ثقافة السرد

سماسرة الطماطم

 الهادي الحاج عبد القادر

في كل صيف ، تستقبل القرية موسم جني الطماطم وهو المنتوج الأكثر دخلا لأهاليها والأكثر تعبا ومشقة وقهرا وتعاسة واحتقارا وكل أنواع الحالات التي تصيب المعذبين في الأرض .
وذات يوم ، دخلت صدفة الى مقهى تعج بالفلاحين والعملة والناقلين والوسطاء والسماسرة بدم الفلاح مهما كانت فصيلته ، مقهى وانا بها نكرة الا النادر ربما ، تقع وسط الحقول ومزارع الطماطم أين تدار صفقات مص دماء المعذبين في الأرض لصالح قروش الميدان المفترسة والتي لا يقوى عليها الا الخالق…وليس لهؤلاء المعذبين من فرج أو سلوى الا غطسة في البحر لغسل همومهم و إغراق تعبهم وأحزانهم والشفاء من جروحهم النفسية والجسدية …الحمد لله على نعمة البحر فهو مشفى للغلابة.
هذا المقهى أتاح لي مشاهدة قافلة معذبي الأرض في موسم جني الطماطم ، ورصد أوجاعهم…وشعرت أني أتفرج على حرب تدار بعنف وأنا أشاهد عشرات الوجوه الذابلة المتألمة.
كنت بهذا المقهى أراقب وأطارد مآسي المزارعين وهمومهم وصراخهم و سهومهم وهمسهم وحمرة أعينهم وسعالهم المتواصل من التدخين المضر وآهاتهم من الآلام وضحكاتهم من كثرة الهم…التي جعلت أعصابي متوفزة ، متحفزة ، شرسة كالحقد ، …
كما كنت أشاهد الوجوه المحمرة للسماسرة المسقية والمضمّخة بدم هؤلاء المجاهدين الضعفاء ، رأيتهم كيف يتفننون في الكذب والمماطلة وتبجيل المعارف والأقارب في نقل الحمولات…وللمنتوج خاصية تنزل على رقبة الفلاح كالسيف وهي سرعة التعفن وفقدانه الوزن عند الحرارة ، وقد صرف الكثير من الأموال للمبيدات واليد العاملة والبذور وغير ذلك من المصاريف الثابتة والمتغيرة، ويريد جني المحصول وتوصيله في أقرب ساعة ممكنة .
مهنة السمسرة والوساطة في منتوج الطماطم بين الفلاح والمصنع متوارثة أبا عن جد ، تراهم يحلفون باستمرار بأن لا يمتهنوا هذه المهنة القذرة في المستقبل ، هم لا يعتمرون ولا يحجون رغم أموالهم الطائلة ، ولما الحج والعمرة وهم يدركون أتم الإدراك أنهم سيعودون الى ارتكاب الذنوب ومليء الجيوب ، هم يراهنون على استمرارهم في الحياة وفي معايشة الكذب ، تجد الكذب في كل مجلس يجلسونه وفي كل جملة ينطقونها ، يثرثرون باستمرار والكل يعرف أن الثرثرة ملحها الكذب ، دمهم مخلوط بالكذب ولو يتم تحليله في أذكى مخابر التحليل لاكتشفوه ولطلعت النتيجة إيجابية .
في يوم من أيام الصّابة ، كان المقهى يعج بالفلاحين في الصباح الباكر ، يحتسون القهوة ويتجاذبون الحديث حول الصابة وجني المحصول ويبحثون عن اليد العاملة وربما المساعدة من الجيران والأهل بما يملكون من عتاد وجرارات ويتبادلون الأفكار والحيل، كما تراهم أيضا يتوسلون الى الوسطاء بأن يسعفوهم بالشاحنات الكبيرة لنقل منتوجاتهم قبل فوات الأوان ، دخل أحد الوسطاء يدعى ” بدرة البرحوح” ، وهو شخص له باع وذراع في السمسرة والوساطة في أهم المنتوجات الفلاحية للقرية وهي الطماطم والفلفل وفي المواد والأسمدة والمشاتل وقنوات توزيع المياه وحتى المواد المتصلة بالبناء وغيرها من المواد الحديدية ولا يترك شاردة ولا واردة الا وتاجر فيها على حساب دم المزارعين ولا يعطيهم أموالا الا نادرا ، فانطلق صوت أحد المزارعين :
– ” يخلف عالبسكولة يا طحانة ”
أجاب آخر :
– ويل للمطففين…
– ” البسكولة رجعت البعابيص أسياد يا حبيبي ”
– ” أيام قحبة ، الكل من سكات الفلاحة الخوافة ”
رد ثالث :
– الدولة هي السبب ، هي من تركت هؤلاء مصاصي الدماء يرتعون بلا رقيب ولا حسيب ، أصبحوا من الأثرياء في يوم وليلة .
أضاف الثاني :
– وأين ” الفيسك ” ؟ لماذا لا تنقض عليهم مصالح الضرائب ؟ هم يشترون عقارات كل سنة بمئات آلاف الدنانير دون أن يقامروا برأس مال !!!
– وهل مصالح الضرائب ملائكة ؟
– فعلا الكل يضحك علينا بمصطلحات الحوكمة والشفافية والعدالة الإجتماعية ومقاومة الفساد وغيرها من مصطلحات المسرح الحكومي يا صاحبي .

جاء مزارع آخر وجلس على الكرسي ، أرخى أعضاءه متأملا بدرة البرحوح وكانه يتلذذ ما يرى على وجهه من حمرة وذل ، قطرات العرق التي انفلتت من على جبينه ، انكساره وتلعثمه وارتباكه وهو يتكلم لمن حوله ، عدم تركيزه في الحديث وكأنه يريد أن يفلت من هذه اللحظة أو أن تبلعه الأرض فيختفي تماما…فهو جبان ولا يستطيع المواجهة ، يكفي أن تهدده بشيء ما ، توجه له سهام أكل عرق المزارعين، تطعنه بسكين الصراحة والمواجهة…ولكن هذا النوع من البشر لا يشعر بالذنب ابدا ، وليس لهم ضمائر تحكي معهم وتتتحاور حول شرعية التجارة التي يعتاشون منها ويصبحون أثرياء دون ان يقدموا مقابل لذلك ، ضمائرهم ماتت بل شرعت لهم كل أفعالهم المشينة واقتنعوا أن كل ما يفتكونه من حساب المزارعين هو حقهم ومقابل بهلونة وفهلونة الوساطة و اللسان اللبق وقدرتهم العجيبة على تنويم المزارعين البسطاء والضعفاء والذين لا حيلة لهم ، ضمائرهم أصبحت بمثابة الشيطان الشخصي الذي يلقنهم الدروس وحتى ملاك الخير قد مات ولم يعد هناك صراع بينه وبين الشيطان ، فقد بقي هذا الأخير وحده يلعب ويمرح في ساحة الشر . منذ القدم ، كانت البسكولة في حوزة القروش الصغيرة تفعل بها ما تشاء ، تعدلها وفق رغباتها ، لا تخضع لمعايير التقييس والوزن ولا يشترط الحصول على شهادة المطابقة …لهم ألاعيبهم في الميزان وكيف يخفى عليهم ذلك وهم حيتان ، يسندونها بحجر في زاوية من الزوايا فتفعل فعلها المشين الذي بعث من أجله شعيب ، كما أن الحيتان تأكل من بعضها البعض وفق مقياس الضعف والقوة ، فالصغار تأكل مما يتركه الكبار لهم من فتات وشوائب بعد الاستفراد بالجزء الأوفر من الفريسة ، هم لا يريدون الشقاء في الفتات والشوائب ، الوقت من أثمن ما يكون عندهم لاصطياد الفرائس الثمينة… حتى القروش الصغيرة تشغل قروشا أخرى في الحضانة ، تتعلم وتتمدرس على الأكل السريع والالتهام وتتدرب عليه وتبتكر من يوم لآخر طرقا جديدة للإفتراس واللهف…فالمحاسب الذي يصدر الفواتير متمكن من نقاط ضعف المراقبة الجبائية فهو لا يسجل البيانات الأساسية على الفواتير ، بين القروش الصغيرة ( الوسطاء ) والكبيرة ( مصانع التحويل ) هناك فواتير جملية أخرى لا يراها الفلاحون وهي بكميات أكبر من مجموع ما سلم للمزارعين ، بالإضافة الى النسبة المأوية المتفق عليها بين القروش الكبيرة والصغيرة تحتسب من جملة الكميات المسلمة.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق