قراءات ودراسات

إضاءات نقدية بلاغية في قراءة النص الأدبي

Liturgical criticism in reading the literary text

د. عاصم زاهي مفلح العطروز

إضاءات نقدية بلاغية في قراءة النص الأدبي
في بحث قدمته ذات عام من أعوام دراساتي العليا، وكان عنوانه: البديع والبيان في شعر أبي تمام، قدّمت له بما أقتطف منه، فأقول: ما ضجرتُ يوماً من أسلوب تدريس مادة كما ضجرتُ من أساليب تدريس مادة البلاغة، إن في المدرسة، أو في دراستي الجامعية الأولى. فقد كانت أساليب جافة ميتة مميتة لا ماء فيها ولا رواء، ولا حلاوة لها ولا طلاوة عليها؛ إذ كان الهدف منها قصراً على معرفة نوع البيان؛ من التشبيه، أو الاستعارة، أو الكناية، أو لون البديع في هذا المثال أو ذاك.
إن العمل الأدبي شعراً كان أم نثراً هو روضة غنّاء، أو غادة حسناء. وإن من يدرس البلاغة على غير هذا كمن يغمض عينيه عن كل مظاهر الروعة والحسن والجمال والبهاء، فلا يهمه من الغانية أو الزهرة سوى معرفة اسم هذه أو نوع تلك؟!. أنا لا يهمني معرفة نوع هذه الزهرة الزهرة، أو اسم تلك الخريدة الزهراء، بقدر ما يهمني أن أسرّح الطرف، وأسرّي الخاطر في بديع ألوانها، وتناسق أجزائها، وفي قطرة الطل تتلألأ فوقها رقراقة كدموع العاشقين، وفي تلك النحلة التي ترشف رحيقها لتصنع منه شفاء للناس. وأن أسرّح الطرف، وأسُرّ القلب، وأمتّع النفس، وأبهج الوجدان، باستجلاء هذا الرواء، وشم ذيّاك العبير، وتنسم هذاك الشذى. فأين من ينظر في بيت أبي تمام:
بيضُ الصَّفائحِ لا سودُ الصَّحائفِ في

مُتُونِهنَّ جلاءُ الشَّك والريَبِ
فيجعل قصارى جهده أن يقول: إن في البيت طباقاً في قوليه: (بيض) و (سود)، كما أن فيه جناساً ناقصاً بين: (الصفائح) و (الصحائف)، دون التفات إلى الجو العام الذي قيلت فيه القصيدة، ولا مراعاة للحالة النفسية التي كان فيها الشاعر، وهما ما أملى عليه قول ما قال.
وأين من ينظر في بيت كعب بن زهير:
هَيفاءُ مُقبلةً عجزاءُ مُدبرةً

لا يُشتكى قِصَرٌ مِنها ولا طُولُ
فيجعل غاية همة أن يقول: إن في البيت مقابلة بين قوليه: (هيفاء مقبلة) و (عجزاء مدبرة)، كما أن فيه طباقاً بين قوله: (قصر) و (طول)؟!.
أين هذا ممن يقول: إن الشاعر مغرم بالحسن متيم بالجمال، فهو يتتبع مظاهره حيث تكون، بل بحيث يجب أن تكون، فيتبع عينيه قلبه، ويتبع قلبه عينيه، ويتبعهما الجمال معاً، فيستجليان مظاهره حيث تروق له؛ فهو يستحسن الهيف هنا، ويستلذ الاكتناز هناك؛ ولذلك تراه قابل بين الأمرين وفرق بين الحالين. ثم هو لا يريد لفتاته أن تكون قصيرة قططة، ولا طويلة مترددة. فأورد الضدين دالاً على أنه يحب خير الأمور. مغان جلاها الشاعر بهذه الطباقات تترى، يفصل كل مغنى عن الآخر فاصل هو مغنى لمغنى.
إن مَثل الأستاذ وتلاميذه، والعمل الأدبي في هذا، كمثل من أتى بوردة زاهية ألوانها، عبق شذاها، وهو يريدهم أن يغمضوا أجفانهم عن آيات جمالها، ويسدوا أنوفهم عن تنسم عبقها، وأن يكتفوا فقط بمعرفة نوعها.
وإن عدم إيلاء أولئك الدارسين والمدرسين للحالة النفسية للأديب والشاعر وما تستحقه من عناية وتستأهله من اهتمام جعلهم لا يلتفتون إلى انتقاء الشاعر أو الأديب لألفاظه؟! فصار سواء عندهم قوله: (ظعنتْ)، وقوله: (رحلتْ)، وقوله: (بانتْ)؟!. مع أن لكل لفظ من هذه الألفاظ معنى ودلالة تختلف عن الأخرى؛ فالشاعر ينتقي منها ما وافق حالته النفسية.
ولقد ذكر النابغة في معلقته الدالية ما أوحى الله به إلى نبيّة سليمان -على نبيّنا وعليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم- في شأن الجنّ وتسخيرهم في بناء تدمر:
فَمَنْ أطاعَكَ فانفعهُ بِطاعتهِ

كما أطاعكَ وادلـلهُ على الرَّشَدِ
ومَنْ عَصاكَ فَعَاقبهُ مُعاقَبَةً

تَنهَى الظَّلومَ ولا تَقعُدْ على ضَمَدِ
فهو إذ ذكر فريقاً من الجنّ؛ وهم المطيعون الممثلون للأمر، وما ينبغي أن يجزوا به على طاعتهم، استدعى ذكرهم ذكر الفريق الآخر؛ فريق العصاة المتمرّدين، وكيف تكون عاقبة عصيانهم؛ فكانت هذه المقابلة التي استدعى فيها ذكر الشيء ذكر ما يقابله. إنها مستلزَم تمام المعنى، ومقتضى بيان الحكم، فلا حشواً من لفظ، ولا فضلة من كلام .
ولأتناول في هذه العجالة عنصراً من عناصر الصورة في العمل الأدبي ممهداً للتمثيل به على ما أقول؛ ذلكم هو عنصر اللون. ولأتناول لونين متقابلين طالما ذكرهما الأدباء والشعراء؛ وهما البياض والسواد.
ومعروف أن البياض قد اتخذ -في الغالب– رمز الجمال والبهجة والانشراح والأمل والتفاؤل والحب. واتخذ نقيضه السواد رمزاً لنقيض ما سلف من القبح والحزن واليأس والكره. ولا يغيبنّ عن الذهن أن هذه وتلك المشاعر الإنسانية تملك أحدهما أو بعضهما أو كلها أحاسيس الأديب ومشاعره، فضمنها عمله الأدبي، ونقلها إلينا فأحسسنا به إحساساً موازياً لإحساسه، صدق مشاعر أو قوة سبك. ولنتناول هذين اللونين في بيت أبي تمام الذي سبق ذكره:
بيضُ الصَّفائحِ لا سودُ الصَّحائفِ في

مُتُونِهنَّ جلاءُ الشَّك والريَبِ
معلوم أن الشاعر كان في مقام التمهيد للحديث عن فتح عمورية، وذكر ما كان من موقف المنجمين المتخاذلين المخذلين وأدواتهم؛ من كتب الفلك والنجوم والهرف بعلم الغيب. وموقف الجند الأبطال وعدتهم من السيوف والبسالة والعزائم. وكان هو مع هؤلاء، لا مع أولئك. وهو لذلك لون كتب التنجم بالسواد؛ بغضاً وتحقيراً ، ولّون السيوف بالبياض؛ رمز أمل، وجلاء مضاء.
وهب أن قائل القصيدة كان أحد المنجمين، بل هب أبا تمام -على ما أوتي من براعة– كان منهم فعكس التلوين؛ فألصق البياض بالصحائف، والسواد بالصفائح، أترى أن عمله هذا كان في مثل هذا المقام مغنياً عنه شيئاً؛ فجاعلاً السامع أو القارئ يكبر الصحائف ويقدمها، ويحتقر السيوف وينبذها؟!، أم تراه سيستنكر هذا القول وينبذ قائله ويقليه؟.
إن السامع أو القارئ وقد التقت في هذا المقام وهذا الموقف مشاعره بمشاعر أبي تمام، وأحاسيسه بأحاسيسه، وعواطفه بعواطفه قد أكبر الشاعر مع إكباره السيوف، وأحب معها البياض، واحتقر معه المنجمين وكتبهم، ونفر معهم من السواد.
ولنتناول أحد اللونين فيما نسب إلى المجنون:
لقد لامني في حب ليلى أقاربي

أبي وابن عمي وابن خالي وخاليا
يقولون سوداء الجبين دميمـة

ولولا ســـواد المسك ما كان غاليا
فهل غدا السواد في هذا المقام رمزاً للتشاؤم والنفور والبغض؟!، أم تراه غدا رمزاً للقيمة العالية والثمن الثمين؟. ولنر اللونين معاً يمتزجان في القصيدة (اليتيمة) :
فَالوَجهُ مثل الصُبحِ مبيضٌّ

والشَّعر مِثلَ الليلِ مُسـودُّ
ضِدّانِ لما استجمعا حســــنا

وَالضِدُّ يُظهِرُ حُسنَهُ الضِدُّ
أترى السواد هنا رمزاً على ما ذكرت آنفاً. أم ترى هذين اللونين المتقابلين قد امتزجا فأكمل أحدهما الآخر؛ فجعل السامع أو القارئ يحب ذاك كما أحب هذا؟.
ومعلوم أن الشاعر الشاعر الجاهلي لم يكن يتكلف البديع وغيره من ضروب الصناعة اللفظية، بل كان شعره يأتي وحي سليقة، وإلهام سجية، وإملاء طبع. فإن أتى بشيء من البديع فإنه يأتي به في مكانه، فينتقي الألفاظ ويضعها في موضعها الذي يقتضيه مقام المقال. ولننظر في هذا البيت للنابغة الذبياني:
حدبتْ عليّ بطونُ ضِنّةَ كلُها

إنْ ظالِماً فيهم وإنْ مَظلُومَا
فنقول في دراسته –على عادة من ذكرت من الدارسين-: إن في البيت مطابقة في قوليه: (ظالما) و(مظلوماً). ولكننا نزيد عليه فنقول: لو كان قائل البيت شاعراً غير النابغة، أو كان النابغة وقد قاله في مقام غير هذا المقام، أفلم يكن في مكنته أن يقول: حدبت عليه بطون ضنة، وأفاضوا عليه من فرط سخائهم… أو: حدبت عليه بطون ضنة فآووه بعد تشرد، وآمنوه بعد خوف، وأغنوه بعد فاقة…؟. ولو شئت لنظمت هذا المعنى شعرا، فقلت:
حدبتْ عليّ بطونُ ضنةَ بعد أن

قد كنت قبلُ مضيّعاً محروما
فلمَ عدل النابغة عن هذا وذاك وذلك وغيرها، وجاء بهذه المطابقة؟. الجواب: هو أن أحدهم كان قد عيّره بإنكار نسبه، والانتساب إلى هذا البطن من قضاعة، فهو في مقام الردّ عليه، ونفي تلك الفرية، وإثبات صحة هذا النسب. وهو لذلك انتقى الفعل (حدب)؛ لما يحمله من معاني العطف والرحمة والحنان والمحبة. ولذلك فإنه أكثر ما يسند إلى الوالدين. وهو إذ قال: (حدبت) دلّ على أن هؤلاء هم أهله الأهلون وعشيرته الأقربون. ثم أتبعه بلفظ: (كلها)؛ ليدل به على أنه لم يكن ينتسب إلى بطن بعينه من قضاعة، بل إنه ينسب إليهم جميعاً، وأنه منهم موضع حدبهم أجمعين.
​ثم إنه رأى أن يعضد صحة هذا النسب فأتى بهذه المطابقة مصداقاً للعرف الجاهلي المتمثل في قولهم: “انصر أخاك ظالما أو مظلوما”. فهو لم يكن ابن هؤلاء القوم وأخاهم؛ كأن يكون لصيقا بهم، أو جارا لهم، ولو كان كذلك لنوّه بأدنى مأثرة يقدمونها له، ولكان حسْبه منهم في مجال النصرة أن ينصروه مظلوماً، فأما أن ينصروه ظالما أو مظلوما، فإن ذلك ما كان ليكون لولا يقينهم بصحة نسبه فيهم، وانتمائه إليهم. كما أنه لا ينبغي أن يغيب عن البال تقديمه (ظالما) على (مظلوما)، وما في هذا التقديم من الإمعان في إثبات صحة انتمائه، وصدق انتسابه، ومكانته لدى هؤلاء القوم، ومنزلته فيهم.

*دكتوراه في الأدب والنقد/ جامعة اليرموك – الأردن.
أستاذ مساعد في النقد الأدبي/ الإمارات العربية المتحدة/ الشارقة

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق