قراءات ودراسات

[النقد الباشلاري : القطائع والتأثيرات]

بقلم  سعيد بوخليط

يشكل النص الشهير الذي أورده “بارت” Barthes، موزعا في إطاره النقد الفرنسي إلى قسمين كبيرين هما :

  • النقد الجامعي Universitaire، يوظف منهجية موروثة عن لانسون.
  • النقد التأويلي d’interprétation، ومن ممثليه : باشلار/ غولدمان/ جورج بولي/ جون بيير ريشار/سارتر…، حيث ارتبط تأويلهم النقدي بإحدى الإيديولوجيات الكبرى مثل : الوجودية، الماركسية، التحليل النفسي أو الظاهراتية.

قلت يمثل هذا التصنيف مفتاحا أساسيا للكشف عن اشتغالات ما سمي في التقليد الجامعي ب : النقد الجديد. ضدا على ما كان سائدا في الساحة الفكرية من قيم نقدية، أصبحت عاجزة مع السيرورة الإبداعية المغايرة عن الاستجابة للروح التي جاءت بها نصوص كتابية تخترق  قيم الجنون واللاعقل وكذا كل جوانية الذات الأدمية. فماذا يمكن أن تقدم السيرة الذاتية ؟ لكي نفهم المكونات الإبداعية لنصوص الاتجاه السوريالي مثلا، أو الممكنات اللغوية للروائيين الجدد بعد ذلك… . وبأي، أفق لانسوني نتمثل لعبة إبداعية ؟ تستهدف فقط توليد متواليات لسانية وأسلوبية، ثم إسقاط جل الأحاسيس الذاتية في معطى خطابي ولغوي.

تبلور هذا الحس الراديكالي لمفهوم الكتابة وكذا النص الأدبي والإبداعي مع ظهور حدثين علميين أساسيين : من جهة، التحليل النفسي الفرويدي ثم الدراسات اللغوية واللسانية مع فرديناند دي سوسير. لقد، كشف الأول عن اللاوعي كمكون مفصلي في التجربة الوجودية. بينما عمل الثاني على صياغة مجموعة من الأجهزة المفهومية، أعطت لقراءة النص الأدبي بعدا داخليا، وشكلت بعد ذلك لبنة أساسية لمختلف الاشتغالات النقدية واللسانية.

أصبحت إذن للذات أولانية أساسية عل مستوى التجربة الإبداعية، بعد أن توخى الرهان سابقا، استحضار السياق السوسيوثقافي، والبحث في الروافد  الاجتماعية التي تحدد حتميا ماهية الإبداع والمبدع. مما دفع البعض إلى إضفاء طابع “البوليسية” على هذا المسار، نظرا لتحرياته الواسعة بخصوص الناقد وحيثيات وضعه الشخصي في أفق الوقوف عند المعطيات الببليوغرافية والسيرية. لكن، بعد : ((الحرب العالمية الأولى، صاغ السورياليون محضر إفلاس للحضارة البورجوازية، رافضين كل أشكالها ونماذجها في التعبير. متأثرون بدرس فرويد، فإنهم يعرفون ويدركون عدم ضرورة “تعليل” الإنسان. ولا حتى “تعليله عاطفيا”. إنه نائم وحالم))(1).

هكذا وضعت السوريالية إطارا نظريا، جعلت تحولات النقد المعاصر ممكنة، متجاوزة الإطارات التقليدية للخطاب حول الأدب. لقد أعادت النظر في مفهوم الكتابة والكاتب، وهي ترسم إمكانيات جديدة للغة والروح الإبداعية. سيقترح معها الأدب المعاصر : ((على الجمهور نصوصا جديدة بشكل جذري، لا يمكن للنقد التقليدي إلا التلعثم أمامها. تصعب عليه مقاربة : ملارميه، لوتريامون، سان جون بيرس، باطاي إلخ، مثلما يفعل مع النصوص “الكلاسيكية”. يظهر بأن هاته الأخيرة، تقوم على مشروع واع وشامل، يحتم عمل الناقد العثور ثانية على “معناه”. (بما أننا نتكلم عن “معنى وحيد” و “معنى ممنوع”) مماثل لمعنى النص ذاته. لكن النصوص “المعاصرة” تفرض نمطا آخر للقراءة. لا يتعلق الأمر بإعادة  إنتاج المعنى الموجود قبل ذلك، وبلورته من جديد. بل إعادة إنتاج المعاني انطلاقا من إمكانيات متعددة لقراءة نصوص منفتحة على اقتراح النقد))(2). توجه يفترض من الذات الناقدة، التصاقا فرديا وحميميا بالنص.

ضدا على الموسوعية اللانسونية، سيعمل التصور النقدي الجديد على تطوير مبدأ وذوق القراءة المحايثة والباطنية من خلال اتصال مباشر بالنص. يبرز التأمل النقدي مع الأدب ذاته، مما سيعطي لمفهوم القراءة بعدا صوفيا ثم أسطوريا في أحيان كثيرة. القراءة : ((بصيغة الجمع حلت مكان القراءة بصيغة المفرد، إنها أبرز إنجازات النقد الجديد. قد يظن كل عصر أنه وقف على المعنى الأمثل للعمل الأدبي لكن تطور التاريخ يؤكد على تشظي المعنى الفردي إلى عدة معان، والعمل المغلق إلى عمل  مفتوح. يتحول العمل الأدبي من الواقع التاريخي إلى الواقع الأنثروبولوجي، مادام التاريخ لا يستنفذ معناه. وتعددية المعاني، كامنة في الطاقة الرمزية))(3). لم يعد النص منتهيا ومكتفيا بحقيقة مطلقة، كما كان الشأن مع التصور الكلاسيكي، فقد تحول إلى دال دائم يأخذ معناه مع الذات التي تتلقاه. هكذا عند بارت Barthes مثلا : ((تطرح المسألة وفق الحدود التالية : كيفما كان العمل الذي نتأمل ، فإنه دائما أبعد قياسا للمعرفة التي نأخذها منه. مهمة النقد يؤكد “ليست أبدا في اكتشاف” حقائق “ولكن فقط” صلاحيات))(4). ثم، يضيف بارت Barthes : ((إن عملا “أبديا”، ليس لأنه يفرض معنى وحيدا على أناس مختلفين، ولكن لأنه يوحي بمعان مختلفة لفرد وحيد، يتكلم دائما نفس اللغة الرمزية عبر أزمنة متعددة : العمل يقترح والفرد يتأهب))(5). يبقى المعنى معلقا، يتماثل مع لحظيته وفوريته، بالوضع المعرفي للذات.

على العموم، ثلاث قنوات أساسية عملت على صياغة وإفراز الشرارة المفهومية للوضع النقدي الجديد، حيث كان غاستون باشلار Bachelard أحد أكبر دعاته، أقصد بذلك : الثورة السوريالية ببياناتها الطليعية، أصبحت معها الكتابة : ((تستوحي ترابطات حرة وذاكرة لا شعورية. كما أنها تقنن قوى مكبوتة في الشعور))(6). ثم، منعطف الفرودية التي أسست تقنيات جديدة، واكتشفت معطيات أخرى في الذات الإنسانية. وأخيرا، قيمة المفاهيم التي جاءت بها اللسانيات البنيوية : ((سوسير وفرويد ألهما النقد الجديد في أوربا بشكل أساسي. قبلهما  كان التركيز على الحياة الخارجية والعلاقات الاجتماعية للشخصيات. مع فرويد تحول الاهتمام إلى ما يدور داخل الإنسان من انفعالات وصراعات تؤثر في تفكيره وكتاباته كما أن سوسير جعل من الحدث اللغوي مادة لدراسة ألسنية بصفته نتاجا ذا مواصفات تركيبية وأسلوبية محددة))(7). ليتم بذلك، تجاوز كل الأطروحات الوضعية ونزعتها العلموية، التي سعت على مستوى المنهج والموضوع، تحويل الأدب إلى مجال للتطبيقات المنهجية الصارمة في أفق الوصول إلى يقين ونتائج العلوم الطبيعية والمختبرية.

تمرحل رغم كل شيء يظل نسبيا ولينا مع بقاء إمكانات التعاون قائمة في هذا الإطار. يقول بارت Barthes : ((إذا لم يكن النقد الجامعي شيئا غير برنامجه المعلن، الذي هو التأسيس الدقيق للوقائع البيوغرافية أو الأدبية. فإننا،لا نرى حقا لماذا يحافظ على أقل توتر مع النقد الإيديولوجي. مكتسبات الوضعية واقتضاءاتها، غير قابلة للتراجع : لا شخص اليوم يتصور مهما كانت الفلسفة التي يتبنى رفضه جدوى الموسوعية وفائدة المرتكزات التاريخية وكذا فوائد تحليل دقيق “للظروف الأدبية”. وإذا كانت الأهمية التي تمنح لقضية المنابع من قبل النقد الجامعي توظف قبل ذلك فكرة ما عن ماهية العمل الأدبي، فلا شيء على الأقل يمكنه الاعتراض على معالجة هذه المسألة بدقة، ما إن نقرر طرح ذلك. ليس هناك إذن عند الوهلة الأولى، أي مبرر يمنع النقدين من التعارف والتعاون : يعمل النقد الوضعي على تقييم واكتشاف الوقائع : (تلك ضرورته) تم يترك للنقد الآخر حرية تأويلها))(8). يقصد بطبيعة الحال هنا المبادئ النقدية الكبرى، والنماذج النظرية التي سادت الساحة الثقافية الفرنسية، مثل الوجودية التي أثرت الأعمال النقدية ل سارتر Sartre، ثم الماركسية ـ ليس في بعدها الأرثوذوكسي  الدوغماطيقي ـ الموازية بين البعدين السوسيولوجي والجمالي، كما بلورتها الاشتغالات النقدية ل غولدمان Goldman. بالإضافة إلى التحليل النفسي المنطلق من النظرية الفرويدية، والذي يجسده بامتياز شارل مورونMauron . وأخيرا، المدرسة التي وضعها غاستون باشلار Bachelard ، الملهمة لأسماء نقدية ك جورج بولي Poulet وجون بيير ريشار Richard وجون ستاروبنسكي Starobinski.. . بالتأكيد، نقف على روابط بين هذين النقدين : ((من جهة، يمارس النقد الإيديولوجي في أغلب الأحيان من قبل أساتذة، لأنه في فرنسا كما نعرف ونظرا لأسباب التقليد والمهنة، يختلط الوضع الفكري بسهولة مع النظام الجامعي. ومن جهة ثانية، يتأتى للجامعة استكشاف النقد التأويلي مادام أن أغلب أعماله هي أطروحات لنيل الدكتوراه))(9). جاءت التجربة النقدية الجديدة لتجاوز الحتمية الماقبلية المؤسسة للرؤية الوضعية، وخاصة توطيد مبدأ مقاربة النص بلغة النص.

سيلعب غاستون باشلار Bachelard دورا كبيرا في هذا المسار النوعي، عملت اشتغالاته على وضع إطار فكري آخر، تحول في لحظة ما إلى اتجاه فكري قائم بذاته. ذلك أن باشلار Bachelard ومن خلال :

1 ـ دعوته إلى تأسيس فلسفة جديدة للخيال، بدراسة الخيال في ذاته دون إحالته على منظومة رمزية أخرى، قد تلغي الإدراك السليم والكامل لخصوصية الفعل الإبداعي.

2 ـ التأكيد على أولانية الصورة، وعلى قيمتها الحداثية.

3 ـ وقوفه على المكونات الداخلية للنـص الأدبي، بتحليل العناصر les substances تبعا للتغيرات الدينامية للصورة.

قلت انطلاقا من ذلك، صار باشلار Bachelard : (نموذجا لشاعر “النقد الفرنسي الجديد” وعالما نفسيا في الكتب، وحالما فوق بساط النص الذي يقرأه. ومواصفاته الأساسية هي اهتمام بالخيال الخلاق، وأسلوب نقدي جذاب، وتجاوز لجمود الوصف الكلاسيكي، ورصد موثق لقيمة اللاشعور في عملية الخلق الأدبي. إضافة إلى ذلك، ثمة حدس باشلاري ثاقب وبلورة متكاملة لمقاربات تحليلية أرست أسسا لتيارات تغايرية في كتابة النقد الجديد))(10). فهيأ السبيل لأبحاث بديلة، وكان أحد الأساتذة الكبار للنقد المعاصر.

إن باشلار Bachelard وهو يشتغل على مجموعة من النصوص الإبداعية، مستلهما سواء التحليل النفسي أو الرؤية الفينومينولوجية، توخى البحث عن التيمات والموضوعات الأساسية للنص، ثم اكتشاف الصور التي تحمل سمة حلم يقظة مادي. وقد وجد في العناصر الكونية : الماء و النار والأرض ثم الهواء. الاصطلاح الرباعي الذي يترجم نفسيات وأمزجة متنوعة. فأدخل بذلك باشلار Bachelard مفهوم العنصر إلى تاريخ النقد، بعد أن جاء تين Taine بالثلاثية : جنس/ وسط/ لحظة. و”سانت بوف” Beuve ب مفهوم “عائلة الأفكار”، أما تيبودي Thibaudet فقد استحضر معطى “الجيل”، ذلك أن العناصر الأربعة : (مختصة في التعبير عن رغباتنا ومخاوفنا الأكثر حيوية : حب، كراهية، إرادة الحياة، غريزة الموت، الرغبة في الهروب من الذات، أحلام المغامرة، الاندفاع الأخلاقي، طموحات صوفية، غريزة التملك إلخ. هذه اللغات الأربعة تترجم نفس الأشياء)(11). فهي، النواة الأساسية التي تمد حسنا الإبداعي بمجالات ممكنة للتبلور والاقتحام الآخر للأشياء المحيطة بنا، غير وجودها المألوف الملموس.

دعا باشلار Bachelard غير ما مرة بل ـ كان ذلك أساس مشروعه ـ إلى تمثل أولاني، بالتقاط الصور الجديدة وهي تأخذ بعدها المادي بمماهاة إحدى العناصر الأربعة. يستهدف النقد الباشلاري، إظهار الصور : ((حية ومتوقدة. تأويلاته تضع المجازات في وسط حي عوض تفسيرها. وفي اتصاله بأحلام الآخر، فإن باشلار Bachelard يحلم بقدر ما ينتقد))(12). بالتالي، يذهب أساسا في مقاربته وتفضيلاته، إلى البحث في الخاصية الاستكشافية لأدباء موهوبين مثل : بو Poe / ريلكه Rilke/ نوفاليس Novalis/ شيلي Shelley/ بوسكو Bosco… والوقوف على أصالة تعبيرهم، وخصوصيتهم الحقيقية. هؤلاء لامسوا الرموز المحتملة بامتياز. ستحدد قيمة الخيال في ذاته وكذا هيمنة فكرة فعالية الصورة، سلوكا جديدا للناقد المعاصر، الذي تسامى في : ((التفاعل مع سلسلة الصور التي تنتظم العمل الشعري))(13). لقد انتقل دوره من مجرد باحث عن حقيقة موضوعية، بذاتية محايدة إلى مبدع ثان. وسنلاحظ بأن أغلب النقاد الجدد، تبنوا أساسا هذه الرغبة الواعية للتعامل مع النص الإبداعي كحقيقة حلمية ومحاورته بلغة حالمة. وقد أشرت في مواقع مختلفة أنه يصعب في أحيان كثيرة، تصنيف باشلارBachelard   ضمن خانة نقدية معينة، لأنه كثيرا ما يتداخل عنده المفهوم بالحلم في سعيه الدائم إلى إبراز عبر شاعريته، الطابع النوعي لكل صورة. تجلى عنده ذلك خصوصا في تأكيده على تبني الطرح الفينومينولوجي، الذي يسعى إلى التماهي مع وعي المبدع، ما دام أن النص الأدبي هو وعي بشيء ما.

حـاول جــورج بـولي Poulet ، الوقوف علـى ذلــك فـي كتابـه : La conscience critique. منطلقا من فكرة أن قضية الوعي، تشكل المسألة الأكثر إثارة في النقد المعاصر، إنها المجهود الذي يبذل من أجل التموقع في وعي الآخر. جدارة غاستون باشلار Bachelard الاستثنائية كونه أقام : ((نتاجا جديدا للوعي ونقدا جديدا. قبله على الأقل، بالنسبة لكل النقد اللانفسي (واللاماركسي)، كان الوعي الشيء الأقل مادية (…). لكن، انطلاقا من باشلار Bachelard  لم يعد من الممكن التكلم عن لا مادية الوعي، كما أصبح من الصعب إدراكه بشكل آخر إلا عبر طبقات الصور التي تنضد فيه. الثورة التي أنجزها باشلار إذن كوبرنيكية))(14).

أصبحت مقاربة عالم الأدب والقصيدة مختلفة عن ما كان سابقا، فلا يمكننا فهم المتخيل إلا بمتخيل آخر. تبدأ، الرؤية النقدية بحماسة الفكر الشاعري، منتهية عند انسياب للفكر النقدي. الاندهاش والاندهاش الدائم هو ما يعطي للناقد الجديد إطاره النظري. فالمنهجية الباشلارية، تستهدف إعطاء حقيقة اكتشاف الوعي بالوعي حدودها القصوى، وخصوبتها اللانهائية. وسيكون في تطبيق الفينومينولوجيا موقفا سليما، بإيجاد مركز للوعي ونقطة شعور. تقوم على كوجيطو باشلاري يشبه كوجيطو روسو Rousseau، أكثر من الكوجيطو الديكارتي. ذلك أن القوة الحالمة التي تصب نحو مماثلة الذات بالماديات العنصرية التي تجسدها : النار، الماء، الهواء، الأرض. فإنها تبدع كوجيطو حالم، يختلف عن كوجيطو المفكر. يوقظ الناقد في نفسه عالما من الصور، يعثر عليها ثانية في أعماقه اعتمادا على وساطة الشاعر وإثارة النص الإبداعي ثم التماهي بالنشاط المتخيل.

سيتموقع باشلار Bachelard عند الأفق الأنطولوجي للذات المتخيلة. يستتبع ذلك بالضرورة الوقوف “عند منطلق الصورة”، التي أخذت فهما خاصا وأساسيا في الرؤية النقدية الباشلارية : ((يجب أن نفهم جيدا بأن الصورة بالنسبة لباشلار ليست بلاغية، ولا هي جزئية من جزئيات النص أنها “تيمة للكل”، وهي تستدعي تظافر الانطباعات الأكثر تنوعا، الآتية من مختلف الاتجاهات. وهي ليست أبدا تأليفا “لأجراء واقعية مدركة أو لذكريات الواقع المعيش” كما هو الحال بالنسبة لثقافة أو لنقد واقعيين. والفنان الباشلاري ليس هو الإنسان الذي قام بالملاحظة على أحسن وجه ولكنه ذلك الذي حلم بصورة جيدة، وإن الصورة هي أثر وظيفة اللاواقعي في النص))(15). يجعل باشلار Bachelard من : ((“الصورة الشاعرية” مجالا، لا وجود فيه للنظرية ربما هذا ممكن، بل وضروري لأن الصورة هي “حدث نفسي” يجد مكانه في “الوعي الفردي”. ولأن ما يواجهه وما يريد إبرازه عبر “شاعريته” هو الطابع الجديد لكل صورة، كما لو لم يتعلق الأمر فقط بفهم الوعي السابق والمتميز، بل بفهم أحداث فريدة في كل مرة))(16). أصبح الأدب يفهم بطريقة حميمية، ويتناول النص بروح أخرى تقف في نفس المستوى مع العمق الإبداعي الذي حكم سلوك المبدع. فتح باشلار Bachelard هذا الأفق الفكري الخصب، الذي راكم معطيات مفهومية كثيرة حول حياة النص، من خلال شعار العودة إلى النص والالتصاق الباطني به لاستكناه سياقاته الذاتية الممكنة، التي تقوم على :

ـ ملاحقة الروح الحُلمية، والتلوين السيكولوجي الذي تأخذه التجربة الذاتية للمبدع داخل  مسارات النص. كي نصادف الوعي المتخيل الذي تحدث عنه باشلار Bachelard في كل مشروعه. وكان بذلك، من أكبر المستكشفين للحياة الحُلمية.

ـ التأكيد على الأبعاد الحداثية، التي تقوم عليها “نظرية النص” عند باشلار  Bachelard.

ـ قانون العناصر الأربعة، الذي فتح به باشلار Bachelard قنوات جديدة للنقد الأدبي. حيث يوضح : ((الرغبة المدهشة للاقتحام، والتي تفكر خارج إغراءات تخيل الأشكال في المادة، أي في حلم المادة، والحياة في المادة أو جعل التخيل ماديا))(17). وسنلاحظ بأن أتباع باشلار، أو ما اصطلح عليهم بالتيار الموضوعاتي. اشتغلوا في العمق، انطلاقا من هذه الثوابت وإن تم التعبير عنها بأشكال وصيغ أخرى.

صحيح أن باشلار Bachelard لم ينطلق من فراغ، ولم يكن حتما في موقع الدرجة الصفر. ذلك أن ناقدا ك ألبير بيغان Béguin وضع مع بدايات هذا القرن في كتابه : النفس الرومانسية والحلم. الانطلاقة الأولى  لهذا التأويل الجديد للنص الأدبي، أي الوقوف على قيمة حضور “الخيال الحُلمي”، ونزع المؤلف من سيرته الذاتية الخاصة. ولتصبح الإشكالية : ((كيف يمكن فهم كاتب ليس كمفهوم، داخل مفهوم يغطيه. ولكن، ككائن يعاني، مبين ومؤسس لعلاقات حية مع ذاته والآخر وكذا مؤلفه ؟كيف نكتسب الاحترام المطلق لعمل عبقرية من خلال نظرية ناقدة ؟))(18). لقد سعى بيغان Béguin الولوج إلى أعماق المؤلف، من أجل سبر حدود تجربته الإبداعية والوقوف عند خصائص هذا الفعل. إنه يراقب اشتغال آليات الخيال الحُلمي، وكيفية استثمار أعماق النفس الإنسانية.

كما ظهرت في بداية الثلاثينيات، مؤلفات نقدية أخرى حاولت تجاوز الإرث النقدي الكلاسيكي وهي : (تتمثل بعض الشيء كشوفات فرويد، نذكر منها بحث شارل بودوان، بعنوان “التحليل النفسي للفن” (1929) ودراسة رينيه لافورغ “إخفاق بودلير” (1931) وكتاب ماري بونابرت : إدغاربو (1933) (…) أهميتها في أنها لفتت الانتباه إلى أهمية “الأساطير” و”الأحلام” ومختلف تعابير “الأنا العميقة” وظهر تأثيرها في أبحاث مارسيل ريمون وألبير بيغان وغاستون باشلار)(19)

إلا أن باشلار Bachelard يبقى أكبر مؤسس وممثل لهذا الاتجاه الجديد في الممارسة النقدية والأدبية نظرا لاشتغالاته المتعددة، وكتاباته المختلفة، ثم الطبيعة الخاصة لمفاهيمه التي تجد مرجعيتها في أطر معرفية مختلفة تتنوع تنوع ثقافة باشلار Bachelard. فأعطاه ذلك تأثيرا على أسماء كبيرة شكلت بكتاباتها حلقة أساسية في مسار الثقافة المعاصرة : جورج بولي Poulet/  شارك مورون Mauron/ جان ستاروبنسكيٍ Starobinski/ لوسيان غولدمانGoldman/ رولان بارتBarthes  /جان بيير رشار Richard… . إلا أن المسألة لا تقف فقط عند ذلك فما : ((هو أصيل في الشهرة التي يتمتع بها الفيلسوف هو أنها تقوم فقط على نوعية عمله، لكن كذلك روعة صاحبه. فكره ولطافته وصفاته القلبية أكسبه عددا كبيرا من الأوفياء الذين قرروا بالفعل الدفاع عن ذاكرته. طلبته  القدامى لم ينسوه))(20).

لكن “بيير كيليت” Pierre Quillet، يشير إلى الأمر بنوع من النسبية : ((إذا كان ل باشلار Bachelard مقلدين وورثة، فليس من السهل حمل جواب بسيط لهذا السؤال. الممثلون الرئيسيون للنقد الجديد يستدينون منه تقريبا. لكن أي واحد منهم لا يرتبط به فقط. فالذين يستلهمون أعماله، يستوحون في الغالب كذلك سارتر والتحليل النفسي الأرثوذوكسي والفينومينولوجيا وكذا الماركسية))(21). هذا التأويل، لا يقف بطبيعة الحال عند ورثة باشلار Bachelard، بل يمتد إلى كل البنية المعرفية للنقد الجديد. مادام أن خطاب الناقد الواحد، تجده قائما على اشتغالات معرفية متعددة تتأرجح بين : الفرويدية، الماركسية، الوجودية والشكلانية … بل كل إنجازات العلوم الإنسانية. في أفق، ممارسة جديدة ومعطى آخر لمفاهيم الكتابة، النص، المبدع، القارئ والقراءة … . لأن النقد سيتحول إلى قراءة حرة. يقول في هذا الإطار ستاروبنسكي Starobinski : ((إذا كان لنا في نهاية المطاف أن نحدد المثل الأعلى للنقد، قلنا إنه مركب من الدقة المنهجية “المرتبطة بالتقنيات ووسائلها المحققة” ومن التحرر التأملي “الذي يجعل المرء طليقا حيال كل قيد منهجي”))(22).

هــــوامش :

(1) Roger Fayolle : La critique. librairie Armand colin, Paris 1978, Page 173.

(2) Ibid, Page 179.

(3) فؤاد أبو منصور : النقد البنيوي الحديث بين لبنان وأوربا. دار الجيل بيروت 1985، ص 281.

(4) André Allemand : nouvelle critique, nouvelle Perspective. à la Baconière 1967, P 22.

(5) Ibid, Page 63.

(6) فؤاد أبو منصور : نفس المرجع السابق، ص 78/79.

(7) نفسه، ص 193.

(8) Roland Barthes : Essais critiques, édition du seuil 1964, PP 246/247.

(9) Ibid, Page 246.

(10) فؤاد أبو منصور : نفس المرجع السابق، ص 98.

(11) Michel Mansuy : Gaston Bachelard et les éléments. José corti, 1967, P 366.

(12) Ibid, Page 273.

(13) حميد الحمداني : سحر الموضوع عن النقد الموضوعاتي في الرواية والشعر. منشورات دراسات سال. 1990، ص 29.

(14) Georges poulet : la conscience  critique, librairie José corti, 1971, 3ème édition, 1986, P 174.

(15) حميد الحمداني : نفس المرجع السابق، ص 30.

(16) سعيد علوش : النقد الموضوعاتي. شركة بابل للطباعة والنشر والتوزيع. الرباط 1989، ط1، ص 161.

(17) نفسه، ص 111.

(18) Manuel de Diéguez : l’écrivain et son langage. Gallimard 1960, P 174.

(19) فؤاد أبو منصور : نفس المرجع، ص 79.

(20) Michel mansuy : op, cit, P 376.

(21) Ibidem.

(22) حميد الحمداني : نفس المرجع السابق، ص 26.

*كاتب وباحث مغربي/ مراكش.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق