ثقافة السرد

أبي ما كان شيعيّا.. ولا سنّيا.. كان مسلما بسيطا

رشدي بن صالح سعداوي*

صورتان صغيرتا الحجم من عهد الصّبا لا زالتا راسختان بذاكرتي التي بدأت ترهقها الخارطة الجيوسياسيّة المذهبيّة أو المهبليّة النّازفة دما عقيما هو أقرب لدم الحيض منه لدم النّفاس، لما اصطلح على تسميته مجازا العالم الإسلامي. صورتان صغيرتا الحجم عميقتا الدّلالة علّقتا على جدار بيت بسيط في قرية بسيطة في بلد يقع غرب وطن الجياع خبزا وحرّية، وطن الأوجاع.
صورتان اشتراهما أبي من بائع متجوّل وعلّقهما بيديه السمراوان على حائط قاعة جلوسنا بعد أن مسح عنهما الغبار.
سألته:
-أبتي، من في الصّورة؟
أشار إلى التي على اليمين وقال:
-هذا سيّدنا علي، يصارع رأس الغول ليقضي عليه ويخلّص النّاس من شرّه.
ثمّ أشار إلى التي على اليسار وقال:
-هذا أيضا سيدنا علي وإلى جانبيه ابنيه الحسن والحسين.
ثمّ تركني أمام الصّورتين ومضى. كان ذلك وعمري سبع سنوات. لا زالت تلك اللّحظة بذاكرتي بجمالها وصفائها وطيب كلماتها إلى اليوم الذي بلغت فيه العشرين. التقيت حينها شيعيّا يقربني سنّا. اكتشفت أزرق النّاب فيه وهو يسرد التّاريخ من الفتنة الكبرى إلى الحرب العراقية الإيرانيّة مرورا بالدّولة الصّفويّة. بحثت في الجناح المقابل أي سنّيه فسمعت خطابا أقلّ حدّة ولكنّه كان خطابا نرجسيّا إقصائيّا تكفيريّا، خطاب من يمتلك مفاتيح الجنّة والنّار.
تهت بينهما حتّى سنّ الخمسين. حضرتني صورة أبي وهو يعلّق الصّور علي فسألته:
-هل أنت سنّي أم شيعي؟
أجابني:
-ما هذا وما ذاك؟
قلت:
-أنت في بلد أهله سنّة وتعلّق صورة إمام الشّيعة!
أجابني واضعا يده على قلبه رافعا وجهه للسّماء مشيرا بيده الأخرى إلى الأرض:
-أرسل الله في قلوبنا النّور لنحبّ من في الأرض وما في الأرض بلا عناوين وإلّا نتوه.
وما كاد يتمّ كلامه حتّى دخلت أمّي وكحل عاشوراء يحيط بعينيها
ورائحة الكسكس تنبعث منها وقالت:
-هيّا للغداء.
قال أبي كلّ وسمّ الله، احذر أن تسمّ غيره وإلّا ستغصّ.

*كاتب من تونس

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق