قراءات ودراسات

شعرية الانزياح في قصيدة نبوءة لللشاعر “أحمد البحيري”‏.

عقيلة مراجي*

نبوءة
وروحك التي تتوق للسماء.
تحققت رغم البلاء.
وجئت من دياجير الظلام للضياء.
مبارك هذا الجسد.
لولاه ما كان الحسد.
ولا استعان في عظام الساق بالشرائح.
ظل جميلا في مفارق الدروب،
ولكم تحمل العجائب.
عظامه قوية تفتت المطارق.
وثنيات لحمه جوع لكل طارق.
يموج كالجياد بالمعارك.
وإن غوي وجاد بالرحيق
والأطايب.
حمي الصراخ في غياهب الصفاء.
حتي إذا جاء القريب والبعيد أعلن الولاء.
تبسمت سليلة الأنساب من صوت الدفوف.
وغردت للعاشقين،
لثمت بطن الكفوف.
وذاك أن روحها قديمة.
وبطنها رغم انقضاء الطرح لازالت هضيمة.
لا تنضوى والسحر ينفذ كالبلاء.
وجحافل العشاق تنسحب،
ويظلها هذا الهباء..
كنز لها يبقي ولا يفني،
إذا غزت العوالم كلها.
يوم اجتماع الخلق والسموات تعزف لحنها.
ولها أنين المتعبين بجحيم النهار.
يدمي إذا اتسع ويخترق المقابر والعمار.
وعلي امتداد الليل تزرع خطوها.
عنبا وزيتونا وتاريخا يطول.
وتراه تعرفه وتعرف من تكون.
هي فتنة للعاشقين ورحمة للمتعبين.
وتعودت رغم البلاء علي الصراط المستقيم.
والآن غطت شعرها من حسنها،
وبغت دروب العابرين.
بغت دروب العابرين

مقدمة:
يعد مصطلح الشعرية من أهم المصطلحات اللصيقة بفن الشعر، ويعود استعمالها إلى التراث الغربي والعربي القديمين، حيث نجدها في كتاب “فن الشعر” أو “الشعرية” لأرسطو، حيث ارتبطت كثيرا بفكرته حول المحاكاة، وما ينتج عنها من تصوير للواقع بأسلوب شعري فني، كذلك تناول العرب القدامى لفظ الشعرية بمعنى علم الشعر، والشعر على حد قدامة هو كلام موزون مقفى له معنى، لكن الدراسات المتقدمة مع ابن رشيق وابن طباطبة و عبد القاهر وغيرهم كشفت بنوع من الموضوعية عن خصائص الشعر الجميل من حيث الصورة الشعرية والخيال، وجودة اللفظ وصدق العاطفة وغيرها من المعايير التي تجعل هذا النص أجمل من نظيره، وهذا الأسلوب أحسن من غيره.
أما في الدراسات الغربية فقد حظي مفهوم الشعرية عند الشكلانيين الروس باهتمام كبير، وما يتعلق به من قضايا الأدبية، حيث أكدوا أن موضوع الأدب ليس هو الأدب بعينه لكن الأدبية، أي ما يجعل من الأدب أدبا، ويتعلق الأمر بالكثير من القضايا منها الإيقاع والجمالية والفنية والصورة الشعرية والتغريب وغيرها.
وقد تساءل الكثير من الباحثين إذا ما كان هذا المصطلح حكرا على الشعر دون النثر، وقد تبين لهم أن الشعرية ترتبط أيضا بخصائص فنية تجعل من النص جميلا متفردا سواء كان نثرا أم شعرا، وإن كان الأمر يعد مقبولا من حيث المبدأ ، إلا أننا قد نؤثر لفظ الشاعرية على الشعرية إذا ما تعلق الأمر بالجانب الفني الجمالي لكل النصوص الأدبية على اختلاف أجناسها.
وفي الأحوال كلها فإن هذا المصطلح قد يتسع ليشمل نظرية بعينها تتصل بالكثير من الطروحات النقدية والأدبية..
وإذا عدنا إلى مصطلح الانزياح، فإننا نجد أنه من صميم اهتمامات الأسلوبية التي تبحث في تفرد النصوص وتميز أساليبها ، والانزياح كمصطلح نقدي يعني اجتناب الكاتب للمألوف من الصنعة وخرق أفق انتظار القارئ كما يصطلح عليه ياوس في نظرية التلقي، فكلما كان هناك ابتكار وتجديد وإبداع في تأليف النص حقق النص جمالية وتفردا في الأسلوب والفنية.
وهذا ما سنركز عليه في هذه القراءة المقتضبة لهذا النص الذي يظهر مبدئيا أنه يتميز بالكثير من الخرق واللعب على مستوى التأليف.

*شعرية الانزياح في النص:
**التناظر البنيوي وأسطرة الحكاية:.

في هذه القصيدة انزياح عن كثير من المعايير المألوفة في تأليف الشعر، فقد اخترق الشّاعر كل حجب الخيال في تناصه مع قصة الوجود البشري على الأرض، من خلال جعل المكون التراثي يتجلى عكسيا في النص المتعالي على الواقع، الذي يعكس فلسفة الحضور والغياب، ويضعنا الشاعر أمام هذا التعالي ابتداءعندما يختار عنونة تنفتح على آفاق من الإعجاز، “نبوءة” مؤنث نكرة مفرد، من دلالته التنبؤ بأحداث غريبة واستشرافها، لكن نبوءة الشاعر تتحقق فعلا
في النص من خلال اللغة، بوصفها تعبيرا على المخيلة الجوالة بين الذات والموضوع ومايستنبطه الوعي من حقائق الكون والحياة، وهذه هي العلاقة بين العنونة والنص.
وبالعودة للمتن نجد غرائبية في السرد، وصور شعرية مكثفة ترقى للمقدس والمؤسطر والعجائبي، حيث ينفتح النص على تحقق النبوءة ليضع القارئ في مسار الحكاية ويجعل الأحداث تتوالى وتتنامى، محققا عنصري التشويق والإثارة يقول:
“وروحك التي تتوق للسماء.
تحققت رغم البلاء.
وجئت من دياجير الظلام للضياء.
مبارك هذا الجسد.”
ويحدث على هذا المستوى تناظر بين البنية اللغوية وبين تحقق النبوءة، فالروح تتحقق في الجسد و اللغة تتجسد في النص من خلال خصائص لغوية تتناغم مع السياق، فمن ذلك أن يجمع الكاتب بين ثنائيات ضدية: الجسد و الروح، الضياء والظلام، القريب و البعيد، فتنة ورحمة، المقابر والعمار، وغيرها من الثنائيات.
وكذلك من خلال التصرف في النص التراثي وقلبه، فعندما بشر الله سبحانه وتعالى بجعل خليفة في الأرض، تحققت قطعا بخلقه لآدم عليه السلام ، وكانت الرحلة من الآخرة إلى الدنيا، فآدم عليه السلام وحواء قد ابتليا بالخروج من الجنة، والمجيئ إلى الأرض، لكن الشاعر يبدع كل الإبداع عندما يقدم لنا سردا غرائبيا تغريبيا يجعل الرحلة رحلة تحول من الدنيا إلى الآخرة،
فتلك النبوءة تحققت أيضا وصار لها جسدا بعدما كانت روحا فقط، وينخرط الشاعر في الوعي الجمعي مستندا لمكتسباته القبلية في أسطرة القصة، فيقدم لنا أوصافا تدل على الخرق والتعظيم، يقول:
“لولاه ما كان الحسد.
ولا استعان في عظام الساق بالشرائح.
ظل جميلا في مفارق الدروب،
ولكم تحمل العجائب.
عظامه قوية تفتت المطارق.
وثنيات لحمه جوع لكل طارق.
يموج كالجياد بالمعارك.
وإن غوي وجاد بالرحيق
والأطايب.
حمي الصراخ في غياهب الصفاء”
يصور لنا الشاعر أن هذا الجسد قوي جدا في عظامه الحسد، وعظامه قوية تفتت المطارق، وأنه تحمل العجائب…. . هذه الأوصاف الجسدية للشخصية الشعرية تستند في تشكيلها على طريقة الوعي الجماعي في أسطرة الشخصيات كما نجدها في الملاحم والأساطير القديمة، وهنا يضفي على الشخصية نوعا من القداسة وكذلك الحكاية.
ويغتني النص بجمالية المؤسطر والخيالي عبر اللغة التي هي أداة للتعبير، ووسيلة للتحقق فالحدث ظاهريا خيالي لا يتحقق إلا في واقع اللغة .
لكننا نعلم أن هذه النبوءة قد تحققت في وعي الكاتب وخياله قبل أن تتجسد في اللغة كما تحققت من قبل في فعل التنبؤ قبل أن تتحقق في الواقع الشعري..
وهذا التناظر الإبداعي سمة من سمات الجمالية في النص الشعري وعلامة فارقة في شعريته…

**الأبعاد الدلالية للقصيدة:
القصيدة مترابطة دلاليا وعضويا، فهي تدور حول النبوءة التي تحققت، كما أنها تنسج أحداثها من خلال السرد، وتتشكل الصور هرميا وتتصاعد مع نمو الحدث، لكنها تنفتح على القارئ بآفاق واسعة للتأويل، وهو ما يمنح النص شعرية وجمالية، إن للقارئ أن يسأل سؤالا جوهريا من هي هذه المرأة ؟ومن الذي تنبأ بقدومها وهي في غياهب العدم؟
لكن قبل ذلك له أن يسأل من هو الشاعر؟ ماذا يريد من هذا النص الخرافي؟
وكثير من الأسئلة، فالنص ملغم بالدلالات ، يعتنق اللغة الشعرية العميقة ذات الظلال الموحية المنسابة مع آفاق كل قارئ،
ويطرح هذا النص إشكالية الأحادية/الثنائية الدلالية، أو بالمعنى الآخر جدلية: التفسير/التأويل/القراءة
لا شك أن النص قد بني وفق ما يعرف باللغة النحوية، أو اللغة المابعد بنيوية التي تعتمد الكلمة بوصفها فعل إنتاج المعنى وليس منطوقا يهدف إلى إيصال المعنى متمركزا على العقل الذي يحيلنا للدلالة الأصل، ومن ثمة فإنه من الطبيعي أن يقترح لنا النص أبعادا من الدلالات والمعاني، ولكل قارئ الحق في أن يصول ويجول في النص انطلاقا من تجاربه السابقة في تلقي النص وتفسيره دون أن يتجاوز الخطوط والحدود المكهربة ، التي تكون خارج نطاق المعنى الكلي للنص .فالدلالة في النص محكومة دائما بمفاتيح وشفرات يزرعها الشاعر في نص لتوجيه القارئ للمعنى..
و نجد في النص إشارات هلامية لبعض الدلالات ، ومنها ما جاء في نهاية القصيدة قوله:”
هي فتنة للعاشقين ورحمة للمتعبين.
وتعودت رغم البلاء علي الصراط المستقيم.
والآن غطت شعرها من حسنها،
وبغت دروب العابرين.
بغت دروب العابرين”
ففي قوله هي فتنة ورحمة، ينفتح على المطلق من المعنى، وقد تكون هذه المرأة هي فتنة الدنيا وقد تكون فتنة العصر ، وربما فتنة الشهوة وحب النعم، وقد تكون رمزا للفتن السياسية ولكنها في الأحوال كلها ليس امرأة عادية وليست مجرد نبوءة، ودليل ذلك أن النص يعول كثيرا على المزاوجة بين ضمير الغائب”هي”في مقابل ضمير الجماعة الغائب”هم” كما في قوله” هي ،غطت، بغت، حسنها،….” و”العابرين، العاشقين، المعذبين، المتعبين،…” ولا نعثر أبدا على ضمير المتكلم أبدا في النص ما يجعل السارد غائبا عن الحدث وشاهدا عليه في الآن نفسه، وربما تكون هناك مرة واحدة يخاطب فيها السارد الفتنة في قوله في مطلع القصيدة”
وروحك التي تتوق للسماء.
تحققت رغم البلاء.
وجئت من دياجير الظلام للضياء”
هذا التصرف في الخطاب يحقق فلسفة الحضور والغياب في النص، فالسارد يحضر في أول القصيدة ثم يغيب ثم يعاود الظهور مقنعا في قوله:
” والآن غطت شعرها من حسنها،
وبغت دروب العابرين.
بغت دروب العابرين”
فالآنية تستلزم الحضور لا الغياب، لكن يجدر بنا التنويه أيضا إلى أن ذلك الغياب لم يكن كليا حتى من قبل هذا ، لأنه قد كان حاضرا في الضمير الجمعي “هم” فضلا أنه كان يتمظهر في السرد الذي يشكل جسد النص، ونحن نعلم أن السرد أداة للتمظهر والحلول وصناعة الذات وإعلاءها وليس العكس.
ويمنح هذا النص إيماءة إلى أن هناك حالتين للذات الساردة :اندغامها في الذات الجماعية و شمولية هذه النبوءة أي الفتنة، وطابع الشمولية يعطينا دلالة أن هذه الأسطرة ليست إلا طرحا لوقائع يرى فيها الشاعر استوعابها لكل الوجود…
وأن ذاته القلقة تبحث عن ذاتها ليس بعيدا عن الجماعة بل داخلها، من منطلق أن فهم الكل يفسر الجزء وليس العكس، وأن الصراع الحاصل في النص هو صراع عام منفتح شامل …
كما أن فكرة التحول في حد ذاتها ترميز لعلاقة الذات بما يحدث حولها من أحداث ومظاهر، وليس التحول ربما إلا رغبة للتغيير وتعارض معه في الآن نفسه…
وختاما أقول إن هذا النص ثري جدا من حيث شعرية صورها وجماليتها وعمقها الدلالي والفني وينفتح على تجربة شعرية تتغدى على المطلق والمنسرح ،وليس على الخاص والمحدد..فلا حدود تحكمها ولا قيود إلا عناصر القصة فقط…
وأبارك للشاعر أحمد البحيري على هذه الرائعة الشعرية التي أبحرت بي في عوالم الغياب والخرافة والمقدس والعجائبي والرمزي والتراثي ، كما تميزت بجمالية الإيقاع وجزالة اللفظ على بساطته وحسن السبك…
وأتمنى له التوفيق في مسيرته الإبداعية.

*الكاتبة: عقيلة مراجي

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق