قراءات ودراسات

قراءة في الاستشراق الكامن والظّاهر()

د. عريب محمّد عيد

حاول إدوارد سعيد في الفصل الأوّل من كتابه الاستشراق الإشارة إلى مجال الفكر والعقل في كلمة الاستشراق، مبيّنًا نمطين من التّجارب الفرنسيّة والبريطانيّة للشّرق الأدنى والإسلام والعرب، ولاحظ علاقة حميمة بين الغرب والشّرق، وإن كان حسًا بالتّصادم بينهما، مقيّدًا بمفهوم الحدود الفاصلة بينهما، والمسافة بين القوّة والدّونية، والتّقسيم التّمثيليّ والجغرافيّ عاشه الغربيّون لقرون عدة.
وتحدّث عن مرحلة الاستشراق الحديث الّذي بدأت من القسم الأخير من القرن (18)، والسّنوات الأولى من القرن (19)، مبينًا ظهور الاستشراق وتطوّره ومؤسساته لقرون عدة.
ويرى أنّ الاستشراق يمتلك هويّة تراكميّة وجماعيّة، ذات قوّة في ضوء ارتباطه بالمعرفة التّقليديّة (الدّراسات الكلاسيكيّة، الكتاب المقدّس، وفقه اللّغة) وبالمؤسّسات العامّة (الحكومات، الجمعيات الجغرافية والجامعات) وبالكتابة الّتي تنتمي إلى كتب الرّحلات وكتب الاستكشاف.
وبين أنّ الاستشراق نظام قاد الشّرق إلى مجال المعرفة الغربيّة، وهو نتاج لقوى سياسيّة معيّنة، وهو مدرسة للتّفسير مادّتها الشّرق بحضارته وشعوبه وأقاليمه المحليّة.
والمؤشّر الحاسم قوّة الغرب، فلا مجال لمقارنة حركة الغربيّين شرقًا منذ نهاية ق(18) مع حركة الشّرقيّين غربًا؛ فالجيوش وموظفي القنصليّات والتّجار والحملات العلميّة وعلم الآثار دائمًا تتّجه إلى الشّرق، بينما عدد المسافرين من الشّرق إلى أوروبا بين الأعوام (1800 ــ 1900م) نزر يسير، كما أنّ عدد الكتب الّتي تتعلّق بالشّرق الأدنى ستون ألف كتاب، كتبت بين الأعوام (1800 ــ 1950م) في الغرب، وليس ثمّة ما يقارب هذا العدد من الكتب الشّرقيّة في الغرب.
كما لا توازن بين الشّرق والغرب في القرون 16 -18، وقد سيطر الإسلام على كلّ من الشّرق والغرب، ثم انتقل مركز القوّة باتّجاه الغرب، وفي أواخر القرن العشرين، ويبدو أنّ هذا المركز يوجّه نفسه من جديد عائدًا باتّجاه الشّرق.
فالاستشراق الكامن حصيلة الاكتشافات والرّحلات والمشاهدات والتّرجمات عن الشّرق وهي إيجابيّة وثابتة باتّجاه الشّرق. وأمّا الاستشراق الظّاهر، فالآراء المعبّر عنها عن المجتمع واللّغات والآداب والتّاريخ وعلم الاجتماع الشّرقيّة وهي قابلة للتّغيير.
وقد كانت قضية التّمييز العرقيّ بين الشّرق والغرب بادية، لأن الشّرق متخلف ويحتاج إلى دراسة وتقويم من قبل الغرب، وهذه حقيقة ثانية في الاستشراق الكامن، ودعمها غياب الشّرق الفعليّ.

موقف الاستشراق والمستشرقين من الشّرق:
لقد عاين الاستشراق المجتمع الكلّيّ من ناحية جنسويّة، بالنّظرة إلى الذّكر الشّرقيّ، مشيرًا إلى أنّ النّساء عادة مخلوقات غبيّات ومخلوقات لقوّة استيهاميّة لدى الذّكر. وهاجم بعضهم الإسلام بعنف مثل “ليوبولد رانكه”، و”جاكوب بيركهارت”، فقد تحدّث “رانكه” في كتابه (تاريخ العالم) عن الإسلام واصفًا هزيمته أمام الشّعوب الجرمانيّة الرّومانيّة. وغولد تسهير وونكن بلاك ماكدونلد.
إنّ غياب الشّرق شبه الكليّ في الثّقافة الغربيّة المعاصرة كقوّة ساهم في تشكيل فكرة سلبيّة عن الشّرق؛ وتحوّل الاستشراق في نهاية القرن (19) من شكله الكلاسيكيّ إلى مشروع أوروبيّ ثقافيّ سياسيّ ضخم، وتحوّل الوعي الأوروبيّ للشّرق من كونه نصيًا وتأمليًا إلى كونه إداريًا واقتصاديًا وعسكريًا، وقد توزعت كلّ من بريطانيا وفرنسا الشّرق بخططهما الاستعماريّة.
ويشير سعيد إلى أنّ الفرق بين الاستشراق الفرنسيّ والاستشراق الإنجليزيّ فرقًا أسلوبيًا. ويبين طريقتين رئيسيتيّن أسلم بهما الاستشراق الشّرق إلى الغرب في أوائل القرن العشرين:
الأولى: طريق مقدّرات النّشر الّتي يمتلكها التّعليم الحديث والجامعات والجمعيّات والمنظّمات الجغرافيّة والاستكشافيّة وصناعة النّشر (وهو ما يسمّيه الاستشراق الكامن الّذي ينقل به جيلٌ عن جيل جزءًا من الثّقافة).
الثّانية: تحدّث المستشرقون لعقود عن الشّرق وترجمة النّصوص وتفسير الحضارات والأديان والسّلالات والثّقافات كمواضيع جامعيّة، فكان المستشرق خبيرًا مثل “ساسي” و”رينان”، وظيفته تفسير الشّرق وترجمته لأبناء قومه.

دنيوية الاستشراق:
يؤكّد حقيقة في القرون المميّزة بين العروق والحضارات واللّغات كانت جذريّة، فقد نقل المستشرقون أو الرّجال البيض إحساسًا بالمسافة غير القابلة للتّقليص بينها. ويرى “رينان” أنّ السّاميّين مثال على التّطور المعاق، ففي عرف المستشرق ليس هناك من ساميّ حديث قادر على أن ينفلت خارج إطار المطالب المنظّمة الّتي تفرضها عليه أصوله؛ فهو لا يستطيع أن يتفلّت من بيئته الرّعويّة والصّحراويّة، وقد تحدّث عن رؤية “سميث” للإسلام من منطق معاينة الرّجل الأبيض، فبدا ناقدًا للدّين، ومتهمًا الدّين بالغطاء الّذي يستخدمه المسلمون، وهم مراؤون ومنافقون في رأيه.
ودراسة اليهود والمسلمين هما موضوعان للدّراسة الاستشراقيّة، وهما حجر الزّاوية في الاستشراق الحديث.
وما يهم المستشرق أن يبقى الشّرق تحت سيطرة الرّجل الأبيض، فالمستشرق الوسيط البريطانيّ أثناء الحرب العالميّة الأولى وبعدها مثل: “لورنس”، و”بل ستورز”، و”فيلبي”، قد لعب دورين معًا: دور الخبير المغامر، والثاني دور السّلطة الاستعماريّة الّتي تمثّل موقعًا ومركزًا، والمثلان الأكثر شهرة هما “لورنس” مع الهاشميين و”فيلبي” مع آل سعود.
ويقول لقد تحوّل علم الاستشراق الّذي كانت وظيفته الأدائيّة في ثقافة القرن التّاسع عشر أن يعيد إلى أوروبا جزءًا ضائعًا من الإنسانيّة، إلى أداة للسّياسة في القرن العشرين.

تأثير الاستشراق في الآداب الشّرقية والغربيّة:
يرى “جبّ” أنّ تأثير الأدب الشّرقيّ على الأدب الغربيّ يدلّ على مجابهة الشّرق كتمدّد إنسانيّ النّزعة للحدود المحليّة الضّيقة للمركزيّة العرقيّة الغربيّة.
ويشير إدوارد سعيد إلى أنّ أفضل الأعمال الاستشراقيّة خلال المدّة ما بين الحربين العالميتين متمثّلة في نتاج “ماسينون” و”جب”، وعملهما الضّخم كأفضل ما قدم من الدّراسات الإنسانيّة في هذه المدّة.
وقد ولد “جب” في مصر و”ماسينون” في فرنسا، وقد كرّس الثّاني حياته لأعمال الحلاج، وقد اهتم “جب” بـ “والتر سكوت” مصدرًا لدراسة صلاح الدّين.
كتب “جب” كتابه (الإسلام إلى أين؟) عام 1932م، كانت مهمّته أن يقيم الإسلام بوصفه الحاضر وسبيله المستقبليّ، وثمّة نبوءة قائمة في إفراد “جب” للصّهاينة والمارونيّين المسيحيّين عن بيئة المجتمعات العرقيّة في العالم الإسلاميّ.
فـ “جب” و”ماسينون” أنتجا صفحات تختصر تاريخ الكتابة الاستشراقيّة في الغرب، وتقوم على الكتاب في الشّرق بمقالات وكتب بحثيّة من نهاية الحرب العالميّة الأولى إلى أوائل السّتينات.

المرحلة الأخيرة:
تحدث عن العربيّ الّذي يحتلّ قيمة سلبيّة، فهو يعاين كمخرب لوجود إسرائيل والغرب، مبيّنًا العداء بين اليهود والمسلمين والحقائق المشوّهة عن الدّين والعروبة.
ولقد ورثت أمريكا الموقع نفسه الّذي أخذته كلّ من فرنسا وبريطانيا، فقد قام بعض الدّارسين للاهوت والكتاب المقدّس بدراسة اللّغات الكتابيّة، وأشار إلى قلّة الدّراسات الأمريكيّة للشّرق الأدنى في الاستشراق.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق