ثقافة المقال

أين المرأة في شعر الغزل العربي؟

عيسى مخلوف

شعر الغزل العربي حقل واسع لا تمكن الإحاطة به لا في مقال ولا في كتاب، ولا يمكن حصره في خانة واحدة، بل يضيق به التصنيف بين حدّين اثنين: إباحيّ وعذريّ.

الشخصيّة العذريّة مهمّشة وفي حال من الضعف والاستلاب. إنّها تجسيد الضحية بامتياز، بخلاف الشاعر الإباحي الذي لا ينفكّ يعبّر عن تفوّقه وفحولته وهيمنته. في هذا السياق، تتغيّر صورة المرأة بين هذا وذاك، لكنّها، في كلتا الحالتين، مغيّبة عن ذاتها، مجرّدة من كيانها الخاصّ ومن عواطفها وأفكارها وميولها، وحتى من رغباتها الجنسيّة. فهي، عادةً، تبقى خارج القصيدة بعد أن يعمد الشاعر إلى تشييئها لتتماهى في ذهنه مع الصورة المتخيّلة عنها.

في القصيدة، يختلي شاعر الغزل الإباحي بحبيبته، يفعل بها ما يشاء. يستبدل الفعل الجنسي بالكلام الجنسي. وقد تكون المرأة، في هذه القصيدة، إمّا امرأة محدّدة أو امرأة في المُطلَق. شاعر هذا الغزل الذي يدّعي حبّ المرأة، ويمارس ذكوريّته عليها، يغزل خيوط نسيجه حول نَوله الخاصّ مُعبِّرًا بذلك عن الذات الفرديّة وأحلامها واستيهاماتها بمعزل عن المرأة “المعشوقة” التي تبقى، في الجانب الآخر من المرآة، صورة معلّبة، جاهزة، ولا حاجة إلى البحث عنها.

“تعبَت من السّفر الطويل حقائبي/ وتعبت من خيلي ومن غزواتي/ لم يبق نهد أسود أو أبيض/ إلاّ زرعتُ بأرضه راياتي/ لم تبق زاوية بجسم جميلة/ إلاّ ومرّت فوقها عرباتي/ فصّلت من جلد النساء عباءة/ وبنيت أهرامًا من الحلمات”، يقول نزار قباني في ديوانه “الرسم بالكلمات”. تختصر هذه القصيدة ذهنيّة المجتمع الذّكوري، القائم على الفصل الحادّ بين الجنسين، ونظرته إلى المرأة. إنّها غزوة شهريار أو دونكيخوته مُحاربًا طواحين الهواء. والغزوة معروفة نتائجها سلفًا: الرجل الفحل مقابل المرأة المستسلمة. الشاعر الفرد، هنا، يحكي باسم الجماعة واللاوعي الجماعي كلّه، ويكشف عن نظرة دونيّة لصاحبة الجسد المُشتَهى مضافًا إليها عدم اكتفاء جنسي وكبت طويل الأمد. كبت أبديّ مؤبَّد، في ظلّ ثقافة المحرّمات، لا تعود تنفع معه ممارسة الجنس مهما بلغت نسبتها.

المرأة، هنا، ليست كائنًا قائمًا بذاته بل بغيره. تقول الكلمات ما يتمنّاه الشاعر الذي يجد نفسه في موقع كازانوفا ودون جوان تارةً، وتارةً أخرى كأحد فراعنة مصر القديمة، بُناة الأهرام. الفرق الوحيد بين أهراماتهم وأهراماته أنّ شاعرنا لا يحتاج الى عبيد لبنائها. يستبدل العبيد بالكلمات، والجنس باللغة التي تعبّر عنه.

في هذا الشعر أيضًا، يصبح موضوع الغزل الفعليّ هو الرجل لا المرأة. ألم يتغزّل عمر بن أبي ربيعة بنفسه، قبل قرون من ذلك، فيما كان يتغزّل بالمرأة: “قد عرفناه وهل يخفى القمر”؟

شعر هذا النوع من الغزل هو، في الغالب، شعر الكبت الجنسي، والحوار مع المرأة فيه ليس حوارًا متكافئًا، لأنّ الذّكر ينظر إليها بصفتها رديفًا لرغباته ومتاعًا من أمتعته، مصدّقًا أنها أحد ضلوعه الكثيرة. إنّها، على وجه الدقّة، مَحَلّ لتفريغ الطاقات العاطفيّة والجنسيّة على السواء، في الواقع أو بصورة افتراضيّة من خلال الكتابة.

“الصورة المجازية المبحوث عنها هي “تعويض” أكثر ممّا هي مجرّد عمل فني”، وفق الطاهر لبيب في كتابه المتميّز “سوسيولوجيا الغزل العربي/ الشعر العذري نموذجًا” الذي يضع الغزل العذري في سياقه الاجتماعي والاقتصادي، ويلاحظ أنّ “تاريخ العالم العربي والإسلامي أهمل ما بدا له هامشيًّا، مقارنةً بما بدا له مركزيًّا، مثل الحركات السياسيّة والدينيّة”. أمّا المجاز فيأتي للتعويض عن حرمان. تمسي الحاجة العاطفيّة الجنسيّة منجمًا للكلمات المهتاجة، وصورة للجسد الجائع الذي، من فرط جوعه، يتعذّر إشباعه.

في مجال الصورة المجازيّة أيضًا، يطالعنا بيت الشعر الذي أورده أبو حيان التوحيدي في “الإمتاع والمؤانسة” مبيّنًا كيف وصف الشاعر الخمر: “وعذراء ترغو حين يضربها الفحلُ/ كما البِكر تَنزُو حين يفتضّها البعلُ”.

امرؤ القيس لا يستعمل المجاز بل يذهب مباشرة نحو المقصد. وكم يبدو قريبًا ذاك الصوت البعيد حين يلتفت إلى تلك المرأة الحُبلى والمُرضع قائلًا: “إذا ما بكى من خلفها انصرفت له/ بِشقٍّ وتحتي شِقُّها لم يُحَوَّلِ”.

أمّا في الغزل العذري فيتوارى الجنس وراء العفّة، لكن هل يغيب عن قائله الكبتُ؟ ألا يمثّل الكبت، في هذه الحالة، نوعًا من الصيام المفروض فرضًا لا الصيام الطّوعي؟ ألا يتهمّش الاندفاع الجنسي ويتعطّل بسبب تعذّر الوصول الى الحبيبة؟ “خليليّ، فيما عِشتما، هل رأيتُما/ قتيلًا بكى، من حبّ قاتلهِ، قبلي؟”، يتساءل جميل بثينة، وفي تساؤله صدى لقَول جلال الدين الرومي: “العاشق ميت والمعشوق حيّ”.

حتى عندما يكون شعر الغزل عذريًّا ويعبّر عن لواعج القلوب فهو ينحصر في ذات الشاعر نفسه ويدور حول نَوله الخاصّ أيضًا. تقول الحكاية إنّ ليلى بحثت عن قيس الملتاع بنار الحبّ والهائم على وجهه، وعندما وجدته واقتربت منه، دفعها عنه بقوّة، وهو يردِّد من دون أن يلتفت إليها: “اتركيني وشأني، اتركيني مع ليلى”. تصبح المعشوقة، في هذا الوضع، حالة ذهنيّة افتراضيّة، وإن لم تكن كذلك، فالحبّ لم يصل، في شعر الغزل، إلى المستوى الذي تحدّث عنه كيركغارد بصفته “طريقة لفهم الوجود”.

عاطفة الحبّ ليست غريبة في جذورها عن الغريزة الجنسيّة، بل تكمن في نواتها الأعمق. لذلك لا يغيب الجنس عن الغزل العذري، كما أنه لا يغيب عن المجال الديني، منذ أقدم العصور حتّى اليوم، وهذا ما درسه مفكّرون ومتخصّصون في العلوم الإنسانيّة والحضارات القديمة، ومنهم، على سبيل المثال، صمويل كريمر، وكذلك جان بوتيرو الذي اعتبر أنّ “نشيد الأناشيد” يستند إلى نصوص شبقيّة سابقة له. ألم يتناول جورج باتاي أيضًا العلاقة بين الإيروسيّة والمقدّس، بين الصوفيّة والجانب الحسّيّ؟ التعبير الجنسي حاضر حتى في الكنائس الرومانية الطّابع حيث تطالعنا، في بعض زواياها، الأعضاء الجنسيّة ومشاهد الجماع، كما الحال في كنيسة “سان بليز” في فرنسا والتي ترقى إلى القرن الثاني عشر.

في حالات أخرى، يذهب الشعر نحو تأليه المرأة وتقديسها. تتحوّل المرأة عالمًا متخيّلًا، خشبة خلاص ومصدر حبور وسعادة. تتحوّل كينونة مؤطّرة، مجمّدة داخل أيقونة ثابتة، وليس كائنًا من لحم ودم، يفرح ويتألّم، يعاني القلق والقهر، الوحدة والاغتراب، ويبحث هو الآخر عن خلاص. المرأة التي يناجيها أنسي الحاج في كتابه “الرسولة بشعرها الطويل حتّى الينابيع” تأتي من تلك المنطقة بالذات، فهي، أحيانًا، تتماهى مع الأمّ، الحبّ المستحيل، وأحيانًا أخرى، كأنّها إحدى نساء المسيح اللواتي رسمهنّ الفنّان الإيطالي فْرَا أَنجيليكو في جداريّاته في فلورنسا.

التعبير عن العلاقة بالمرأة يأتي من أمكنة أخرى في بعض نتاجات الشعراء المعاصرين، ومنهم، على سبيل المثال، أدونيس في “مفرد بصيغة الجمع”، وأمجد ناصر في “سُرّ من رآك”. الجانب الحسّي، هنا، ليس غزلًا بالمعنى المألوف، وهو يتجاوز الموضوع الذي ينطلق منه ليلامس وحدة الكائن وعزلته، ليفضح القلب الذي “يرتجف من بردٍ قديم”. هنا، “رائحة الحيوان” تدلّ الغريب على ذاته وعلى مسعى اكتماله المستحيل بالآخر.

يحتاج الكلام عن شعر الغزل العربي إلى حيّز أوسع بكثير، لكنّي آثرتُ، من خلال ما تقدَّم، أن أطرح بعض الأفكار والتساؤلات فحسب. ثمّة نقّاد وباحثون عرب ومستعربون تناولوا هذا الموضوع، وأضاؤوا جوانب مهمّة منه، ومع ذلك، لم تُستخدَم في درسه، حتى الآن، كلّ ما توفّره العلوم الإنسانية من إمكانات ضخمة.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق