذا قلنا هل يمكن ترجمة ما بعد الحداثة عربيًا؟ هل السؤال ممكن؟ ولماذا نحن نريد ترجمتها؟ هل لأنها نتاج الغرب الأوروبي؟ ولماذا لا يترجم الغرب حداثتنا وتجربتنا؟ هل لأنه لا يصغي لنا؟ أعتقد أن تلك الأسئلة جوهرية في العلاقة بين الغرب والعالم العربي. إن ذلك لا يلغي معايشتنا للمتغيرات في الفنون البصرية في العالم.

إن فن ما بعد الحداثة تخلى كما ذكرت عن لوحة الحامل ذات البعدين التي تنفذ في الوسائل المعروفة للتصوير واتجهت نحو الجاهز والمسبق، بمعنى آخر بدل أن ترسم الشيء يمكن وضعه هو نفسه، وفي الحقيقة لا يمكن اختصار فنها في هذا المثل لأنها تعتبر نفسها نصًا بصريًا مفتوحًا- ولا يعني ذلك أن فن الحداثة ليس كذلك- وعبر هذا النص هي ضد المركزية وضد المرجعيات وضد التاريخ، هي مع الحاضر كلوحة نعيشها في حياتنا، وهي أيضا ضد تسويق الفن – وهذا لم يحدث وقد تزول اللحظة الإبداعية بزوال الحدث الفني. وربما تكون ما بعد الحداثة أكثر من ذلك، لكنها جزء أو تعبير عن مرحلة تخوضها أوروبا إبداعيًا على مختلف الأجناس الإبداعية، وأيضًا التيارات الفكرية والفلسفية، لذلك ففن ما بعد الحداثة هو أحد الموضوعات الحيوية الشاغلة التي شكلت صدمة للمتلقي، وربما لدينا ارتباك من الموقف منها ومن تداولها، ولا أزعم هنا أني قادر على أن أفصل بحكم نهائي تجاهها، لكن ما يجب قوله هو أننا نحاول تعرية الملك كما يقول المثل الفرنسي، ومن حقنا أيضًا مناقشة المركزية الأوروبية التي نحن دومًا مستلبون تجاهها، وبحاجة لاعترافها بنا.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق