ثقافة المقال

من ألبير كامو إلى ماريا كازارس (الرسالة رقم3 و4) *

ترجمة: سعيد بوخليط

الثلاثاء الرابعة زوالا،4 يونيو 1944 .
*عزيزتي،
أخطُّ إليكِ هذه السطور من وسط حديقة،وأنا محاط بأفراد الجماعة الصغيرة لأسرة غاليمار،بعضهم يقرأ والبعض الثاني نائم أو مستلق تحت خيوط الشمس.يرتدي جميعنا سراويل قصيرة وقمصان خفيفة،فالطقس شديد الحرارة، والأزهار منكمشة تحت أشعة الشمس.
لقد كتبوا إليكِ البارحة،وأفترض أنهم أرادوا إخباركِ بتفاصيل رحلتهم وكذا حيثيات مختلف ماهو جوهري بخصوص استقرارنا هنا.نقضي يوميات حياة بسيطة وجد هادئة،لذلك عثرت بالكاد ثانية على توازني وقد انتشلت نفسي من الضجيج والغضب.طيلة البارحة،كنت متوترا،معكر المزاج،وعاجزا عن القيام بأي فعل أو صياغة كلمة محبوبة.مع ذلك اشتغلت كثيرا وإن بكيفية سيئة، منزويا وغير آبه بالمغادرة إلى خارج المنزل.أفكر فيكِ بحزن،مفتقدا الابتهاج الذي أحسه دائما بجواركِ.مرة واحدة فقط، تحديدا في حدود الساعة السادسة مساء،مشيت خطوات معينة وسط الحديقة.كان الجو لطيفا،مع هبوب ريح ناعمة،دقت ساعة الكنيسة ست مرات.إنها لحظة،عشقتها دائما وأحببتها بالأمس معكِ.
منذ قليل،أمدوني برسالة جديدة منكِ،ولا أجد كلمات مناسبة تعبر عن امتناني لكِ.ثم يسكنني في نهاية المطاف أمل حقيقي كي أراكِ هنا.أفترض بأنكِ ستتخلين عن بلاط ملكي.ستنتهي الحرب شهر شتنبر، ولا يمكننا فعل أي شيء ذي أهمية حتى ذلك الحين.هيا،تعالي،واتركي مختلف مالديكِ.فأنا أيضا يشغلني هاجس تعبكِ.هنا،على الأقل،تنعمين بالراحة.من المهم عندما نعشق،أن نتمكن من ممارسة ذلك بأجسام مستريحة وسعيدة.
آه !جيد جدا أن مسرحكِ متوقف عن العمل حاليا.يمكنكِ استئناف مختلف أنشطتكِ فيما بعد.لكن حاليا،مثلما ستلاحظين حقا،تتهيأ أمامنا جل المعطيات حتى نعثر مرة أخرى على وقت للعشق.أنا أيضا،تجولت طيلة البارحة،تحت سطوة الجزع الذي أخبرتكِ به سابقا.لم أحلم بكِ،لم تكوني في الصين،لكني أشعر فقط بهذا الفقدان،وهذا الظل،مثل نبع مفقود (فجأة).أجدني جافا وعقيما،عاجزا عن المبادرة نحو أي اندفاع أو حب.غير أني في الواقع بقيت مترقبا رسالتكِ وراهنا استعدت ثانية كل شيء، الحضور والينبوع، ثم وجهكِ أخيرا.آه! عزيزتي،عودي سريعا جدا ثم سينتهي كل هذا.أشعر حاليا بكل القوة اللازمة قصد التغلب على أي أمر يمكنه الفصل بيننا. فلتأت، إذن، ولتجلسي قٌبالتي، امنحيني يدكِ،لا تتركيني وحيدا.أنتظركِ، واثقا وسعيدا آنيا وأحبكِ بكل روحي.
إلى اللقاء، ماريا، أقبِّل مٌحيَّاكِ العزيز.

*الخميس الرابعة زوالا،6 يوليوز 1944 :
ماريا صغيرتي،
تسلمت منذ قليل رسالتكِ ليومي الاثنين والثلاثاء.لقد وصلت في وقتها المناسب.منذ ثمان وأربعين ساعة، اكتسحني فتور .أشعر بالوحدة، وغريبا حتى عن المحيطين بي،أشبه قليلا بكلب سيئ.أنسحب إلى غرفتي بدافع مبرر الاشتغال، وأحيانا أبادر إلى فعل ذلك، بنوع من الخنق، أما الوقت المتبقي فأقضيه مشيا طولا وعرضا وأنا أدخن السجائر التي بقيت في حوزتي.بالتالي،ليس الوضع على مايرام تماما.مع ذلك،فالقرية جميلة وهادئة.غير أن قلبي في حاجة إلى هدوئه،وإن افتقد حقا لذلك دائما.
أنا بعيد عن كل شيء، واجباتي كإنسان، مهنتي، ومحروم أيضا من التي أعشقها.سياق يبعث في نفسي الاضطراب. أتشوق لقدومكِ.لكن يبدو أنه تطلع لن يتحقق سوى خلال الأسبوع المقبل.إذن !…
آه !عزيزتي،لا تعتقدي أبدا أني غير مستوعب للوضع.يبدو كل شيء أكثر صعوبة بالنسبة إليكِ، وأعلم مدى قيامكِ حاليا بجل ما تستطيعين القيام به.الحقيقة المتأتية لي خلال الأيام الصعبة التي قضيناها معا، تمثلت في ثقتي بكِ.لقد ساورني الريب غالبا وغير متأكد من انتمائي إلى هذا الحب الذي يمكنه أن يخطئ ذاته.منذئذ،لا أعلم ماذا وقع، لكن هناك وميض، انساب شيء ما بيننا، ربما نظرة، وأحس حاليا دائما بهذا المعطى،الصلب مثل الروح،الذي يصل بيننا ويوحدنا.أنتظركِ إذن بهيام وثقة.لقد قضيتُ شهورا في غاية الصعوبة،والتوتر،وتوخيت أن لا أنهك عصبيا،بحيث أصبحت أجد صعوبة كي أتحمل بكيفية مقبولة ماكان بوسعي التصدي له سابقا بأريحية .ليس مهمَّا،سأتجاوز ذلك.أنا سعيد لمضمون الأخبار التي تلقيتها منكِ.قولي إلى جين ومارسيل بأني أفكر فيهما وأضمر لهما مودة فكري.
سعدت حينما أخذت علما أن لون جسدكِ اكتسته سحنة سمراء مُذَهبة اللون.كوني جميلة، ابتسمي، ولا تتنازلي.أريدكِ سعيدة.لم تتصفي قط ببهاء أكثر من تلك الليلة التي أخبرتني أثناءها بأنك سعيدة(هل تذكرين بصحبة صديقتك).أعشقكِ بطرق عدة،لكن أساسا من خلال مُحيَّا الغبطة وكذا روعة تلك الحياة التي أثارتني دائما.أنا لم أُخلق كي أعشق في الحلم،بل على الأقل أدري كيفية تمييز الحياة التي تتضمنه،وأعتقد بأني اكتشفت يومه الأول،فوق رأسي،وأنت تحدثيني عن بذلة ديردر Deirdre،ولاأدري كيف لعشق أن يكون مستحيلا.
لاتضفي اهتماما مبالغا فيه على همومي.مصدر شقائي كوني سأنتظركِ قرابة أسبوع.لكن لايهم هذا، بل يكمن الأساسي… (1)عبرت عنه أيضا بكيفية سيئة جدا،إذن فلننتظر قليلا.
السماء ملبدة ثم بدأ المطر يهطل.لاأكره هذا المناخ بيد أن تفكيري يتجه غالبا صوب النور الذي لايمكنني الاستغناء عنه.يلزمنا الذهاب معا إلى بروفانسProvence في انتظار زيارة باقي المناطق الأخرى العزيزة على قلبينا.
إلى اللقاء،ماريا الرائعة والمتوهجة،يظهر أنه بوسعي تنضيد عدد كبير من النعوت على هذا المنوال.أفكر فيكِ باستمرار وأحبكِ بكل جوارحي.تعالي بسرعة،لاتتركيني كثيرا وحيدا صحبة أفكاري.أحتاج إلى حضوركِ المتوقد وذاك الجسد الذي ينتظرني في أكثر الأحيان.
إذن،كما ترين،أبسط لكِ يداي،فتعالي أمامي،بأقصى سرعة ممكنة.
أقبِّلكِ بكل ما أوتيت من قوة.

المصدر :
Albert Camus/MariaCasarés :correspondance (1944-1959) ;Gallimard ;2017
هامش= (1) :الجملة غير تامة كما وردت في سياق الرسالة الأصلية.
http://saidboukhlet.com

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق