ثقافة السرد

مولد ثائر

هدى المشالى*

فتح عينيه بصعوبة ونظر إلي السقف فوجد دائرة ضوئية كبيرة تشع ضوءا قويا وكأنها قرص الشمس , أغمض عينيه في انزعاج من شدة الضوء , ثم عاود النظر حوله فوجد أشباحا ترتدي ملابس بيضاء , شعر بدوار خفيف ورؤية ضبابية لما حوله .
حاول رفع رأسه ولكنه فشل وشعر بان رأسه قد علق به ثقل كبير , قيده استرخاء حاد في جميع أعضائه منعه من الحركة ,
سمع صوت خطوات متزنة تقترب منه , اقترب الشبح منه وامسك بيده , واخذ ينظر إلي ساعة يده ثم همس له حمدا لله علي سلامتك .
حدق به جيدا وتذكر انه الطبيب الذي اجري له عملية استخراج الرصاصة , نعم الرصاصة التي أصابته , لقد بدأ بالفعل استرجاع ما حدث وكأنه شريط سينمائي يمر أمام عينيه , نظر إلي السقف وداعبت الأنوار الشديدة عينيه وكأنها أنارت مصباح الذاكرة شرد في خيوط الضوء المنبعث ولم يكن يريد أن يتحدث أو يفكر أو يبدي أية ردة فعل . الصمت حرز الحيران , والصمت حديث الملائكة , اخذ التشويش يزداد في خاطره , وصارت جنادب من أصوات لا يميزها تداعب خبايا ذهنه ! .
لم يكن سكوتا ولا تشويشا كاملا … كان شبيها بكل هذه المسميات وليس شيئا واحدا بالتحديد !! هاجمته رغبة قوية في الصراخ عندما تذكر الألم الذي شعر به أثناء دخول الرصاصة إلي جسده كانت لحظة قاسية قصيرة ولكنها استقرت في أعماق نفسه لتترك ورائها ذكري أليمه لأحداث ما كان يعتقد أنها سوف تمر به , كيف حدث هذا ؟ ! كيف اختطفته هذه الجموع الغفيرة من الناس ؟ كيف قادته خطواته إلي هذا المنعطف الجديد المثير ؟
لقد نزل من بيته فى طريقه الى عمله وهو مدرس ابتدائى منغلق على نفسه إلي حد ما , تسير حياته بشكل روتيني من المدرسة الى الدروس الخصوصية فى منزله الى صديقه وزميله فى المدرسة مصطفي وجاره الرجل العجوز العم صادق الذي يضعه دائما في جدوله اليومي يزوره يوميا ويأنس لكلامه ويستريح عندما يبوح له عما يجول في خاطره ولكن هذا اليوم كان مختلفا , الأعداد كبيرة من الناس تملا شارع المدرسة بل والشوارع المجاورة , وقف برهة ينظر إلي هذه الجموع في تعجب أن هذه الجموع تضم كل فئات المجتمع , التفت إلي طريقة وتابع سيره , ولكن فجاه . شعر بيد قوية علي كتفه تمسكه بقوة وتوقفه , شعر وكأنه شخص مقبوض عليه , التفت بانتباه وحذر , ابتسم عندما رآه وقال : لقد أفزعتني يا مصطفي . ضحك صديقه بصوت عالي وقال : إلي أين أيها المعلم الفاضل نظر إليه بدهشة وقال : بالطبع إلي المدرسة , ولكن امسك مصطفي بيده وسار في وسط الناس وهو يقول : الم تشارك فيما يحدث ؟
قال : وهل سيتغير مشاركتي مجريات الأحداث ؟ اتركني اذهب إلي عملي أفيد , رد صديقه عليه : لتذهب معي لتعرف وتشاهد وفي النهاية القرار لك , وسار الصديقان إلي الميدان الفسيح في وسط هتافات الناس التي تعلو شيئا فشيئا حتى أصبحت مرتفعة وقوية جدا , وكأنها تملا الكون بأكمله , شعر برجفة في قلبه وهو يسمع هذه الأصوات الهاتفة , واجتذبه منظر ولد صغير يهتف بقوة وهو ممتطي كتف والده , وعندما رآه الولد وهو ينظر إليه لوح له مع ابتسامه بريئة , وفي وسط الزحام الشديد , وجد الكل يفسح طريق لكرسي متحرك تجلس عليه سيدة مسنة , ويقود الكرسي من الخلف ابنتها , وبالرغم من مرض هذه السيدة المسنة إلا أنها كانت تهتف بصوت قوي عريض وكأنما لمستها روائح الصبا , وأخذت الجموع في ازدياد مستمر حتى انه شعر بأنفاس الثوار الساخنة تدفأ جسده النحيف , تدافعت الجموع في ثوره حماسية خلف ثائر كان يهتف والكل يردد هتافه , اندفع مع من اندفع , ولكنه وقع علي ركبتيه من شدة التدافع والغريب انه وجد اجساد هؤلاء الناس تلتصق به وتساعده على النهوض برغم تدافعهم ووجد نفسه يسير محشورا في وسط هذه الجموع التي ساقته في اتجاهها , شعر باطمئنان شديد جعله لا يقاوم أو يحاول الخروج ليعود إلي الطريق الذي رسمه لنفسه دائما , الطريق الآمن البعيد كل البعد عن المخاطر , وشعر بقوة تملا كيانه , قوة قد استمدها من شرارة الحماس التي تملا قلوب وكلمات هؤلاء الجموع مضي وقت طويل وهو يقف مع من يقف , يستمع مرة , ويتكلم مرة حتى شعر انه لبنه من هذا الكيان البشري المتجمع الذي يشبه البنيان المتماسك , لقد ارتبط بمن حوله برابطة قوية , ووجد الكل يجتمع علي كلمة واحدة الكل أتي من اجل هدم جسور الظلم والطغيان , ليعيش الجميع في كرامة وحرية , ولعلاج جسد هذا الوطن من بثور الفساد المتقيح , شعر بشعور خفي يتسلل إلي أعماقه يوقظ ذلك المارد الثائر الذي طالما حاول إخماده , وفجاه .. وجد من حوله يسرع لإنقاذ المصابين من جراء الاعتداء عليهم لردعهم وإخماد نار الثورة في قلوبهم , ولكن تجمع الكل في شكل بركان ثائر لأبعاد المعتدين وحماية المصابين , ووجد صديقه المعروف عنه بهدوء الطبع يثور ويهتف بصوت أشبه بالصراخ , ويتقدم مع فلول الشباب الثائر , علت الطلقات النارية وأصبح صوتها يثير الذعر والصراخ وتشتت لهذه الجموع الكبيرة ,
جري مسرعا صوب صديقه لإبعاده عن أي خطر , ولكنه وجده يرمح في اتجاه المعتدين وكأنه أسرع حصان علي وجه الكرة الأرضية , ولكن يد الغدر كانت الأقرب إلي صديقه , جري مسرعا إليه احتضنه ووضع رأسه بين كفيه , انهمرت الدموع من عينيه لتلهب شواطئ شفتيه , نظر مصطفي إلي صديقه نظره دامعة وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة بصعوبة متكتما أناته بين الضلوع , وأعطاه العلم الصغير الذي كان يحمله , وشدد علي يده وكأنه يسلمه شعلة الجهاد والثورة ., اندفع بعفوية وحماس ليكمل ما بدأه صديقه , اخذ يجري وهو قابض علي العلم والدموع تملا عينيه ويكاد يري إمامه , إلي أن أصابته الرصاصات الملوثة ليقع عائما من الدماء , شعر باهتزاز الأشياء ودورانها من حوله وألهبته سخونة الأرض وكأنها كانت هي الاخري ثائرة , وسيقان تتخطي جسده مسرعة وكأنه وقع في غابة من السيقان , حتى غاب عن الوعي تماما , ثم سمع صوت العم صادق جاره الذي أعاده من رحلة ذكرياته الشاردة قائلا : حمد لله علي سلامتك يا بني , ثم ربت علي يده في حنان كان قد استطاع أن يحرك يده ويتكلم ولكن بصوت خفيض , نظر إلي العم صادق وهو يمسك بيده قائلا : إن لحظه صادقه في حياة الإنسان قادرة علي تغيره وولادته من جديد , ولقد ولدت من رحم الإحداث ثائرا ولكني لن أكون إلا الثائر الحق .

*كاتبة مصرية

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق