ثقافة السرد

نائب البرلمان العاشق

 بقلم سهام حمودة*

مشى في ظلمة اللَيل لا يلوي على شيء. لم يكن له بيت يأويه ولا يد حانية تخفَف همَه فكلَ ما كان يملكه بعض الدَنانير جاد بها كريم من الطريق لا يعرفه. ابتسم وهو يتحسَسها في جيبه. مجرد فكرة أنه سيأكل خبزا ساخنا بعث في قلبه سعادة عارمة لا يفهمها إلا من يفتَش كلَ يوم عن لقيمات يسدَ بها رمقه في أكياس القمامة التي يضعها سكاَن الحيَ في الصَباح الباكر أمام منازلهم لتأخذها شاحنة البلدية. كان عليه أن يستيقظ مبكرا قبل قدوم عمَال النظافة ليحصل على قوت يومه أو سيضطر إلى الوقوف في برد الشتاء عند ناصية الشارع مادَا يده إلى المارة عسى أن تأخذ أحد منهم به الرأفة فيعطيه شيئا من المال. لم يكن يحبَ فعل ذلك و لم يكن يتحمل رؤية ما تحمله عيونهم من رسائل. لهذا كان يختبئ وراء نظارته السَوداء حتى لا يقرؤون انكساره وفرحته. مرَ ذلك اليوم طويلا وهو واقف امام صالة السينما. كانوا يعرضون يومها فيلم زهرة حلب .
-يعرض الفيلم للمرَة العاشرة هذه السنة ومازال يلقى إقبالا كبيرا. لقد بيعت كل التذاكر.
جاءه صوت بائع التذاكر متقطعا وهو يتحدث إلى بائع الفشار. كانت سيجارته الثانية لهذا اليوم. كان متوترا جدا وكان يجاهد في اخفائه.
مضت ثلاث سنوات فقط على صداقته مع بائع الفشار ولكنه كان يعلم جيدا أن صاحبه يستطيع قراءة توتَره . انقاد مؤخرا كالكثيرين بعد الثورة إلى مجموعة من المتأسلمين. مازال يذكر دهشته عندما رأى عمَار الدَبَ بينهم. لم يتوقع يوما أن يرى ذلك السَكَير الذي طالما اشتكى منه الصغير والكبير بيده مسبحة. أما هو فبدأ يحضر دروسا دينية وأصبح أكثر حرصا على أداء صلاته في وقتها. حتى أنه جعل ابنته الصغرى ترتدي حجابا.
-يكفي أن أمنحها حرية اختيار أسماء لدميتها. هكذا رد على معلمتها التي احمرت وجنتاها حنقا.
لو يعلم الإخوان اني أبيع تذاكر عند بوابة الجنس لأحرقوني حيا.
_اتخاف الله أم تخافهم أكثر؟ سأله بائع الفشار.
طأطأ عبد الله رأسه. الله أزلي لا يزول ملكه بزوال ملك البشر ولكن ولاء الضعفاء يحدده من يجلس على العرش في كل مرة رغم أننا ندرك جميعا بما فينا المجنون أن العرش للرحمن وحده. تنهد عبد الله.
ابتسم بائع الفشار. بقي من عمره أيام معدودات ولم يصل ركعة واحدة ولكنَه أحب الله وأحب جميع خلقه ومخلوقاته . أخبره جاره الأحدب ذات مرة أن جهنم ستكون داره في الآخرة لأنه لا يصلي.
-سنكون جارين في الدنيا والآخرة إذن. أجابه بائع الفشار وهو يبتسم بثقة فحدق فيه الرجل بعينيه الغائرتين الغاضبتين.
وستدخلها لأنك آذيت وليا من أولياء الله الصالحين أيضا. جاءه صوت جار بائع الفشار متقطعا.
مشى في وضح النَهار لا يلوي على شيء تصاحبه أغنية في رأسه لا تفارقه “كيفك إنت مالاَ إنت” . لم يكن لديه حبيبة لتسأل عن حاله، تضايقه غيرتها، تبكي إن لم يردَ على رسائلها وتغرس رأسها الجميل في صدره حياء إن غازلها .حلَ الظَلام بسرعة∙ كانت ليلة مقمرة. توسد حجرا ثم شد سترته على جسده النحيل وطفق يعدَ النجوم. كان ذلك يساعده على النوم حتى تزوره في أحلامه. لم يكن يعرف اسمها فكان يمني نفسه هذه الليلة ان تخبره عنه. تصبح الأحلام في واقع مرير طوق النجاة.
مضت تلك الليلة ولم تزره فيها. شعر بألم في صدره وكأن قلبه اقتلع من مكانه عندما فتح عينيه . انطلق آذان الفجر فهبَ واقفا من مرقده .نفض عن ثيابه التراب وخرج مسرعا من مخبئه. كان بيتا خربا هجره أهله من سنوات قد تداعت جدرانه وتآكلت أبوابه ولكن من شهر تقريبا أصبح كل من يمر به يشم رائحة الحياة تضوع منه. لم يكلَف أحد نفسه العناء بمعرفة النزيل الجديد فكل من سيتخذ تلك الخربة منزلا فإما أن يكون من المتشردين أو الخارجين عن القانون .
لم يفهم سرَ الألم بصدره ∙جاءه صوت قلبه متقطعا. ربما لأنها لم تأت في موعدها البارحة. كان سيدعوها لمشاهدة ذلك الفيلم الذي بيعت كل تذاكره. لقد أحبه الجميع وستحبَه هي أيضا. هكذا فكر وهو يسلك المنعرج المؤدي إلى حي الفرنسيس. وقف مختبئا وراء عمود كهربائي اسمنتي حيث يستطيع رؤيتها ولا تراه. كان جائعا جدا ولكن جوعه لرؤيتها أشدَ. تعوَد أن يراها ترمي كيس القمامة في تلك الساعة ثم تعود راكضة إلى الداخل. لاحظ أنها تطل برأسها الجميل في كل مرة. تلتفت يمنة ويسرة قبل ان تندفع إلى الخارج ثم تعود مسرعة. هل كانت خائفة من شيء ما؟ انتظرها لساعات ولكنها لم تأت. عاد إلى ما سمَاه بيته مشغول البال خاوي البطن. كان قلقا عليها ويريد الاطمئنان أنها بخير. احتضن رأسه بين يديه وأجهش بالبكاء. كان يهرب من شيء ما مازال يسمع صوت الرصاص المتقطع ولكنه لا يعرف مما كان يهرب أو ممن. لماذا يرفض عقله اخباره ما يريد معرفته. دس يده في جيب سترته الداخلي وأخرج قطعة خبز ماتزال طرية من عشاء الأمس.
كل من تقع عيناه عليه لا يصدق انه متشرد محتاج. كانت تقاسيم وجهه و مشيته تشي بنبل منبته. تبعه بائع التذاكر بنظرات من الحيرة والشكَ وهو يبتعد في الزحام ليضيع بين المارة بعد أن سمعه يقرأه أفيش فيلم السهرة المكتوب بالفرنسية بلكنة فرنسي أب عن جدَ. أيكون مخبر الإخوان أرسلوه ليتجسسوا عليه فلقد انتهى عهد ‘القوادين’ مع اندلاع الثورة؟
أزمع أن يعود للحيَ ويقف عند ناصية الشارع ينتظر قدومها إلى موعد لم يضربه معها . لماذا هذا الحنين إليها. و ما سرَ العلبة المليئة بالطعام التي يجدها في كيس القمامة ملفوفة بأحكام في كيس بلاستيك صغير في كل مرة. أكانت تعرف ما يفعله كل صباح فتترك له ما يسد رمقه. الكثير من الأسئلة تعتمل في صدره ولا يحير لها جوابا. مرت به امرأة شابة وهو يتفحص البيوت. نظرت إليه شزرا ثم تابعت طريقها وهي تغمغم . لم يرها في الحي ذلك اليوم ولا اليوم التالي فقرر أن يذهب بنفسه ويكشف سر اختفائها بنفسه في اليوم الموالي. كانت السماء غائمة كالحة تنبئ بمطر غزير. شد سترته عليه و سلك الطريق المؤدي إلى بيتها. كل ما عليه فعله هو طرق الباب فإن فتحت هي فسيطمئن قلبه ويبتعد. أما إذا لم تكن هي من سيفتح الباب فسيطلب رؤيتها. و لكن ماذا سيقول فهو لا يعرف اسمها . ربما قد يسبب لها مشاكل فيضنون بها سوءا. وقف ولا يفصله عن منزلها الا متر ونصف ثم التفت و عاد إدراجه إلى بيته. ما يفعله ضرب من الجنون. لماذا يسأل متشرد جائع عمن يترك له خبزا لطالما كان الخبز أهم من الخباز. مشى وسمع بطنه تقرقر. بقيت خمس دنانير من حصيلة ما جمعه يوم الخميس.
بدا على النادل الاستغراب وهو يدوَن طلبه.
_قهوة اسبرسو من فضلك وخبز اسمر محمص.
لم يفهم لماذا لم ينهره ويطلب منه مغادرة المكان كدأبه مع المتشردين. كانت تحيط به هالة من الهيبة رغم ما يغمر مظهره من فوضاء .لاحظ نظرات التبرم والازدراء التي كان يصوبها زبائنه تجاه الرجل ولكنه تظاهر بعدم الفهم وتابع عمله والابتسامة لاتفاق محياه . شرب قهوته واكل خبزه ثم خرج من المقهى و النادل يتبعه بنظرات شكر بعد أن نقده ثمن فطور الصباح وأعطاه بقشيشا . حاول النادل أن يتذكر أين رآه. يتوافد على المقهى عشرات الزبائن كل يوم ولكن لا أحد كان يحب الجلوس في الطاولة المطلة على الحي القديم ما عداه. كان يخبره أنه هناك قضىَ أجمل أيام عمره قبل أن يصبح نائبا في البرلمان وينتقل إلى العيش في منزل فخم في باردو. “أعود هنا كل صباح لأتذكر من أين أتيت واتذكر ما عاناه احبتي من ضنك العيش ليوفروا لأبنائهم ضروريات الحياة. فلا أنسى ما وجدت من أجله هناك.”
ولم ينكث بعهده. تحسَنت أحوال الكثيرين من أبناء حيه حتى أن بعضهم قرر بيع بيته والانتقال للعيش في مكان أكثر رقيا من ذلك الحي الشعبي ولقد كان يثير حنق الكثيرين في الدولة إذ تسبب في العديد من المرات في إقالة العديد من الاشخاص الذين تم تعينهم من بعض الوزراء في الوظائف العمومية بدافع القرابة لا الكفاءة ليشغل تلك الوظائف أبناء حيه فيما بعد. أخبره صديق له أنه سيلقى حتفه يوما بسبب تهوره ولكنه هز كتفيه غير مبادل. “لن يثير موتي حزن أحد فليس لدي والدين ينفطر قلبهما علي حزنا وليس لي أبناء يتيتمون بعدي. أما أبناء حيي فسيختارون نائبا آخر يظهرون له الولاء وتستمر عجلة الحياة بالدوران.
أيمكن أن يكون هو؟ كانت لحيته تغطي وجهه وشعره طويل يصل إلى كتفيه وتلك الندبة على جبينه. لا يذكر أن لباديس ندبة في وجهه. اختفى الرجل منذ شهرين ولم يُعرف مكانه الى الآن ومع ذلك لم يبد أحد استغرابه عند سماعه باختفائه فالجميع توقع ذلك. كان باديس الشاة السوداء في البرلمان والذئاب حوله كثيرون. مازال البحث عنه قائما إذ يريد أبناء حيه أن يحتفوا بجثته تكريما لجهوده لتخليصهم من الفقر.
لم يمت باديس كما كان مخططا له. عندما قام الرجلان برميه من السطح سقط على عجلات مطاطية ولكن السقطة تسببت له في ارتجاج في المخ فلم يعد يذكر شيئا. كما أصيبت عينه اليسرى بالعمى إلا أن نورا بداخله كان يهديه إلى أماكن في قلبه. كان يمشي على غير هدى حتى قادته ساقاه إلى حيه القديم أين ترعرع وعرك الحياة بعمرها وحلوها وكان يرتاد أحيانا المقهى أين كان هو و رفاقه ينظمون المظاهرات ضد النظام. يعتقد الكثيرون أنه خطف وقتل بعد عثور الشرطة على سيارته محروقة عند طرف المدينة لهذا لم يشك أحد في حيه انه باديس نفسه رغم أن كل من رآه أشار الشبه بينه وبين المرحوم باديس. إلا هي فقد عرفته من اول وهلة وقع ناظريها عليه. فهي لا تخطئ مشيته والطريقة التي يهز بها كتفيه عندما يعبر عن استيائه. اصطدمت به في ذلك المساء وهي تهرول عائدة إلى البيت. وقف ينظر إليها وهي ملقاة على الأرض والتقت عيناها. عرفته ولكنه لم يتذكرها. هز كتفيه وهي يقول
-لقد دست على قدمي.
لم يكلف نفسه عناء الاعتذار أو مساعدتها على الوقوف والاطمئنان إن كانت بخير بيد أنها لم تغضب فتلك عادته مع النساء. رأته ذات صباح يلتقط بقايا طعام من كيس القمامة أمام منزل جارتها. بكت بحرقة يومها فلطالما شبعت بطون جوعى على مائدته لهذا قررت أن تترك له ما يكفيه طعام يوم كامل. لم تخبر أحدا عنه لأنها تعلم جيدا أن هناك من يتربص به شرا فاكتفت بترك الطعام له لسد جوعه فلا أحد ينتبه إلى وجود متشرد في هذه الأنحاء الراقية. مر نيف من الزمن وباديس يتقلب بين أيامه بحلوها ومرها. حلوة عندما يأكل خبزا ساخنا وتزوره في حلمه ومرة عندما يجافيه النوم فلا يقدر على رؤيتها أو لا يجد ما يسد به جوعه. أصبحت حياته مختصرة في حلم ليلي و رغيف خبز طازج حتى راهن بائع التذاكر بائع الفشار أن المتشرد هو نفسه نائب البرلمان.
أخبار الثامنة :
وجدت جثة تتدلى من سقف بيت في الحي القديم بالناصرية. ولقد كشفت الأبحاث أن الجثة تعود لنائب البرلمان المختفي منذ مدة باديس عبد النبي.
شُيَع جثمان باديس ليدفن بالقرب من قبر أبيه ولم يمش في جنازته الا النادل الذي كان يترك له البقشيش.
قاتل نفسه كافر لا يغسل ولا يصلىَ عليه ولا يدفن في قبورنا نحن المسلمين.. هكذا أفتى الشيخ عمَار الدَبَ.

*أديبة من تونس

*لوحة للفنان بول كلي

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق