حوارات المجلة

الأديبة السودانية آن الصافي للمجلة الثقافية الجزائرية: ما نعيشه في الواقع ثمرة ما زرع في الأمس ليس إلا، سواء كان جيداً أم سيئاً..

الحوار مع آن الصافي يطرح أسئلة جوهرية ويفتح الباب على نقاش فكري هادف وعميق وجاد.. هي مبدعة سودانية صنعت بصمتها الإبداعية المتفردة في كتابات ترفض التكرار والتقوقع ولا تعترف بالحدود ولا بالهزيمة بل بالإنسان وأدوات العصر الراهن.. ضيفتنا حاصلة على بكالوريوس هندسة كمبيوتر، إعلامية، محاضرة ومُدربة في مجال الإدارة والتنمية البشرية.. تخرجت من أكاديمية الشعر بأبو ظبي وقدمت منتجاً إبداعياً مميزاً، في رصيدها الإبداعي كتاب من جزأين بعنوان (الكتابة للمستقبل)، وعدة روايات مزجت بين الخيال الأدبي والقضايا الفكرية بتقنيات سردية مبتكرة ومنها: (فُلك الغواية، توالي، قافية الراوي، كما روح، إنه هو..) المجلة الثقافية الجزائرية حاولت فتح نوافذها الفكرية والإبداعية، فكان لنا هذا الحوار:
حاورتها: باسمة حامد

مشروعي مؤسس بشكل آمل أن يضع بصمة لدى المتلقي..

المجلة الثقافية الجزائرية: الكلمة سرّ الكاتب، فثمة من يكتب دفاعاً عن العلاقات الإنسانية وثمة من يكتب ليقوم بدور إصلاحي في المجتمع.. ما سرّك مع الكلمة؟ ولماذا تكتبين خصوصاً وأن البعض قد يتساءل عن وفرة المنتج الإبداعي وتنوعه لدى آن الصافي؟
آن الصافي:
للحرف قدسية وللكلمة ممالك، أرى الحياة عبر الكلمة. دخلت للمشهد الثقافي بمشروع وهو مؤسس عبر سنوات مضت ومازال، حصيلة الكثير من القراءات والدراسات والبحث والقناعات. إن كان هناك أثر يستطيع أن يتركه الإنسان فليحاول أن يكون هذا الأثر يشهد له وليس عليه. هكذا رأينا الحضارات السابقة كيف أرخت ثقافتها عبر الإبداع سواء بالحرف أو الرمز أو الرسم. وجدت ونحن في العقد الثاني من الألفية الثالثة ومع أدوات عصر جديدة دخلت حياة الإنسان وأساليب ونمط للاتصال والتنقل مع وجود تطبيقات التواصل الذكية والقنوات الإعلامية وانتشار الصحافة ونشوء الكثير من المدن الكوزموبوليتان (الحاوية/الحاضنة للثقافات المتنوعة) كل ذلك مع توفر مع ما يسمى بعالم المعرفة وآلية ميسرة لتداولها وتنقلها وحفظها. من ضمن هذه المعرفة حيز كبير يحمل مواضيعاً وأخباراً عن العلوم التطبيقية والإنسانية الآن ينتشر لجميع الناس في ذات اللحظة خبر إرسال قمر صناعي أو نتائج البحث عن طاقات بديلة في قاع المحيطات وفي الكون من حولنا عبر الفضاء الخارجي. نحن اليوم نستطيع أن نتعرف على ما تنتجه مراكز الأبحاث وتتوصل إليه بالشكل والكم الذي يرغبون في وصوله للعامة من تكوين المادة الأولية للمخلوقات وحتى اكتشافات ما يدور في المجرات حولنا واستخدامات النانو تكنولوجي والعملات الرقمية ودخولها لأسواق الأسهم وما ينتظر من استخدامها وانتشارها.. كل ذلك وأكثر من الطبيعي أن يؤثر في نظرتنا لذاواتنا ورؤانا لما حولنا وبالتالي كل هذا يغير في مسار المجتمعات مثال: كان قبل عقود قلة الورقة والقلم أدوات الكاتب في مصلحة حكومية، الآن يفضل دائماً الحاسوب والموظف الذي يجيد استخدامه، ومن ثم أتت فكرة وتطبيق ما يسمى بالحكومة الذكية. إذن السرد في هذه الحالة عالم به من الخصوبة ما يجعل الكتابة عن الواقع والمتخيل يفتح مدايات متنوعة وواسعة بشكل مدهش لمن يشاء ويفهم قيمة الإبداع وأثره. مجملاً، مشروعي مؤسس بشكل آمل أن يضع بصمة لدى المتلقي بالشكل الذي قد يتوافق وقوالبه في التعاطي مع السرد، ومن ثم إن حدث ورأى ما هو مجدي ويلفت الانتباه فهذا إضافة تزيد المشروع مسؤولية أكبر مع كل خطوة.

التنوع الثقافي من أسباب قوة مجتمعاتنا..

المجلة الثقافية الجزائرية: الكثير من الأقليات وجدت مكاناً لها داخل التاريخ بفضل مبدعيها.. ما الهدف الذي تسعين إليه كمبدعة مهتمة بأدب الأقليات؟
آن الصافي:
نحن في إقليم به تنوع ثقافي بديع كما في كثير من دول العالم، في الوقت الراهن للأسف بعض الأصوات مغيبة لأسباب غير موضوعية. اللحظة التي نوقن فيها بأن التنوع الثقافي من أسباب قوة مجتمعاتنا ستتغير الرؤية لبعضنا البعض وتعاطينا مع الإبداع سيحقق قفزة حقيقية. بنظرة لواقع الإبداع الآن في المشهد الثقافي هناك فئات بعينها تجد من يدعم وقوفها في المقدمة والبعض يهمش بشكل تحسبه غير موجود ضمن فئات المجتمعات. إن ترك الرجل الأوربي الهندي الأحمر في أمريكا يعبر عن نفسه ويتحدث عن ثقافته من منظوره وتناوله المبدع الأمريكي في أعماله بشكل إنساني واعي سيحدث ذلك طفرة في السرد الأمريكي، وهذه المسألة استُفيد منها عبر أدب أمريكا اللاتينية الذي وصل صيته للعالم أجمع لاحتفائه بأقلياته وبخصوصيته هناك. في وطني -على سبيل المثال- السودان يوجد لدينا قبائل لديها ثقافات خاصة وغنية بكل ما هو مميز وأصيل إن فتح لها الباب لإظهار الإبداع الحقيقي هناك لربما حقق ذلك نقلة حقيقية في الأدب السوداني على نطاق الإقليم أجمع وربما للعالم بأكمله. وهذا ينطبق على الكثير من الأقليات بدولنا في الخارطة الثقافية، فلتسلط الأضواء ودراسة تفرد كل منها وما يمكن أن يقدم في قوالب إبداعية تحتفي بإنسان المكان ليحقق ما يحسب لهذا الإقليم.

(بلاد الهنا) وبلاد (الهناك)..

المجلة الثقافية الجزائرية: كونك طرحتِ سؤال الهوية في (قافية الراوي) دعيني أسألك كمبدعة وإنسانة: هل تنظرين إلى اللغة على أساس أنها المحدد الوحيد والأهم للهوية الثقافية؟
آن الصافي:
اللغة ركن رئيسي من أركان الثقافة بلا شك، استحضر الآن مثل تركي فيما معناه (لغة واحدة تعني إنسان واحد ولغتين تعني إنسانين). قافية الراوي تحدثت عبرها عن الحياة في المدن (الكوزموبوليتان) مجتمعات متعايشة بثقافات متنوعة في مكان واحد. بعضنا يهاجر هجرة مؤقتة سواء طوعاً أو قسراً وهناك من يعتبر هذا الوطن بما قد يعتبر وطن بديل أسميت دول الهنا وهي تشمل دول المهجر المؤقت، كالتي في وضعي بدول الخليج، وماذا بعد ذلك؟ كثير من المغتربين هنا يفكرون في هذه المعضلة، العودة للدول الأصل أو الاستمرار في دول الاغتراب (بلاد الهنا) أم المغادرة إلى دول تحمل ثقافات مغايرة وبيئات جديدة تماماً (دول الهناك) والحصول على الهوية الورقية والحياة هناك بديمومة ما أمكن. ضمن الرواية تناولت قدر المستطاع الجوانب التي تشكل ما قد نسميه هوية، مثال: لدى الأسر التي تتكون من والدين من بيئات متشابهة أو مختلفة ويرزقون بصغار في بلاد الهناك، ماذا يعني بعضنا حين يطالب بأن يحافظوا على ثقافتهم؟ أي ثقافة تُقصد؟ هذه بعض الاستفهامات التي تدور في عقول الكثيرين منا بعضنا يكتفي بطرحها على نفسه وعلى آخرين والبعض يصمت ويواصل كما تشتهي الرياح والسفن.
نجد في بعض الدول لغات تخصّ بعض الأقليات وهم يجيدون لغات سائدة أخرى للتواصل مع من حولهم كل هذا يشمله مفهوم كلمة هوية. لننظر للقضية من زاوية أخرى ما هو التعريف الدقيق لكلمات مثل (ثقافة) و(هوية) لكل فرد منا ولكل مجتمع؟! أي فرد وأي مجتمع؟!
نجد الآن هناك تواصلات تتم بين أناس في العالم الافتراضي لا يجيدون لغة بعضهم البعض ولكن يتم بينهم التواصل عبر ترجمان تقني ذكي، يتبادلون الأحاديث والنكات ويتفكرون في قضاياهم بشكل جدي، ليس هذا فحسب، فالإنسان عبر تاريخ البشرية بدأ في تدوين ما يدور في ذهنه معبراً عن الأحداث التي تدور حوله عبر الرسم، ومن ثم الرمز، وبعد ذلك الحرف والكتابة حتى عهد قريب، ومن ثم الآن يمكننا أن نحكي قصة في رسمة (ايموجي) أو نضع علامة في الطريق (ممنوع) أو على باب في متجر رمز أو علامة تجارية رسمة أو صورة صغيرة ، أي أننا في عصرنا الحالي عدنا بكامل إرادتنا وطوعاً لاستخدام الرسم والرمز لنعبر عن أفكارنا. كل ذلك يصب أين: الهوية أم الثقافة؟ أم كلاهما أم شيء آخر؟! بالتالي هل نحتاج لإعادة تعريفات كلاً من الهوية والثقافة؟!

توظيف الواقع والمتخيل..

المجلة الثقافية الجزائرية: ما لفتني أن رواياتك تمزج بين الواقع والخيال بأسلوب سردي مميز لا يخلو من التشويق والجماليات اللغوية والمضامين الإنسانية النبيلة.. لماذا هذا المزج؟ هروب من الواقع؟ أم خروج عليه وعلى الرداءة المتفشية فيه بكثرة؟!
آن الصافي:
السرد يتسع لحقول من الأساليب الإبداعية في توظيف الواقع والمتخيل، عني أؤمن بأن أترك للخيال والفكر أن يحلقا كما يشاءان المهم أن يتحقق التشويق والأصالة في العمل مع خدمة قضية ما. لننظر للأمر معاً: هل حياتنا الآن جميلة؟ أو هل هي كما نتمنى؟ هذه التساؤلات لا أنتظر إجابة لها بكل تأكيد. الماضي تسبب في كل ما نحن عليه الآن في الواقع والزمن الحاضر ونحن في مقام المسؤولية فيما سنقدمه لأجيال الغد. هل في هذا أي عنصر للمفاجأة؟! قليل من التفكر وقراءات للواقع تجعلنا نوقن بأهمية قراءات المقدمات التي نتج عنها الواقع، وبالتالي نستخلص الكثير من الدروس. بما أن الإنسان هو الكائن الوحيد (حتى اللحظة) يمكنه التفكير والتخطيط والتنفيذ والتغيير وبالتالي اتخاذ القرار فلم لا يكون قرارنا أن نبني ما قد يكون فيه جدوى لواقعنا وغدنا بشكل موضوعي ما أمكن؟ هذه الجزئية في الحقيقة تعبر عن مفهوم الاستدامة في التنمية والثقافة وكل ما فيه (كما هو مفترض) خير الإنسان ومجتمعه والبيئة الآن ودائماً.

الاستسلام انهزام..

المجلة الثقافية الجزائرية: من يقرأ نصوصك يلاحظ أنك تصرّين على فكرة التسامح الإنساني وإدانة الإرهاب ونبذ التفرقة والتمييز.. فهل مازال الرهان على ثقافة السلام في بلادنا ممكناً وسطَ ما يحدث فيها من صراعات مسلحة وتجاذبات طائفية ومذهبية وسياسية حادة؟
آن الصافي:
الحضارة الإنسانية عبر التاريخ مرت بمراحل متنوعة وما يحدث الآن بإقليمنا نموذج قد يكون مكرّر لتجارب سابقة فقط مقدم الآن بقوالب ربما مختلفة، عموماً، في الحقيقة ما نراه الآن ونعيشه في الواقع ثمرة ما زرع في الأمس ليس إلا، سواء كان جيداً أم سيئاً.
الاستسلام انهزام، وما يفعله الفكر والثقافة عبر الإبداع إن توجه بالشكل الموائم لهذه المرحلة واعياً بقيمة الموروث وما تحمله الفلسفة الإنسانية وما يتوصل له العلم وكيف يمكن تسخيره لخدمة البشرية من البديهي أن تكون النتيجة مختلفة تماماً من أن تنتهج آلية البكاء على الماضي والدوران حول ثالوث التابوه بذات الأساليب العقيمة المكررة. نعم البناء ممكن وكل يستطيع أن يقدم أفضل ما لديه، قد تكون النتائج مباشرة الآن وقد تكون بعد مضي وقت، المهم أن لا تسقط إنسانيتنا بكامل إرادتنا!

الباب مفتوح للجميع للتلقّي.

المجلة الثقافية الجزائرية: ما يبدو مثيراً للانتباه أن أعمالك تتضمن نظريات اقتصادية وتفسيرات علمية وفيزيائية وفلسفية قد تبدو متعارضة مع المفاهيم المتداولة خاصة أثناء الحديث عن: (الأمواج الثقالية، معادلة الكون، نظرية المباراة، نظرية مجتمع التداخل..إلخ).. إلى أي درجة تعولين على ذكاء القارئ لاستيعاب رسالتك الإبداعية؟
آن الصافي:
كما ذكرت، نحن الآن على الرغم من تخلف الكثير من دولنا عن التطور في توفير أبسط متطلبات الحياة اليومية بدءاً من توفير البنية التحتية التي تحقق حياة كريمة للشعوب نجد انتشار استخدامات الهواتف الذكية، وتوفر الشاشات العارضة للأخبار والمواضيع التي تدور محلياً وعالمياً، أي توفر سيل من المعرفة مع يسر الحصول عليها وتداولها وتخزينها. من يستوعب هذا الكم الهائل من المعلومات؟ من يحفظ ويحلل هذه المعلومات؟
كم منا له حسابات عبر تطبيقات التواصل؟ كل تطبيق له عوالمه وآليته وفي زمن وجيز يمكن التنقل بين هذه الحسابات والقراءة والمشاهدة وجمع المعلومة والنقاش حولها والتفاعل مع آخرين حول جدواها ومعرفة الآراء المتشكلة حولها؟؟
إذاً، ومن ضمن المعروض ما أكتبه لمن يشاء من أي فئة عمرية.
ألا نقرأ ونشاهد قصصاً وروايات مكتوبة بلغات غير لغتنا العربية أو مترجمة للعربية وتحمل في طياتها مواضيع علمية حقيقية أو متخيلة؟؟
ما الضير أن تكون لغة الكتابة الأصل إذاً بالعربية ومن كاتب يجيدها من هذا الإقليم؟!

المجلة الثقافية الجزائرية: وهل تتعمدين التفرد بخط سردي خاص بك؟ أم أن ثقافتك المتنوعة بين العلم والأدب تظهر بشكل عفوي في السرد؟
آن الصافي:
توظيف كل ما يحقق الأصالة في الفكرة وتقنية السرد وكل ما يتعلق بتفاصيل النص هدف حقيقي نحو الابتكار وتجنب التكرار ما أمكن. الأدب الحقيقي كما أرتأيه أن يعبر عن عقلية عاشت هذه الحقبة الزمكانية وتفكرت في الماضي وحلقت في عوالم المستقبل وعليه فكل الحقول مباحة للنهل منها. هناك مفهوم في الغرب يعترف بما يسمى (تطور الرواية) والذي يحاربه البعض وخصوصاً لدينا في إقليمنا ببساطة أجد ذلك نوع من التعنت غير المجدي، فكلما زادت ثقافة الإنسان وتنوع في التلقي وتعمق في العلوم الإنسانية سيدرك أن السرد يجب أن يتطور وأن يقدم ما يعبر عن عقلية القارئ والمتلقي بما يوافق عوالم وبيئة وأدوات كل عصر. هناك مفهوم أن يحتوي النص على الثقافتان وهي (العلمية والأدبية ) وليس هذا فحسب بل يجب أن يكون في الوقت الراهن تحديداً يحتوي على ال3 ثقافات ( العلمية والأدبية والتقنيات الذكية وعوالمها) وهذا ما أجده مقنعاً جداً ويوافق ذلك ما أكتبه معبراً عن ما تشربنا به من معرفة ومفاهيم تترجم سمات عصرنا هذا وما يستقرأ وعوالم المستقبل. ما الضير في ذلك أن يكون مقدماً عبر السرد؟؟ لا يعني أبداً محاربة من يكتبون بالشكل التقليدي المألوف فهناك قراء توافق ذائقتهم هذه النوعية من التكرار والنمطية المعهودة، لا ضير كل ما في الأمر هذا خط جديد ابتكرته ونسجت نهجه عبر رواياتي وأوراقي الفكرية الثقافية التي قدمتها في كتاب (الكتابة للمستقبل) بأجزائه المنشورة.

التغيير الإيجابي ممكن..

المجلة الثقافية الجزائرية: معظم روايتك تحثّ على المعرفة وتنادي للعمل بمبدأ الاستدامة في الثقافة.. لكن كما تعلمين في بلادنا العربية تم احتواء كل مفردات الثقافة في أشكال مهرجانية شكلية جوفاء.. برأيك ما دور المثقف لخلق حالة ثقافية حضارية بنّاءة ومحفزة على التغيير الإيجابي؟
آن الصافي:
التغيير الإيجابي ممكن، فلتكن هذه جملة البداية لانطلاقة نحو تساؤل: ما هي قدراتنا وما هي طاقاتنا؟ إن سجل نجاح لأناس عاشوا في إقليمنا مسبقاً كيف حدث لهم هذا؟ ماذا كان سبب نجاحهم؟ الصدفة قد تصنع النجاح لعمل ما ولكن الموهبة والتمرس والمواصلة يصنعان الاستدامة ويضمنان التفوق. أليس كذلك؟!
الذي يدور في المشهد الثقافي حالياً لدينا أياً كان مسماه فهو يعبر عن هذه المرحلة والتي قد يتبخر بعدها ما هو غير مجدي ويستمر ما يثبت جودته. الكيف هو شغلنا الشاغل وليس الكم هذه القناعة كثيرين يؤمنون بها من المهتمين بالمشهد الثقافي. البقاء للأصلح هذه سنة الحياة، هناك محاولات جادة وجيدة ومستمرة بهدوء وتطرح ثمارها من وقت لآخر يمكن مراقبتها وتشجيعها والحديث معها وعنها وتقديمها ودعمها بكل السبل المتاحة. لا يعني أبداً نجاح كاتب فشل كتّاب آخرين والجوائز لا تصنع مبدعاً، القارئ الآن صعب أن يُخدع، وتقديم نص رديء على أنه الأفضل سيحرق النص وربما كاتبه مع الوقت، لذا من الكياسة التعاطي مع النصوص والنقد وتبادل الآراء والإيمان بمسؤولية الكلمة، فهي قد تبني حضارة وقد تحطم حضارة.

يجب أن لا تتوقف المحاولات في الكتابة والقراءة

المجلة الثقافية الجزائرية: في الختام أود أن أسألك عن دوافعك لدخول عالم الأطفال: هل هذا التوجه جزء من طموحك الإبداعي في صياغة منتج أدبي مستقبلي ينتمي لأدب (بعد ما بعد الحداثة)؟ أم أنها مجرد محاولة لكتابة مغايرة تنأى بأجيال المستقبل عن الكتابات الساذجة؟ وهل يمكن التعويل على النص الأدبي في عصر الاتصالات والرقميات؟
آن الصافي:
أكثر من 50% من سكان إقليمنا هم من الفئة العمرية التي تقل عن 25 عام. أي لدينا أجيال ناشئة تتفاعل مع ما يدور في العالم من حولها بشكل قد لا يجيد بعضنا استيعابه ولكنها بحق أجيال تستحق الاهتمام والرعاية بالشكل الذي يوجه طاقاتها نحو خيرها وخير مجتمعاتها، هذه الفئة من الأجيال تقرأ وتشاهد ما يأتيها من دول أخرى وبكثافة سواء بلغات أجنبية أو مترجمة من ناحية أخرى ماذا قدم كتّابنا لهم عبر السرد؟ هل ما يشبع شغفهم ويتناول قضاياهم بشكل موضوعي وهادف؟
نعم هناك محاولات ولكن لأي مدى نجحت أو وافقت تطلعاتهم؟
في السينما العالمية يحمل النص الأدبي عبر السيناريو والشخوص وتخرج أعمال في قوالب تتناسب مع عقلية المتلقي عموماً وهذه الفئة العمرية على وجه الخصوص لذا تقدم أيضاً في ألعاب الكترونية ومنتجات متنوعة تعبر عن شخوص النص. في إقليمنا ماذا قدمنا؟!
هل نصوص شكسبير ذبلت مع الوقت؟ هل قصص الأساطير في الأدب العالمي محقت من ذاكرة القراء وكسدت كتبها؟! هل انتهى عهد النص الأدبي الذي أياً كان نوعه نموذج: المتخيل العلمي والفانتازيا وعلم النفس والاجتماعي والرومانسي…هل انطفأ بريق كل ذلك الآن أو أي مرحلة سابقة؟
طالما أن هناك نص جيد يمتاز بالإبداع والأصالة ويحمل فكر هادف وتقنيات مبتكرة وتحترم عقلية أجيال اليوم والغد سيتحقق النجاح بمشيئة الله، عموماً وفي كل المراحل يجب أن لا تتوقف المحاولات في الكتابة والقراءة على حد سواء فهناك دوماً ما يمكن اكتشافه وتسخيره في صنع الأصالة ورسم الدهشة.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق