ثقافة السرد

الفصل السّابع من رواية (حرير الوجد)

للروائي التونسي محمد حيزي

مريم نوّارة المسالك المدمنة في الهتك :

– هل أحببتني …؟
تدفّقت بين شفتيها كمجرى لا ينضب وهي تحيطها بذراعيها حتّى لا تسيب بعيدا عن ذلك الحيّز الّذي رسمته بأناملها على شكل قلب . كانت يدها على صدري نبضا تتحسّسه حتّى تبلغ ردّة فعله وهو يرومها قبل أن ينبس به ثغرها الطّافح بلذّّة أخرى لطعم السّؤال …
– لن أكتفي بهذا اللّغو العابر … كسورنا يا ليلى تحتاج لأكثر من هذا …
حطّت حينها خدّها على خدّي وانهمكنا في بذر كنّا أعددنا له تربة حارّة حتّى تفلق بورا لطالما هتّكنا من سنوات مضت . هكذا دون حسم قبّرنا فواتا بغيضا وصدرها يكاد ينفلت بين أصابعي . بدت لي براحا رحبا وأنا أركب فرسا لا يمكن أن تروّض لليال طويلة …

( 28 )
( هي صروف الدّنيا …
لم أكن أتوقّع هذا المصير الّذي ساقني إلى هنا . فجأة تهالكت إلى هذا القاع المرّ . كنت أبلغ من هذا لكنّني سقطت . تشظّيت دون أن أعي وجهتي . وجدت نفسي أخيرا مطيّة حتّى عثرت على عامر الوافي . هكذا تغيّرت حياتي . في رمشة عين استعدت روحي الضّائعة واكتفيت به . صار لي ما تبقّى من هذه الدّنيا . لذلك قبلت بإهاناته المتكرّرة لكنّني لم أيأس . أحيانا ما أصرخ في وجهه غاضبة … )

هكذا حبّرت مريم صفحتها الأولى …
هل كانت هي أيضا تنوي حثّ من يعثر على هذا الكرّاس على المضيّ فيه حتّى يكتشف يوميّاتها ؟ ما هذه اللّهفة الغريبة على إثارة خصوصياتهما بهذا الشّكل ؟ إنّهما يستهدفان ليلى معا . كلاهما سلك مسلكا خاصّا به وشكّله فيه حالة جذب مغريّة كما لو أنّهما راهنا معا عليها . من منهما سيتمكّن قبل غيره ؟ هل اكتشفت أمره وهو يلج مكتبه ويغرق في الكتابة على ذلك الدّفتر خلسة عنها ؟ هل باغتها من نافذة غرفتها وهي منهمكة في البكاء إلى كرّاسها ؟ كما لو أنّ دموعها تتهالك على الورق الآن . ها هي آثارها في الحبر على شكل لطخات صغيرة . يبدوان ذليلين أمامها وهما يبوحان لها بتفاصيل موجعة . هل يأسفان على كلّ ما حصل منهما ؟ إلى هذه اللّحظة لم أدرك نوايا الموتى . ماذا يريدون من وراء كشفهم للحقائق ؟ لماذا لا يرحلون معها ويكتفون بنهايتهم وزوالها ؟ هل يخافون منها وهم تحت الأرض ؟ لماذا يورثوننا أحزانا بليغة نحن في غنى عنها ؟ ألا يرون أنّهم عاشوا حياتهم بالقدر الكافي حتّى يستمرّوا معنا نحن الأحياء ؟ يبدون أشدّ سخفا وهم يتركون ماضيهم بين أيدي آخرين دون سبب مقنع . كان عليهم أن يمزّقوا كلّ ما حبّروه لحظة إحساسهم بدنوّ آجالهم . لعلّهم توقّعوا بقاء طويلا وأسرفوا فيه . ربما نووا أوبة ما لماضيهم حتّى يستعيدوا تفاصيلهم مهما كانت تافهة . يخافون منها أن تزول فلا يتذكّرونها . يجهدون الذّاكرة في حمق حتّى ينسوا مزالقهم . لذلك يحبّرونها كما لو أنّهم ينتقمون منها . يحدفونها على الورق لهفة للخلاص . يركنونها بعيدا عنهم من أجل نسيانها . هكذا تتبدّى آثامهم في حقّ غيرهم . مجرّد حبر رخيص على ورق أرخص . يوميّات موبوءة تخلّف مزيدا من الهموم والأوجاع . لماذا كلّ ذلك ؟ خيبة المواجهة دائما ما توقع أمثال عامر الوافي ومريم في مضغ مرّ كهذا . من سيدفع ثمن ذلك عنهما ؟ إنّها ليلى طبعا . لهذا أرى أنّ اليوميّات بهذا الشّكل وما تحمله من أسرار ذابحة جريمة في حقّ آخرين كانوا يقوون على الوقوف والخطو مرّة أخرى دون الحاجة لمن يمدّ إليهم بمثل هذا السّمّ البغيض . كيف استطاعت ليلى أن تخرج من هذا الدّمار الرّابض على صفحات ورق ملغوم بالخيبات والأوجاع الدّاميّة دون أن تتهالك بدورها ؟ تبدو أقوى وهي تدفع إليّ بالدّفتر والكرّاس . كما لو أنّ كلّ ذلك مجرّد نزوات لا تعنيها لأب مريض وأمّ يائسة …
( 29 )
( ظلّت بيّة تترصّدني إلى أن اكتشفت أمري أخيرا …
كانت ولوعة جدّا بالعائلة العريقة وبالماضي التّليد . من يحمل لقبها عليه أن يكون امتدادا لطهرها ونبلها الّذي طبّق الآفاق . سي علاّلة كان ذكرا طيّبا لعائلة الوافي . إنّه أبقى عليها مضيئة من سنوات قريبة مضت . استطاع طرد فرنسا من هذا البلد وقدّم دمه لهذه الأرض ولم يبخل عليها بالغالي . تعرّض للموت أكثر من مرّة لكنّه ظلّ أبيّا مقداما إلى آخر لحظة عاشها في هذا الوطن ولم ينكس رأسه إلى أن مات . هكذا مزّقتني بيّة طيلة أعوام وذبحني سي علاّلة أيضا بأوهامها . دمّرا حياتي مع عامر الوافي ولم يتركا لنا فرصة حتّى نعيد بناء حياتنا الهشّة على وشائج قوّية. عامر لم يكن زوجا سيّئا . كانت هي من يسوطه دون رحمة. تسخر من ليلى ابنتي وتنعته بالعاجز الّذي استطاع أن يجد امرأة لم تحبل منه . دون أن يريق ولو حبّة عرق واحدة على فراشه جاءت هذه البنت لتهدّئ من رغائه ولهاثه . كانت تمضي ساعة أو أكثر وهي توجعه عميقا ولم أجد سببا لذلك الصّمت القذيع الّذي كان يستبدّ به أمامها . ظلّ دائما لا يحرّك ساكنا حتّى قضت بيّة نحبها . رأيته يبكيها في حسرة بليغة ولأيّام طويلة كطفل وظلّ يتردّد على قبرها… )

على الشّاطئ انفرطت ليلى ليلتها وهي تتهالك في يوميّات أمّها …
كانت تتهجّى كلماتها ونشيجها معا . تمدّدت على الرّمل وتوسّدت صدرها . عيناها كانتا تذرفان الدّمع وأنا أتوارى خلف مقاصدي حتّى أكتشف مدى حدّة يوميّات أمّها عليها . بدت كمن يغوص في متاهة مظلمة وهي تتهاوى في غصص لا حصر لها . افتككت منها الكرّاس وكدت أقذف به إلى البحر لكنّني تراجعت مرّة أخرى . تلهّفت ما تبقّى فيه وانغمست في مضغه . تركتني وولجت الماء . غابت فيه كما لو أنّها تتطهّر من رجس باغتها . تراءى لي عظيما متراميّا قادرا على استئصال ما يريد وهي تمضي فيه كما لو أنّها منه بعينيها الزّرقاوين وشعرها الأصفر المتهالك على كتفيها كسنابل سنة ممطرة وذلك المايوه السّماويّ الّذي كشف مفاتنها وجعلها مثيرة كذلك الموج المندفع نحوي بكلّ جبروته …
( 30 )
( كنت طفلة مهووسة بالمدرسة . أرى الدّنيا كتبا ودفاتر وأقلاما وورقا رحب المدى . كان أبي يجلب لي معه قصصا متنوّعة كلّما قصد كتبيّة وسط العاصمة . يختار لي من العناوين أطرفها وما كان هادفا منها . لا يبخل عليّ بكلّ جديد حتّى صارت لي مكتبة صغيرة في ركن غرفتي ملأت عليّ حياتي . كنت وحيدته وملاذه بعد أن تجرّع ضيم العقم لسنوات طويلة موجعة أقضّته وكاد ينفصل فيها عن أمّي حتّى يرزق بطفل ظلّ يتلهّف إليه . كنت له تلك الزّهرة الّتي غيّرت دنياه. عشت في دلال لا مثيل له . أطلب فيطاع أمري كأميرة صغيرة متوّجة . ظللت كذلك عدّة أعوام إلى أن استيقظت صباحا على صراخ أمّي العالي . فجأة اختفى أبي . صعدت روحه إلى السّماء وتركني وحيدة مهملة . بعد عام واحد من رحيله تزوّجت أمّي من ساعي البريد الأعزب الّذي تجاوز بعد سنّ الأربعين . كنت من سنوات بعيدة أراه يسرف في الحديث مع أمّي كلّما مرّ أمام بيتنا . كان دائما ما يثير قلقي واشمئزازي إلى أن صار ينام في فراش أبي … )

غرقت في الضّحك وسط دهشة ليلى الّتي خرجت لتوّها من الماء . بدا لها ذلك غريبا وهي تراني أستلقي على قفاي :
– لماذا تضحك هكذا ؟ أهناك ما يدفع على ذلك ؟
– لا أدري . هي كائنات مشوّهة صرت أراها أينما حللت ؟ هذا الورق أيضا يرشح بها . كلّما انفلتّ منها إلاّ وطاردتني . من عبد الرّحمان العامري الّذي ظلّ عمرا وهو يتناسل مع القذارة إلى سي علاّلة القوّاد الّذي تحوّل إلى وطنيّ غيور وطمس تاريخا بكامله كما اشتهى وافتكّ من الآخرين الّذين وهبوا هذه الأرض أرواحهم نقاءهم وخلاصة عشقهم لهذا التّراب ومن أمّي العارم الّتي سقطت دون سبب إلاّ لكونها احتاجت للخبز إلى أمّ مريم الّتي ظلّت تواعد ساعيا للبريد حتّى قضى بعلها نحبه فتسلّل إلى فراشه رسميّا وصار زوجا لها .
– أكمل ما تبقّى . هكذا نستطيع نسيان كلّ شيء معا .
– لقد هربت بجلدي وأريد مأوى نقيّا . يكفي ما عشته ولا حاجة لي في هذا النّبش المخزي . أكاد أتحوّل إلى منقعة وأنا أستعيد تفاصيل هاتكة سقط فيها آخرون أراهم أغرابا عنك وعنّي .
– لن نخرج من ماضينا قبل كشفه وما عليك إلاّ بلوغه حتّى نتمكّن من طمسه . سيظلّ يلاحقنا إن لم نفتحه ونلج كلّ مزالقه . قد يستيقظ فجأة إن لم نتأهّب له . الحبّ وحده لا يكفي كي ندرك غدنا . هو تطهّر بالغ عندما نحتويه ونتقيّأه مرّة واحدة . حينها سنزرع ما تبقّى كما نشتهي ولن تخذلنا صروف ذلك الأمس البعيد وتوقع بنا . خطواتنا المقبلة ستتبدّى أكثر وثوقا .
( 31 )
( كانت شديدة معي وهي تأمرني حتّى أناديه بابا …
لم أتحمّل دخوله إلى غرفة أبي كلّ ليلة . لم أصدّق أنّ رجلا ما سيعوّضه . ابتلعني حزني وكمدي لأسابيع عديدة . تهالكت نتائجي المدرسيّة ورسبت سنتها . اختنقت ولم أجد منفذا إلاّ الهرب من ذلك الأتون حتّى لا أهلك . فجرا غادرت البيت وهمت على وجهي . لم تكن هناك وجهة محدّدة لي . فقط شعرت بأنّني قادرة على تنفّس هواء نظيف بعيدا عن تلك الغرفة الذّابحة الّتي شغلها مسخ تريد أمّي أن أناديه أبي … ) .

بدت لي يوميّات مريم كجدار يرتفع إلى أعلى ويفصلني في صمت مربك عن ليلى كلّما توغّلت أكثر فيه . كما لو أنّني مجبر على الغرق في مزالق لا تعنيني وإن تراءى ذلك مغريّا وأنا أكاد أنتهي منه . كانت تحدجني كلّ مرّة في شبه أمر وتدفعني إلى الاستمرار في القراءة حتّى تخلص من أمره نهائيّا . هذا ما تبيّن لي من نظراتها المتعدّدة نحوي . شعرت أنّني مسلوب الإرادة وعليّ أن أطيعها إلى آخر لحظة . لماذا أرفض لها هذا الطّلب العابر ؟ الأمر يسير ولا يحتاج منّي لمكابدة ما . مجرّد يوميّات بغيضة لكائنات محطّمة نال منها هذا الزّمن وهتّكها . حاولت أن أشرخ الجدار الّذي علا واشتدّ سمكه حتّى أراها . كانت تبتسم خلفه كما لو أنّها اكتشفت أمره . حدفت راحتيها فيه واحتضنتني إليها حتّى ذبت . كانت قبلتها مسافة حمّى شهّاءة وهي تهمس عند أذني :
– كن ملاذي حتّى أهدم كلّ الرّكام خلفي وأبعث أخرى .
( 32 )
( … أفقت صباحا طفلة أخرى أكبر سنّا وسط كومة هائلة من التّبن . ابتسم في وجهي ودفع يده نحوي :
– يمكنك البقاء هنا قدر ما تشتهين .
وأشار إلى قدح من الحليب ورغيف عند آخر المستودع وانصرف . لا أدري لحظتها ما حصل لي وكيف وصلت إلى ذلك المكان ؟ كان دوار حادّ يعصف بي . كما لو أنّني على حافّة الجنون . مضى عليّ أسبوعان هناك رأيت فيهما ما لا يطرأ على بال ولم أجد من خلاص سوى الهرب مرّة أخرى … ) .

شعرت باختناق بعد عودتنا إلى الشّرفة . تركت ليلى نائمة وخرجت . ولجت بارا مركونا في ساحة متراميّة وطلبت قارورة نبيذ . دائما ما أجد ضالّتي فيه . إلى جانب ثمنه البخس أعثر في مرارته على ما يشبهني . أدلق كأسه الصّغيرة دفعة واحدة في حلقي وأسهو للحظة حتّى يغيب ذلك الطّعم الحادّ . عادات بغيضة تعوّدت عليها ولم أتمكّن على الخلاص منها . فتحت كرّاس مريم على طاولتي في الرّكن البعيد . كانت ليلى تتمسّك بولوجي إلى ماضي أهلها في شدّة غريبة . لماذا كلّ هذه الشّدّة منها ؟ سؤال مضغته حتّى صار مملاّ . قرّرت أن أتمّ قراءة كلّ ما في الكرّاس وأستريح من هذا الأمر الثّقيل . بدا لي أنّ ليلى أفاقت من نومها . جابت كلّ الغرف ولم تعثر عليّ . توقّعت أنّني رحلت . خرجت تبحث عنّي . أحسست أنّ هناك من يهتمّ لأمري . تراءت لي وشيجتها متينة بي . غمرتني سعادة لا توصف وأنا أنتصف مع القارورة وأمتلئ بما تبقّى فيها إلى أن رمت مسالك ملهبة لمشاعري الملفوفة في مكامن كالحرير . نسيت لحظتها كلّ ما كان معي وتشكّلت قبالتي ليلى بكلّ أنوثتها وأسرها وحميميّتها . محت كلّ الشّروخ ومضت داخلي تجتثّ ما تبقّى فيّ وتنقّيني من أورامي وتحثّني على سير حثيث نحو ألق بعيد . ابتسمت للحظة تشكّلت بين كأس وأخرى . بين مرارتين سريعتين حلمت بفيض عامر إلى أقاصي شهوتي الّتي انفلتت دون رهبة من أمس حاقد . الخطو إلى الأمام دائما يذبح ما نتركه وراءنا ويقبره . عليّ فقط أن أمسكها من يدها وأمضي دون أن ألتفت . عليّ أن أحبّها عميقا لأنّها آخر ملاذ لي . هي من وهبتني هذه المجازفة الأخيرة حتّى أتنفّس وأحيا وأحسّ أنّ الدّنيا لها طعم آخر مختلف وأنّ التّهالك في تلك المدينة سيؤدّي بي إلى الجنون حتما . كانت كؤوس النّبيذ الصّغيرة أشهى من الويسكي الّذي تعتعني ليلتها . لعلّ ذلك الماضي لا ينتهكه غير هذا السّائل الّذي ظللت أهرب إليه كلّما توجّعت ولم أجد سبيلا ما للخروج من حزني .
عدت للكرّاس . كان يشبه كتلة من الغبار السّميكة المستعصيّة بين أصابعي …
( 33 )
( بعد ثلاثة أشهر أو أكثر من زواجنا مالت طباعي إلى مزاج فاسد مليء بأسئلة مثيرة للإزعاج تلاها صمت مربك أقضّه …
صرت أسأل عامرا عن تفاصيل كثيرة موهمة إيّاه أنّني امرأة تهتمّ لزوجها وتغار عليه . بدا عليّ حمق خالص وأنا أتوتّر لأتفه الأسباب وأتوقّع أنّ هناك أخرى قد تفتكّه منّي . تجلّت لامبالاتي خلال أيّامنا الأولى فضفاضة تصوّت فيها أحاسيس امرأة متمكّنة من رجل قبل الزّواج من مومس تعيش في ماخور . لا شكّ في أنّ عامر الوافي الّذي هام بي واكتشف فيّ امرأة لها أسر لاهب سيظلّ طوع أمري ولن يتسلّل مهما حاول الهرب من الطّوق الّذي أحطته به . جنونه بي ولامبالاتي سيدفعانه دائما إليّ . لن يمضي إلى حضن أخرى . ظللت أراقبه من بعيد … من أعلى … في كبرياء امرأة جميلة مجرّبة تدرك أنّ استعباد الرّجل وإهانته في صمتها وهروبها إلى مسالك أخرى موهومة تثير توقّعات مربكة وأسئلة لا حصر لها قد تسجنه في ضيق لا يقوى على الخروج منه مهما حاول الفكاك . هكذا حاصرت عامرا الوافي لفترة تبدو طويلة . قهرته حتّى تراءى الضّيم على قسمات وجهه وفي عينيه . بلغ حدّ الهذيان أثناء نومه . صرت أحجيّة ملغّمة بأسرار لا تحصى ويمكن أن تنفجر فجأة حذوه . جنّ جنونه وتحوّل إلى رجل آخر متوحّش . بدأ بصفعة ثمّ صار يعنّفني بعد أن يتعتعه السّكر . لذلك تغيّرت . حاولت أن أكون تلك المرأة الّتي تغار عليه من الأخريات . توهمه أنّه قد يتخلّى عنها في أيّ لحظة إذا عثر على امرأة تلج عمق الرّجل وتنتزعه من كبريائه ثمّ تطيح به وتنتهكه إلى أن توقعه بقايا وتعبث به كما تشاء . أن تنتقل امرأة مثلي من دور إلى آخر فذلك طيّع لها لكن رجلها وهو يتملّى ما يحصل قد يتحوّل دون أن تعي إلى آخر غريب عنها وسيسعى إلى إذلالها . قد تكتشف ذلك بعد فوات الأوان . حينها لن تتمكّن من الأوبة إلى جولاتها الأولى وستفقد مع الأيّام قدرتها وسيضيع منها زمام الأمور وتتهاوى إلى مطبّ كانت لا تتوقّع السّقوط فيه . لن تقف على قدميها إلاّ بعد فترة عصيبة قد تدفعها إلى ترهّل مقبل مهما كان أسرها وفتنتها …
ظلّ خوفي يشكّل متاهات مختلفة وأنا محدوفة إلى حصاره حتّى لا يقع في فراش أخرى إلى أن صار يشفق عليّ . بدت لي شفقته حميمة أوّل الأمر إلى أن انقلبت مهانة فشعرت حينها بخذلان مدمّر كاد يهلكني . كان عليّ أن أعدّد نبله وهو يقبل بأمّّي في بيته بعد أن تركها ساعي البريد وتزوّج أخرى . كم رجوته أن نسافر إلى العاصمة حتّى أراها ولو من بعيد للحظات قصيرة فقط. قبل ذلك على مضض ثمّ تنازل فجأة عن رفضه وحثّني على على لقائها واصطحابها معنا . هناك دائما ضوء في العتمة يتبدّى فجأة ويستلب تلك الظّلمة ويقوّضها . دهشت لذلك واستبدّ بي الشّكّ . ماذا يريد من أمّي ؟ هل يسعى إلى كشف أسرارها حتّى يتمكّن منّي أكثر ويحاصرني ؟ هل هي الفيلا الواسعة الّتي تحتاج إلى شخص آخر يقطنها حتّى لا يحسّ بفراغها من حوله ؟ ماذا ينوي ؟ أسئلة عديدة كانت تملأني وفرحة كانت تبدّدها بين حين وآخر وأنا أعود صحبة أمّي وأنتشلها من وحدتها وحزنها … ) .

قلّبت الصّفحة دون أن أتوقّف عن القراءة . هذه امرأة غريبة تعجن ما يطيب لها إلى منافذ شتّى حتّى تتمكّن من غيرها . تدبّر أمرها في حنكة مثيرة كي تستولي على ما تريد . تراءت ليلى تشبه أمّها . تحسن الولوج والخروج . ارتبكت وأنا المندفع دون توريّة لأحاسيسي ومشاعري نحو ما أريد دون تأهّب أو تخطيط لسعيي . هكذا عشت سنوات عمري . أكره أن أضع قناعا على وجهي أو أتوهّم ما لا أرى . أقبل على هذه الدّنيا كما اتّفق . دائما ما يتعقّبني صدقي ويصفعني إن حاولت الخروج منّي إلى آخر أتوقّعه أبلغ وأذكى . هكذا تعوّدت إلى هذه السّنّ الّتي أشعر أنّها تهالكت نحو هاوية وبدأت تتضاءل وتذبل . إنّها سنّ الأربعين المتربّصة بأيّ رجل قاربها أو كاد يهوي بعدها . حتما سيحسّ أنّ ما سيأتي سيكون موجعا جدّا له . قد يتهالك شعر رأسه شهرا بعد آخر . قد يتمكّن منه العياء فلا يقوى على السّهر طول اللّيل مثلا كما كان يفعل . قد يفقد بصيص عينيه شيئا فشيئا ويسارع بوضع نظّارات طبّية حتّى يرى ما حوله . قد يتحوّل إلى شكّاء من مظالم هذه الدّنيا وهمومها . أشياء كثيرة تنهمك في الوقوع ويتفاجأ بها إلى أن تميل طباعه إلى التّجهّم والتّوتّر السّريع وقد يتبدّى مستسلما غائبا محاولا أن يظلّ كما هو ولعلّه يسعى إلى أن يكون متوهّجا موهما من يراه أنّه لم ينطفئ بعد ولم تؤثّر فيه السّنوات الّتي بدت تغزوه في بطء مدمّر . تلك هي سنّ الأربعين الّتي تراكمت فوقي لتثيرني وتشير إلى منعطف عاتم قد يقضّني ويدكّني إن لم أحذر من ذلك وأتهيّأ قبل الفوات .
أرهبتني مريم وتراءت لي ليلى هناك . عند ذلك المنعطف تترصّدني حتّى أقترب منها فتنقضّ عليّ . توقّعات كانت تهتكني وعيناي تمضيان وتتهجّيان وتتوقّفان للحظة . أحسّ أنّني أبتسم . أدفع أصابعي وأتلمّس شفتيّ . كان يمكنني أن أنظر في مرمدة السّجائر حتّى ينعكس وجهي عليها . قد أباغتني وأنا أرسمها خفيفة في تسآل عن هذا الّذي أربكني وسط أعقاب السّجائر المتراكمة فيها . دخانها يكاد يشكّل ملامح ليلى وهي تتواطأ مع أمّها كي تغريني وتسحبني دون أدري إلى ذلك الضّيق أين يعشّش الشّك كثيفا كسجن ماكر لتعجن منّي ذلك الرّجل المتوقّع . هكذا ستمضغني في لامبالاة وتتأكّلني إلى أن تذلّني بدورها . شعرت أنّ هناك ضجّة حطام داخلي . كسور ما تتردّد كأصوات تحذرّني من مغبّة الوقوع كما حصل مع عامر الوافي . شوك غزير دبّ مع الكؤوس الّتي تهافتت على شفتيّ تباعا دون أن أغيب في لحظة صحو قصيرة حتّى أتمكّن من الوقوف . سمّرتني شكوكي مع لفح الأسئلة الّتي هاجت فيّ فجأة وطوّحت بي في مسالك عديدة . كلّما مضيت في أحدها إلاّ ورأيت مريم تربّت على كتف ابنتها وتبتسم في مكر حادّ ثمّ تغيّبها خلفها وتأخذ ملامحها وتشير لي أن أقترب منها في دلال غير عاديّ . هل أنا عامر الوافي مرّة أخرى ؟ هل ليلى هي مريم ؟ هل مريم هي صفيّة أمّها ؟ هل هناك ما ضاع منهنّ ويردن الوقوف عنده لحين أو لعمر آخر ؟ يوميّات الموتى مساحة ملغومة بكلّ ماضيهم الّذي لم ينتبهوا إليه وهم يورّقون آخر ما تبقّى لهم فينا . توجّس ما تحدفه ليلى نحوي حتّى تورثني طباعا أخرى لا تعنيني . كما لو أنّني ذلك الامتداد المتوهّم لماض لا صلة لي به . أدفع يديّ نحوها . أرفعها إلى أعلى وأرجّها . أرى الأغبرة وهي تتهالك منها وتتحطّم تحت قدميها . أمضي بها إلى ماء يندلق من أعلى وأمسك بها إليه . يتدفّق شلاّلا نحوها ويغرقها . تتسلّل منها تفاصيل اليوميّات لطخات حبر كثيفة وتمضي خيوطا دقيقة للون بنفسجيّ متكسّر يغيب مع المجرى إلى أن يتفكّك وينحلّ ويسيب إلى أن يضمر ويموت . أجذبها وأكسوها بطين ليّن إلى أن تتحلّل ثمّ ألقي بها في المجرى وأركض مع حافّته إلى أن يتمكّن منّي العياء . حينها أمسك بيديها وأجرّها إليّ . أتملاّها حتّى أعثر على ملامحها من جديد . أحتضنها إليّ نارا دافئة وأطوّقها حتّى تستجيب وتعرى من كلّ ماضيها المدمى . أقبّلها كمن أصابه مسّ حتّى تتبدّى لها قبلتي انفلاتا أخيرا من كلّ سقطاتنا البعيدة مع أهلنا . هكذا دون تربّص نزرع ما يعتمل فينا صباحا آخر تشرق شمسه للمرّة الأولى كما لو أنّه بدء الخليقة أو ما يشبه رجلا وامرأة يدركان بعثا آخر ولا أحد سواهما على هذه الأرض .
بعد صمت لا أدري طال أم قصر غرقت في الضّحك . ضحك فاض حتّى ملأ البار الصّغير . لا أحد التفت إليّ دهشا . لا أحد ارتبك لضحكي . كنت وحدي في البار ولم يكن معي إلاّ ذلك السّاقي الّذي غاب في دورة المياه ولم يخرج بعد …
لحظتها عدت إلى الكرّاس . كمن غادر إلى بعيد ثمّ آب دون أن يتوقّع ذلك :
( 34 )
( كانا معا يزحفان بي إلى هاوية …
بيّة تمكّنت منه وصارت تجرّه خلفها . تاريخ سي علاّلة المربك كان يدفعها حتّى تقف في وجهي وتنتزعني كنبت طفيليّ تسلّل إلى بهرج العائلة العريقة واقتات منه . كنت خلفهما مهملة أحاول جاهدة أن أستعيد أيّامي الأولى كملكة على ذلك البيت وابنتي ليلى كانت في حضني تصرخ دون أن ينتبه إليها أحد . كنت قد أحطتها بكلّ ما أملك من قوّة مهشّمة حتّى لا تلقى نفس مصيري . كقطّة واجهت إذلالها إلى أن باغتها الموت . حينها تنفّست الصّعداء ليحلّ ذلك الصّمت كجاثوم وتتحوّل الفيلا إلى ما يشبه خلاء لا حدود ممكنة له . مع موتها انتهى تاريخ سي علاّلة وضاع لقب العائلة وبدا كلّ ذلك الألق البعيد هوّة مليئة بصراخ كالخرس … صرنا غريبين يعيشان في مساحة متراميّة الأطراف . فقط كان صياح ليلى يخترق ذلك الغبار ويزيحه ويبلغ مسامع عامر الوافي الّذي يتيقّظ كلّ مرّة ويقترب منّي لليلة ثمّ يهرب إلى وحدته ويغرق في خمرته ويوميّاته . كنّا في تلك اللّيلة الّتي تتشكّل بعد غياب مرّ نمحو معا كلّ مريب ونجهز على ذلك الصّمت الحاقد ونبلغ لذّة عجيبة لا مثيل لها . كان يأتيني كمن هام في صحراء لمدّة مطوّلة . يترصّد كلّ مسامّي ويلج إلى كلّ جسدي ويتقصّى روحي المهملة حتّى أذوب بين يديه . يختصر كلّ اللّيالي الثّقيلة الّتي مضت هدرا في ليلة يتيمة إلى أن يتركني بقايا تتنفّس في تشهّ آسر كلّ غبنها وغيابه عنها لأدرك أنّني أحببته إلى أقاصيّ وأجزم أنّه لم يحبّ امرأة أخرى ولم يرتم في حضن أعمق من حضني … )

كالسّهو تركت البار ودلفت إلى الخارج . كانت المدينة تتثاءب مع الفجر تماما كليلى الّتي استيقظت بعد وانتبهت لغيابي المفاجئ وهي تفرك عينين في لون هذا الشّاطئ الّذي أقترب منه وأنا أنزع ثيابي وألقي بها خلفي كما اتّفق إلى أن بلغته عاريّا وانحدفت بين أمواجه . كان ذلك الرّجل المسنّ الّذي جلس إليّ قبل أن أخرج من البار قد ردّد على مسامعي :
– كنت هناك قبل ربع ساعة تقريبا . دائما ما أباغت موجه البكر قبل غيري . إنّه يغسلني من رجس كلّ ليلة مضت ويشحنني بلهفة أخرى نحو هذه الدّنيا كما لو أنّني شابّ في الثّلاثين . عليك به قبل أن يتعكّر ويصيبه ذلك الانطفاء فلا تجد فيه ما يشبعك . إنّه يندفع الآن نحو من يمضي إليه باكرا بأرواح حميمة شتّى ولك أن تغرف منه ما يفكّ هذا الظّمأ البادي على ملامحك كالبور .
كان يبتسم كما لو أنّه لم يسهب ليعود إلى فنجان بنّه الصّباحيّ ويغيب خلف هالة من دخان سيجارته المربك . من يكون هذا الّذي جلس إليّ وتركته دون أن أتبيّن ملامحه جيّدا ؟ هل هو قاسم العامري الّذي اختصر فجأة سنوات ما بعد الأربعين ومضى إلى أرذل العمر دون أن يتهالك لثقلها ؟ هل هو خوفي من بلوغ الآتي والنّبيذ يتلفني إلى هذا الحدّ الموجع ؟ بدا لي أنّ الخمرة قد تسوطنا أحيانا إلى ما هو أبشع وتذبح فينا ذلك الهروب إلى مخارج أخرى أرحب وأشهى .
وجدت نفسي قد سبحت بعيدا إلى أن بلغت ذلك العمق الّذي أرهبه . كنت دائما ما أراه مخيفا ولا أغامر في المضيّ نحوه . كان الماء دافئا كشفتيها يهبني أكثر من ملاذ حارّ وينتشر فيّ كأناملها . أندسّ فيهما قدر ما أستطيع وأتلذّذ مقاصدهما كغيبوبة لا نهاية لها . كانا معا … البحر وليلى … يجوبان بي كلّ ما مضى في خدر يجتثّ أكثر من وجع دفين لأحسّ أنّني أتطهّر من كلّ خيباتي البعيدة وأتخلّص منها وأتركها خلفي لتتحوّل إلى زبد عاتم يتراكم قصيّا متروكا لا رائحة ولا طعم له . هكذا بالصّدفة وجدت نفسي في مدينة آسرة مع طفلتي الّتي أحببتها وانتظرتها دون أن أعي هذا اللّقاء . من دفء الماء رفعت عينيّ إلى البرج .. إلى حكاية ليلى الّتي لم تكتمل . بدا لي مهيبا وأنا أرى الشّيخ الوقور يتطلّع من علوّه عليّ كما لو أنّني بعض تفاصيل الحكاية أيضا . ابتسم وهو يحيّيني . كانت ابتسامته حفنة من الطّهر تلقى على مدينة الحمّامات فجرا …
( 35 )
( ثار الباي وأغمي عليه من شدّة الضّيم والقهر . كيف تختفي ابنته الوحيدة من القصر : ” – ما دام تاجر الحرير قد شبع موتا وانتهى أمره فمن فعلها ؟ هل يمكن أن يكون لها عاشق آخر في هذه المملكة الّتي صار أمرها عجبا ؟ هل أصابتها اللّعنة وتحوّلت دون إذن منّي إلى نزوة للعشّاق ؟ إنّها التّهلكة إن لم تعثروا على الأميرة وتعودوا بها . جوبوا الشّعاب والوهاد والجبال والكوى وغربلوا الصّحراء ولن أرى وجوهكم في القصر إلاّ بعد عثوركم عليها . سأقطع أعناقكم وأعلّق جثثكم في أبواب المدينة إن عدتم خائبين ” . تفرّق الحرس في المملكة كالمجانين . العشق صار يعني لهم لعنة ومصيرا دمويا لا فكاك لهم منه إن لم يجلبوها معهم . الموت يترصّدهم وهم يمضون في كلّ صوب وحدب على خيولهم . رحلة شاقّة تنتظرهم حتّى يتمكّنوا من بلوغ ليلى الّتي حلّت بعد أيّام إلى الحمّامات واختفت في قصر صغير على مشارفها مع حبيبها الّذي زفّ إليها في عرس عجيب بمباركة سيدي محرز وسيدي بن عروس وأولياء آخرين أقبلوا من أعماق تونس ومن مشارقها ومغاربها وجنوبها وبعض أهالي الحمّامات الموعودين بهذه الرّؤية ومن بينهم جدّي الّذي كرّم ونال حظوة يقين الحكاية وسرّها وروايتها لأبنائه وأحفاده حتّى لا تنسى وتضيع تفاصيلها العميقة وتفقد الحمّامات ألقها الّذي سيعمّر طويلا ما دام الحكي يسرد في بيوتها القديمة حيث يتعلّم الأطفال الموعودون بحفظه قدرة عجيبة على كتمان ذلك في صدورهم حتّى تتبيّن لهم الرّؤية بدورهم فيعمدون إلى إخفائها عند صبية آخرين . هكذا ظلّ أهالي الحمّامات يتوارثون الحكاية أبا عن جدّ إلى يوم النّاس هذا . العرس كان أقرب إلى مهرجان فاتن يعجز اللّسان عن وصفه . الحكاية لم تنته بعد . سأراك بعد صلاة الفجر … ) .

واندلق كطيف وغاب . ظللت أتمعّن في البرج طويلا ودهشة تتملّكني . هل بلغني صوته ولم أنتبه إليه ؟ هل هو الشّيخ الّذي تحدّثت عنه ليلى في إسهاب طويل ؟ بدا لي ذلك أقرب إلى غياب وأنا أسبح إلى الشّاطئ وأتمدّد على رمله وأتيه بدوري في تكملة لم تهمد بعد لرؤيتي الّتي عشتها في حيرة بليغة :
( ر )
( … النّار وجسداهما مسافة لهاب على مرمى من عينيّ وأنا مسمّر خلف بلّور النّافذة أتقصّى شهوتهما البالغة على الأريكة أتلصّص النّظر إلى وجهه حتّى أراه . كانا يشبهان حقل سنابل استوت بعد وطالت وفاجأتها نوبة ريح شديدة . كان يحصدها فتجتذبه إليه أكثر وتسحبه إلى عمقها وتتركه خلفها حتّى تكون حصيدا طيّعا حينا عصيّا أحيانا تحت جسده الّذي يقتطعها في لهفة أشدّ فتغيب بين أحضانه وتتبدّى مرّة أخرى أشهى وأبلغ والنّار حذوهما تلتهم هشيما من اللّهاث الّذي لا ينتهي وتدفع بكلّ دفئها إليهما فيزدادان حرارة وهما يتمرّغان على الأريكة الصّوفيّة ويلجان عمق الحقل الّذي لم تهدأ ريحه اللاّفحة بعد …) .

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق