ثقافة السرد

الخروج من بغداد

رواية مسلسلة لمحمد غزلان*

( 6 )
أ
” أبو طه ” ليس بمشكلة، لن ” يغلب ” معه أحاديث الليلة الماضية كشفت له معدنه رجل بسيط ليس لديه أسرار إلا أن لسانه ” مفلوت ” وهذه مشكلته هو ولكن لابد من التخلص منه للذهاب وحده إلى موعد الساعة الرابعة في الوزيرية لمقابلة جبرائيل عبد الجبار، فربما يساعدونه في العثور على ابنه فرج والبحث أيضا عن طه، هل عليه أبو طه. و” حواديته ” عن الذي قابلهم وتحدث معهم وآخر أخبار البحث عن ابنه وهو ما أدركه الزاوي مبكرا انه أسلوب لن يجدي، قال له أنه يسأل العديد من المحلات والمطاعم عن فرصة عمل إلا انه لم يوفق وأخفى عنه قصة صاحب محل العطارة الحاج إبراهيم الحلي ووعده له بتدبير فرصة عمل مع بداية الشهر واختلق قصة بأنه قابل صدفه احد معارفه في القاهرة من القاهرة وليس الصعيد الصعيد التهمة التي يحاول أن ينفيها عن نفسه وهذا الشخص أبلغه عن وجود فرصة عمل لدى أحد أقاربه وانه سيقابله عصرا وعليهم العودة إلى السكن الآن لأخذ قسط من الراحة قبل ذهابه إليه ابتلع أبو طه القصة ودعا له بالتوفيق!
نزل من السكن في تمام الثالثة وخرج من الحارة إلى الشارع الرئيسي تأكد أن لا أحد يسير خلفه أو يراقبه تمشى على قدميه قليلا أوقف سيارة أجرة فجأة وجلس بجوار السائق وطلب التوجه إلى الوزيرية وذكر العنوان، في أقل من عشرة دقائق بعد لف ودوران في الشوارع أتاح الفرصة لعلي الزاوي أن يطبع في ذاكرته صور المحلات والناس والعمارات، توقف التاكسي أمام بناية وأعطى للسائق دينارين اثنين أخذهما ولم ينطق بكلمة ولم يجادل ولم يطلب زيادة مثلما يفعل سائقوا التاكسيات في القاهرة، البناية مثل غيرها من البنايات، ليس مركزا للشرطة وليست عليها وفي المدخل واجه خفيرا سأله عن مقصده أجابه بتردد وحذر الدور الثالث الأستاذ جبرائيل عبد الجبار أشار إليه إلى مطلع السلم. بغداد كلها تسمع دقات قلبه ها هم جاءوا إليه وجاء لهم وقد حذره المصريون قبل سفره منهم ” المحتاج يركب الصعب ” هذا مبدؤه منذ غادر الصعيد وقابل للتطبيق هنا رغم أن أغلب نصائح مصر لا تسير في العراق تزداد دقات قلبه عنفا كلما صعد درجات السلم المكان فيما يبدو مكاتب وإن كان مثل الشقق بمجرد دخوله الدور الثالث، وقف خفير آخر أو حارس وسأله عن مبتغاه الأستاذ جبرائيل عبد الجبار، أشار له بيده إلى باب حجرة مغلق وطلب منه طرق الباب والدخول.
الجالس على المكتب ليس العراقي الذي قابله في المقهى وقد ظن انه هو موظف كبير ومكتب ضخم وصورة أضخم خلفه للرئيس صدام حسين يبدو أن صدام حسين يراقبهم جميعا لم ينظر إلى عيون الموظف، وإنما إلى عيون صدام في الصورة مثل أسياخ الحديد ” المحمي ” أشار له بالجلوس تردد وجلس رحب به في العراق وأضاف له أن ثمان وأربعين ساعة أو ما يزيد قليلا لن تمكنه من معرفة بغداد جيدا، الغرض إفهامه انه يعلم متى وصل بغداد، ضغط على جرس بجواره دخل الحارس انه ليس بحارس ” فراش ” طلب منه كوبا من الشاي سريعا وكأن الشاي كان على النار، قدمه الفراش وانصرف وباغته جبرائيل بسؤال عن كيف حال الأهل في الصعيد صحح له المعلومة انه من القاهرة جذوره في الصعيد وقبل أن يرتشف الشاي، طلب منه الإسراع والتوجه إلى المنطقة الأعظمية وكتب عنوانا في ورقة وأعطاها له في الأعظمية ستقابل السيد جبرائيل عبد الجبار شوشرة سرت في مخ الزاوي وتساءل بخوف أليس أنت الأستاذ جبرائيل؟ أجابه بجدية بنعم ولم تهتز جفونه رموش عينيه مثل المسامير نعم أنا جبرائيل وهناك جبرائيل آخر وأوصاه ألا يدفع أكثر من دينارين لسائق التاكسي وهب واقفا ممددا يده بالسلام إيذانا بصرف علي الزاوي صافحه وهبط الدرج إلى الشارع واستقل سيارة أجرة أخرى إلى الأعظمية.
الشوارع في تلك المنطقة أكثر نظافة من الشوارع الأخرى أشجار على جانب الطريق، مسجد ضخم في الشارع الرئيسي سأل سائق التاكسي عنه أجابه مسجد الإمام الأعظم أبو حنيفة النعمان هذا الاسم سمعه الزاوي من قبل عندما عقد قرانه على ابنة خاله ” صابرة ” حيث ذكر المأذون اسم ” أبو حنيفة ” ولكن الوقت غير مناسب لتذكر أبو حنيفة أو غيره المشكلة في جبرائيل الثاني وهل هناك اثنان بهذا الاسم وماذا سيفعل به وكيف سيقابله، وهل سيكون بجمود وغلظة جبرائيل الأول؟ لقد كان المصريون على حق عندما حذروه وطالبوه بالابتعاد عن هؤلاء قالوا له أنهم يتبعون حاجة اسمها ” شئون العرب ” مباحث! وهو لم يدخل طوال حياته مركزا للشرطة إلا عند استخراج البطاقة الشخصية وكان مدخل السجل المدني منفصلا عن مدخل المركز جاء بقدميه ولا وقت للتراجع لقد سعى هو إليهم وسعوا هم إليه المشكلة ليست أخطر من مشكلة ابنه المختفي ” فرج ” و ” المحتاج يركب الصعب ” توقف التاكسي ودخل بناية أكثر فخامة من بناية حي الوزيرية.
لم يدق قلبه على الإطلاق هذه المرة، فقد مات قلبه تماما نفس الدور الدور الثالث ونفس الاسم جبرائيل عبد الجبار الحجرة أوسع والمكتب أرحب أمامه مقعدان وطاولة منخفضة وصورة صدام اكبر وستائر غامقة اللون أو سوداء تحجب ضوء العصرية قام الرجل لاستقباله متحركا من مقعده ليأخذ بيده ويجلسان في مواجهة بعضهما على المقعدين المواجهين للمكتب، أهلين وسهلين يا ألف مرحبا وابتسم وإضافة بالمصرية ” خطوة عزيزة “! انه يعرف الابتسامة وليس مثل جبرائيل الأول الشاي فيما يبدو واجب الضيافة الأساسي وبعد أن قدمه له وبنفسه سأله إذا كان يرغب في أي مشروب آخر قهوة أو ليمون وقام إلى مكتبه ليفتح واحد من الأدراج ويخرج عدة علب من السجائر أنواع مختلفة ويطلب منه أن يمد يده ليختار ما يدخنه وأضاف له أن المعسل ممنوع من دخول هذا المبنى حديثه ناعم ودود والزاوي لا يرتاح للنعومة أو الود الزائد.
عيناه على السيجارة التي التقطها الزاوي ومن أي نوع مصري أم عراقي أم أجنبي وضع سيجارة كيلوباترا بين شفتيه وأسرع جبرائيل لإشعالها له ” حاضرين! ” ربما يكون معنى الكلمة بالمصرية ” أي خدمة ” أخذ النفس الأول ولم يخرج من فمه أو أنفه دخان على الإطلاق الدخان دخل في بئر الزاوي العميق باغته وسأله عن كيفية قضاء الوقت مع ” أبو طه ” الكل هنا فيما يبدو يباغت ويسأل وقبل أن يجيبه أوضح له أن خمس عشر دينارا في الشهر مشاركة في إيجار حجرة ليس قيمة كبيرة وأن ذلك هو السعر السائد في الأحياء الشعبية ببغداد وسأله عن مقهى ” شمس الكرخ ” مضيفا أن الجرسون الذي يعمل هناك ” حرامي “! وضحك بلا صوت!
الزاوي يتضاءل في المقعد وينكمش فقد شعر انه رجل من زجاج لا يخشى الكسر بالطبع، فقد كسر مرتين من قبل المرة الأولى منذ خروجه من قريته هربا والمرة الثانية منذ أن انقطعت أخبار ” فرج ” شعر انه رجل من زجاج وأن جبرائيل هذا ينظر إليه فيرى ما بداخله عادت دقات قلبه للخفقان سريعا مرة أخرى وجبرائيل يحرك عينيه بعيدا عنه بعض الشيء ثم يركزها فجأة في عينيه وعلى صدره لم يجد علي الزاوي نفسه في موقف كهذا من قبل وعليه الصبر، سأله إذا كان قد وجد عملا أو لا حمد الله انه لم يعرف ما دار بينه وبين إبراهيم الحلي العطار، إلا أنه لحق سؤاله بسؤال آخر عن مدى معرفة الزاوي بالعطارة!. وقف جبرائيل ناهضا على قدميه فجأة وطلب جواز سفر علي الزاوي، فقدمه له بثبات فما زال لديه بقية من الشجاعة أو بعض ” الاستبياع “.
قلب في صفحات جواز السفر بعدما عاد إلى مقعده وأضاء لمبة صغيرة على مكتبه وسـأل الزاوي عن حقيقة هذا الجواز وإذا كان حقيقا أو مزورا وجد الزاوي نفسه يقسم بالله العظيم أن جواز السفر حقيقي، فسأله عن اسمه إذا كان فعلا يخصه أو انه اسم مستعار، فرائص الزاوي في وضع الاستعداد للاهتزار يبدو انه تحقيق سينتهي بسجنه أو اختفائه مثل المصريين الآخرين وقبل أن يذهب علي الزاوي بفكره بعيدا جذبه جبرائيل إليه مرة أخرى وعاد ليجلس على الكرسي المواجه له ويطمئنه حتى ولو الجواز مزور واسمه هذا غير حقيقي فلا شيء يهم على الإطلاق وسيامله على انه علي الزاوي الحقيقي!
سأله عن مهنته ” الكذب خيبة ” واستمر جبرائيل ينظر إليه ويقرأ البيانات المدونة في الجواز المهنة ” مبلط قيشاني ” ومد يده وأمسك بيدي الزاوي ضغط بقوة على أصابعه قائلا هذه الأيدي لم تعمل أبدا في المعمار أو البلاط يا زاوي أليس كذلك؟ الكذب خيبة فعلا وانهار قبل ممارسة المزيد من الضغوط عليه اعترف بأنه لم يعمل في المعمار أو البلاط ولكن عندما فكر في السفر، كانت مهنته في البطاقة العائلية، انه لا يعمل ونصحه أولاد الحلال بتغيير المهنة ووضع مهنة مناسبة تساعده في السفر إلى العراق، ولم يجد أفضل من مبلط قيشاني وأن الحاج ياقوت جاره وهو يعمل موظف جاء له باستمارة تغيير بيانات وختم له الاستمارة من المصلحة التي يعمل بها، إلا أن موظف السجل المدني في روض الفرج رفض الاعتراف بالاستمارة المختومة وطالب بختمها من التأمينات الاجتماعية والزاوي غير مؤمن عليه ولم يعمل من قبل في أية جهة، إلا أن الحاج ياقوت طمأنه وأفهمه أنها أساليب معروفة لتعقيد الأمور ثم ” تسليكها ” مرة أخرى إذا فتح مخه!
يحكي الزاوي ويحكي وجبرائيل يتظاهر بعدم السماع أو عدم أهمية ما يقوله الزاوي، إلا انه سأله بهدوء كم دفعت في تغيير المهنة؟ حكى الزاوي وتوقف عند المبلغ دفع مائتي جنيه وخمسين كان ابنه فرج قد أرسل إليه حوالة على بنك الرافدين في الدقي ذهب وصرف المبلغ حوالي 300 دولار باعهم قبل أن يخرج من البنك حيث هناك مجموعة من الشباب داخل الصالة يشترون الدولارات بأكثر من سعر البنك دفع من المبلغ مائتين وخمسين جنيها كان ذلك كله على يد الحاج ياقوت الذي ذهب معه إلى السجل المدني في المرتين.
سأله عن مهنته الأصلية قال له كنت مزارعا قبل المجيء إلى القاهرة لدى قطعة أرض إرث وعندما وصلت مصر عملت مناديا أنادي على الأطفال التائهة، وجلجلت الحجرة بضحكة جبرائيل قائلا وقد جئت إلى العراق لتنادي على ابنك فرج! طلب جبرائيل منه بحدة أن يحكي له عن ياقوت هذا، وما هي علاقته به وما هو اسمه الكامل وأين يعمل بالتحديد وهل جاء ياقوت إلى العراق من قبل والأهم كيف تعرف هو على ياقوت أو أن ياقوت هو الذي سعى للتعرف والتقرب منه؟ الأسئلة كثيرة لا يعرف الزاوي من أين يبدأ سهل جبرائيل له المهمة وطلب منه أن يحكي من أي جزء يشاء، فهو ضيف ولن يتركه يغادر المكان إلا بعد سماع كل ما أغلق عليه قلبه، وأمامها الوقت والليل يحب السهر!
الضيافة قد تطول وقد لا يرى أبو طه مرة ثانية والرحلة يبدو أنها انتهت قبل أن تبدأ وجبرائيل لن يتركه يغادر المكان ما لم يتأكد من صدق رواياته وعليه بالصدق لقد سكن بجوار ياقوت في حجرة بمنزل مجاور استأجرها له ابن خاله صفوت في حارة ضيقة متعرجة قريبة من كوبري الصنايع والسكة الحديد بروض الفرج، وظل ما يقرب من ثلاث سنوات وحيدا دون زوجته أو ابنه يقضي وقته في متابعة سكان الحارة من فوق سطح المنزل الملحق بحجرته لفت نظره ياقوت يخرج من الصباح الباكر ويعود مع آذان العصر أفندي من بحري وزوجته فلاحة مكيرة يقولون له الحاج ياقوت وهو ليس بحاج لديه من البنات أربع وابن واحد يتمتع باحترام الناس يحضر معه أحيانا عند عودته عصرا جريدة أو كيس فاكهة أو بطيخة لا يدخل الحارة ويده فارغة ويقضي وقته في المساء مثله فوق سطح منزله، الفرق بينه وبين الزاوي أن زوجة ياقوت تعد له مائدة صغيرة فوق السطح عليها زجاجة منكر خمرة والزاوي يعد المعسل والفحم لإشعال الجوزة بعد ثلاث سنوات تبادلا السلام والتحية.
وقف جبرائيل على قدميه وتحرك ببطء شديدة تجاه النافذة أزاح الستائرالنهار ولي وقدم الليل والزاوي التصق بالمقعد لمح عتمة الليل ولمحه جبرائيل ينظر للضوء القادم من الشارع أخبره أن الليل طويل وعليه الاستمرار ولا داعي للقلق، جاءت امرأتي ” صابرة ” وابني ” نصر ” من الصعيد للإقامة معي – ويحكي الزاوي – حملت في الطفل الثاني وبدأت زوجة ياقوت تتردد عليها كان جلوسهما فوق السطح أمام الحجرة صابرة لم تخبرها عن مسقط رأسها بالتحديد كما أكدت عليها العلاقة استمرت بين النسوان إلا أن الزاوي لم يقم بزيارة ياقوت في منزله على الإطلاق. جاء مناسبة دينية موسم نصف شعبان أرسل ياقوت كبرى بناته إلى الزاوي تطلب حضوره لوالدها إلا انه تعلل بأنه في انتظار ضيوف.
نادى عليه ياقوت من فوق سطح منزله وأخبره إذا جاء الضيوف من الممكن أن يغادر وعندما جاءه أوضح له معرفته بحجة الضيوف فهو يعلم أن الزاوي لا أقارب له ولا معارف ولم ير له أهلا طوال الخمس أو الست سنوات التي أقام فيها بجواره. حديثه جميل طلب منه مشاركته في الطعام ومشاركته في الشراب امتنع عن الشراب فهو لم يذق الخمر طول حياته، إلا أن ياقوت حكي له عن أخته التي لم تكف عن البكاء بعدما خرج أبنها الصغير من المنزل صباحا ولم يرجع حتى وقت جلستهم تلك وطلب منه أن يخرج للبحث عن الطفل في الحواري المجاورة عمره أربع سنوات يرتدي جلبابا وشعره أصفر وانطلق الزاوي في الحواري يبحث عن الطفل التائه في أقل من ساعتين عثر عليه وعاد به إلى ياقوت أعطاه خمسين قرشا أول مبلغ اكتسبه في القاهرة وبعدها احترف مهنة البحث عن الأطفال التائهين واستعار النداء الذي سمعه منذ أن كان صبيا ” يا دليل التائه يا عدوي ” ولا يعرف من هو عدوي هذا!
من وقت لآخر كان يجالس ياقوت ولا يذهب إليه إلا إذا طلبه وألح في الطلب ولم يشاركه أبدا في الشراب. توقف الزاوي حرك جبرائيل إصبعه بحركة دائرية يطلب منه الاستمرار في الحديث كان ياقوت دائم إطلاق النكات على الصعايدة، إلا أن الزاوي لم يجد فيها ما يجرح كرامته وكان يطلق الشائعات عليه إلا أنها كانت مصدر رزقه فلا يختفي طفل من الحارة أو الحواري المجاورة إلا ويذهب أهله إلى الزاوي بناء على نصيحة الحاج ياقوت وحدد لنفسه أجره مقابل هذا العمل عشرة قروش عند الاتفاق وخمسة وعشرون قرشا ” حلاوة ” عند العودة بالطفل وقروش الاتفاق العشرة أهم من الحلاوة فقد يعود الطفل لمنزله دون عثور الزاوي عليه وبذلك تكون القروش العشرة قد دخلت جيبه ولا تخرج الحاج ياقوت كان يقول إن الزاوي يسرق الأولاد نهارا ثم يعيدهم ليلا بعدما يدفع ذوويهم المطلوب، وسارت الأمور النساء تلدن والأطفال يتوهون والرزق لا ينقطع من خلال ياقوت الذي يمتلك المنزل الذي يقيم فيه، تعرف الزاوي واقترب من بقية سكان الحارة.
بطالع جبرائيل مجلة في يده، لمح الزاوي أن بهاء نساء عاريات وفي يده الأخرى ” سبحة ” مدلاة ملفوفة حول معصمة يبدو انه لا يستخدمها في التسبيح والزاوي يحكي وجبرائيل ينصت أحيانا باهتمام وفي أحيان أخرى يبدو وأنه لا يكترث على الإطلاق بكلام الزاوي، اسم ياقوت كاملا لا يعرفه وظيفته لا يعرفها كل ما يعرفه انه موظف المصلحة التي يعمل بها، يعرف أنها في ” السبتية ” في بولاق ربما الكل يطلق عليه اسم الحاج ياقوت إلا انه لم يحج إلا بعد بلوغه سن المعاش وحصوله على مكافأة اسمها نهاية خدمة. أخذ زوجته وسافر الحجاز وعاد وقد أقلع عن الخمر وتدخين السجائر!
وضع جبرائيل المجلة على الطاولة الغلاف عليه امرأة بيضاء مثل الشمع في وضع غريب وعارية تماما مثلما ولدتها أمها جاء الدور على جبرائيل للحديث نهض ليربت على كتف الزاوي المهم حمد الله على سلامته! جبرائيل عرف ما هو ياقوت ويريد الزاوي أن يعرف من هو جبرائيل المسافة بين الفكرة والنطق بها أسرع لدى جبرائيل الذي يقرأ مخ الزاوي وكأنه كتاب مفتوح مرحبا بك في “قسم شئون العرب” الأمور اتضحت وانبرى جبرائيل يتلو ما هو قسم العرب وكأنه يقرأ من القرآن، مهمة هذا القسم السهر على رعاية إخواننا العرب الذي يأتون للعراق من كل مكان وتسهيل إقامتهم وحل مشاكلهم ومساعدتهم إذا أمكن إن كل من يدخل العراق عليه أن يرجع قسم شئون العرب في الحي الذي يقيم فيه خلال مدة أقصاها أسبوعين.
ثقب جبرائيل عيني الزاوي بنظراته وسأله عن المنزل الذي يقيم به في روض الفرج وأصحابه وعلاقته بهم، الإجابة لا تحتاج إلى ضغط أو جهد، استأجر له ابن خاله صفوت حجرة فوق السطح لدى امرأة عجوز، لها اسمان ” زكية الطرشة ” و” زكية أمانه ” الاسم الأول يعرف سببه، فهي لا تسمع على الإطلاق وكان يخرج ويدخل من المنزل، لا تشعر به ولا تسمع وقع أقدامه قال له صفوت أنها طيبة، إلا أنها كانت جشعة، عندما قرر أن يستغل جزءا من السطح، طلبت رفع الأجرة ورفعتها أكثر من مرة ووصل الإيجار الشهري خمسة عشرة جنيها، أما اسمها الثاني ” زكيه أمانة ” فالسبب أنها ليست أمينة على الإطلاق، تتعامل مع اللصوص والحرامية يخفون عندها المسروقات أي يضعونها عندها ” أمانة ” سمع هذه التفاصيل عندما تشاجرت معها امرأة بالحارة وهددت بفضحها وقامت بفضحها بالفعل وذكرت أشياء أخرى من هذا القبيل.
يكاد الزاوي أن يتوقف ويدق له جبرائيل بإصبعه على المكتب يطلب منه الاستمرار كانت زكية أمانة حرامية أيضا، عندما تسقط دجاجة من فوق السطح لا يجد لها أثرا ويعثر بعد عدة أيام على ريشها في صندوق قمامة ” زكية أمانة ” وقد جاءتها الشرطة مرة واختفت عدة أسابيع من حجرتها الضيقة في مدخل المنزل، ولم تفسر لأحد سبب اختفائها أو سبب طلبها في مركز الشرطة اعتادت الخروج مع أذان الفجر والعودة قبل العاشرة صباحا الحارة في هذا الوقت لا يسمع فيها ” صريخ ابن يومين ” تدخل حجرتها ولا تخرج منها إلا عصرا تجلس أمام المنزل ويتحدث الكل أمامها بلا خوف فهي لا تسمع ركز على الزاوي على جملة ” لا تسمع لا تسمع ” فأكد له جبرائيل انه يسمعه تماما وسيحدثه بكل أمانة!
سأله جبرائيل عن عدد أولاده وسلمه بطاقة تموين كتب عليها اسمه يصرف بها كل السلع الأساسية من جمعية استهلاكية في شارع الرشيد تحت ” البواكي ” في مواجهة المدخل الرئيسي ” للمربعة ” وطلب منه أن يستمر في الإقامة مع أبو طه وان يقول انه جاء للبحث عن ابنه ” فرج ” ويوزع صوره كما يشاء وحذره من مقابلة سعيد النظيف في الوقت الحالي وأخبره انه من الممكن أن يجدوا له عملا ولكن عليه أن يبحث هو بطريقته وطلب منه التجول في بغداد قدر المستطاع ليحفظها ويحفظ شوارعها وحواريها وأحياءها وأفهمه أن لن يمسه احد بسواء هنا في العراق حتى وإن كان هاربا من ثأر. توقف جبرائيل عند حروف كلمة ” ثأر ” وتجاهله الزاوي! ووقف على قدميه ودس في يده مبلغا من المال ونصحه بالمرور من وقت لآخر على مكتب جبرائيل عبد الجبار في مكتب ” الوزيرية ” ولا يخبر أحدا على الإطلاق بهذا اللقاء صافحه إلا أن جبرائيل ظل ممسكا بيده عدة ثوان!
” انزاح ” عبء ثقيل من على أكتاف الزاوي كان ينتظر هذه اللحظة بفارغ الصبر مثلما انتظر عودة شمل أسرته ومجيء ” صابرة ” وابنه نصر انتظرهما ما يقرب من ثلاث سنوات وتقابلوا بعد فراق واجتمعوا بعد بعاد ولم يطل انتظاره هذه المرة بعد أقل من يومين اصطاده قسم شئون العرب وخرج أكثر قوة لقد عصره جبرائيل عصرا وأخرج هو طواعية كل ما كان يخفيه ويخيفه وما لا تحرقه النار تزيده صلابة وقد شعر بقرب الانفراج! المبلغ الذي في يده عربون شغل وليس لوجه الله يذكره بما دسته في يده ” صابرة ” قبل مغادرته القرية وما تركه له ابن خاله صفوت في القاهرة قبل أن يتركه وحيدا في بحار الخوف والعذاب
يا دليل التائه يا عدوي.

( 7 )
هـ
هنا أشياء يطول انتظارها ولا تأتي وأشياء أخرى يتشوق إليها المرء إلا انه لا يحصل عليها إلا بعد أن يكاد يفقد الأمل انتظر ” صابرة “. ثلاث سنوات وآخر كلمة قالها له صفوت في القاهرة أن ” يصبر ” فموضوعها يحتاج تخطيط وخروجها من البلد والإقامة معه في مصر يحتاج تدبير، خاصة وأن عيون أهل القتيل لن تغفل عنها، فهي الخيط الذي سيؤدي إليه وهي الطعم الذي يسقط به وهي الشبكة التي سيصطادونه بها، ” صابرة ” تأتي في المقدمة هي والطفل ” نصر ” وبعدهما الأم ” نصرة ” والتي قد لا تقدر على وجع البعاد وتخرج من البلاد وتذهب إلى الزاوي في المكان الذي اختبأ فيه والمطلوب مراقبة ” صابرة ” و ” نصرة ” خاصة وأن عائلة القتيل قد أعلنت عن عزمها على الثأر من ” علي الزاوي ” وحده وقالوا أنهم لن يمسوا أهله ولن يقتربوا من طفله ” نصر ” المطلوب علي الزاوي لا أحد سواه تحللت الأسرة من عبء الثأر إلا أنها لم تتخل عن مسئولية رعاية الزاوي وتوفير الدعم له والتمويه بقدر المستطاع وإن طال الأمد.
كان صفوت ابن خاله خيط الوصل بينه وبين القرية وأعمامه وأخواله وزوجته وأمه كان يسافر إليه كل شهرين أو ثلاثة يقضي معه ليلة الخميس ويغادر الجمعة ليلحق بمدرسته لا يأتي محملا بشيء من إنتاج الصعيد يكتفي بشراء بعض الفاكهة قبل دخوله الحارة ويظل يحكي أخبارا وقصصا عن القرية وأهلها لم تنقطع الأخبار عن الزاوي فهو يعلم من مات ومن تزوج ومن أنجب ومن اشترى وماذا اشترى ومن باع وماذا باع في إحدى زيارات صفوت له استعرض معه الخطط لتهريب ” صابرة ” من القرية وقال له وأكد عليه ألا يتعجل فنجاح خطة تهريب ” صابرة ” ستطبق على خطة زيارات والدته ” نصرة ” التي بدأت تنتابها نوبات بكاء حاد تبكي على ابنها علي وتبكي على المرحوم زوجها الذي تركها صغيرة شابه ومعها كومة من اللحم علي وأخوته البنات.
الخطة أبسط ما يكون وضعها كبار العائلة وشاركهم صفوت نفسه لقد هرب الزاوي والقرية كلها تعلم أن أخواله هربوه ولابد من إطلاق إشاعة حول ” قلة أصل ” الزاوي وأنه أرسل ورقة طلاق لابنة خاله ” صابرة ” وأنه تركها لحالها بعدما أصبح من المتعذر عليه دخول القرية مرة أخرى دارت الإشاعة وصلت صابرة نفسها وطلبت منها ” نصرة ” التجلد بالصبر. الصبر نصيحة مرة في الصعيد الكل يتجرعها رغما عنه بعد فترة رحلت إلى بيت أبيها في دمنهور وقيل إن والدها ” ضاحي ” قرر أن يزوجها هناك وانه منذ البداية كان لا يرغب في تزويجها لابن أخته في الصعيد، فالبنت لم تعش هناك بل ولدت وتربت في بحري وكان من المفروض ألا يعيدها مرة أخرى للصعيد، إلا أن أخته أصرت على إتمام الزواج والفاتحة قد قرئت وهم صغار وقد أجل ضاحي الزفاف أكثر من مرة ولسنوات بحجة صغر سنها وافق في النهاية مرغما وزفت إليه في القرية.
الفقر مؤسسة قائمة بذاتها في الصعيد رصيدها الوحيد ” الحكاوي ” والناس لا تشبع منها. صدقت ” صابرة ” أنها طلقت وأنها ستغادر إلى منزل أبيها، فهي لم تعد في حاجة للإقامة في دار الزاوي، كما أن علي نفسه لم يعد يلزمها بعدما فرط فيها وأرسل إليها ورقة الطلاق خرجت ” صابرة ” من القرية في حضنها قطعة من علي الزاوي وتشيعها نظرات النسوة فقد تم اتخاذ قرار سفرها، وحدد موعده في منتصف اليوم لتراها القرية كلها وجاء أبوها واصطحبها إلى محطة السكة الحديد في سفرية لم تشاهد بعدها القرية مرة أخرى.
مع كل زيارة يضيف صفوت لعلي الزاوي بعض التفاصيل أقامت صابرة في دمنهور وانقطعت علاقتها بالقرية، إلا القرية لم تنقطع علاقتها بها وخاصة أهل القتيل الذي ضاع أملهم في العثور على الزاوي بعدما انقطعت علاقته بصابرة. سافر احد أفراد أسرة القتيل إلى دمنهور بعد عدة شهور ليتأكد من رواية طلاق البنت واستعدادها للزواج من آخر وعاد ليؤكد صحة الرواية إلا أن البنت أفضل من الزاوي ” وأصيلة ” عنه رفضت عروض الزواج القصص لا تنقطع في القرية والنار تشتعل في قلب أم علي الزاوي ” نصرة ” رغم علمها أن كله من خطة الخداع والتي يجب أن تستمر إلى أن يأذن الله بجمع شمل أسرة الزاوي مرة أخرى.
لم تقدر ” نصرة ” صبرا على مغادرة وفراق ابنها علي وبعاد حفيدها ” نصر ” قررت السفر إلى دمنهور وحدها فقد سافرت إلى هناك أكثر من مرة لم تكن وحدها كان هناك من ” يرقبها ” استمرت في زيارتها أسبوعا وعادت للقرية وأشيع أنها طلبت من ” صابرة ” أن تتزوج فعلي أبنها وصابرة أيضا ابنتها الحواديت كثيرة وصفوت ينقلها له كما هي ويطلب من الزاوي الصبر فعندما يحين الوقت سيجد زوجته صابرة وابنه نصر يطرقان عليه باب حجرته وهو معهما فهو الوحيد الذي يعرف مكانه بالقاهرة ويدعو الزاوي الله أن يقرب البعيد، طال انتظاره سنوات ثلاث سنوات ووجد بالفعل زوجته صابرة وابنه نصر يسير بجانبها وأمامها خاله ضاحي وابن خاله صفوت، انتظر طويلا وبعد أن كاد يفقد الأمل تحقق المراد ها هو لم يطل انتظاره فقد مد يده لقسم شئون العرب أو أنهم بادروا وقدموا أياديهم وبها مبلغ أحصاه مائة وخمسين دينارا، عربون شغل وليس بالطبع ” عربون محبة “! ولكنه لن يتعجل لماذا أهدوه مثل هذا المبلغ! سيعود إلى أبو طه ويبلغه انه عثر على عمل بمنطقة ” علاوى الحلة ” وأنه سيواظب عليه مع بداية الشهر الجديد ومن الآن سيتجول في بغداد دون خوف ويقترب من الناس دون تردد ويبحث عن ابنه علانية ويبحث عن الغائبين الآخرين، فقد اتفق على ذلك مع جبرائيل ولم يكن وحده فقد شهدت هذا الاتفاق صورة الرئيس صدام الضخمة المعلقة فوق رأس جبرائيل وأهله!
من منطقة الأعظمية حتى شارع الرشيد ومدخل ” المربعة ” اختلفت وجوه الناس في عيون الزاوي عما رأه أول مرة الوقت ليل والجو صحو وانقطع المطر ولمعت الشوارع والسيارات وأوراق الشجر المحلات لم تغلق بعد إلا أن الحركة بطيئة تختلف عن حركة الصباح، الناس أنهكت، عائدون إلى منازلهم بعد يوم عمل طويل وشاق، فالكل هنا يعمل منذ الصباح إلى ما قبل انتصاف الليل والكل فرح بما يكسب وفرح بما يدخر وفرح بما يلبس وما يأكل والبعد عن الأهل ليس بمشكلة محلات كثيرة وضعت أرففا صغيرة بجانب المدخل عليها تليفون وقائمة بأسعار المكالمات إلى مصر القاهرة غير الإسكندرية وبحري غير قبلي قرأ يافطة معلقة بمدخل مطعم تقول اتصل بالقاهرة بعد الثامنة مساء بتخفيض، أخرج من جيبه ورقة مدون عليها رقم تليفون الحاج ياقوت وطلبه مكالمة وزف بشرى وصوله إلى بغداد سالما وطلب منه أن يرسل تحياته لأم نصر وأن يخبرها انه سيتصل كل خميس في العاشرة مساء تقريبا وسأل الحاج ياقوت إذا كان يرغب هو أو بناته في أي شيء من بغداد وتعلم أن ينهي حديثه مثل العراقين بجملة ” في أمان الله “.
ندما اقترب من الحجرة وجد الباب مواربا وأبو طه قد افترش الأرض ويكاد القلق يقتله، تأخر الزاوي أثار حنق أبو طه، فهو قادم جديد لا يعرف بغداد نعم لا احد يفقد الطريق فيها، إلا أن هناك من يعتدون على المصريين في الشوارع والطرقات يقولون هذا أصيب بطلق ناري خطأ وذاك دهسته سيارة والناس هنا مثل مصر لا تصدق الروايات الرسمية حتى لو أقسم الحكام على المصاحف، تراث طويل من المخادعة أفقد الناس الثقة، انفعل أبو طه في الزاوي ونبه عليه إذا تأخر مرة أخرى فيجب إبلاغه مسبقا فقد ظن الظنون وشعر انه سيفقد الزاوي أيضا مثلما فقد ابنه، طمأنه الزاوي بان عمر ” الشقي بقي ” فهو لم يفقد الطريق في القاهرة ولن يضيع أيضا في العراق وعاتبه على عدم إغلاق باب الحجرة، فمن الممكن أن يتسلل احد ويسرق حقيبة الزاوي أو يسرق ملابس أبو طه المعلقة على جدار الحجرة، أشاح أبو طه بيده مبتسما ومستنكرا واستعرض خبرته في شئون العراق وأهله خبرة الخمسة والستين يوما والتي قضاها كلها في البكاء على ولده طه باستثناء الأمس عندما قابل الزاوي وكان دواءه وشفاهء فقد كف عن البكاء وأدرك أن هناك غيره في هذه المصيبة إلا أنهم أقوى منه وأكثر صلابة.
لا خوف على الإطلاق من ترك المنازل مفتوحة أو المحلات – يفسر أبو طه –العراق به كل أنواع البشر من كل بقاع العالم، إلا اللصوص بها تجار مخدرات وقوادون وتجار عملة وحتى اللصوص الذين يأتون إليها يعلنون توبتهم بمجرد دخولهم، فالمجال واسع لكسب الرزق والشرطة هنا لا تستخدم ورقا أو أقلاما ويبدو أنهم لم يتعلموا من الأساس كتابة المحاضر أو البلاغات، إذا قبضت الشرطة على قواد، فهناك اخذ ورد فالقواد لا يعمل في الغالب وحده، أما إذا ألقت القبض على لص، فنصيبه طلقة رصاص في ظهره أو رأسه وبيان الشرطة جاهز ” أطلقت عليه الشرطة النار لعدم امتثاله للأوامر بالوقوف ” وتحكي قصة اللص ويزيد فيها وعليها ومن هنا كانت توبة اللصوص على أستار بغداد وليس الكعبة ليس خوفا من الله وطمعا في رحمته، استغفر الله ولكن خوفا من الموت على أيدي الشرطة.
أخبره الزاوي برحلته الطويلة منذ خروجه عصرا حتى عودته وأنه تنقل في أحياء عديدة واستقل أكثر من تاكسي وشاهد مناطق لم يشاهدها وقابل أناسا لم يخطط لمقابلتهم قال وشرح وأسهب، إلا انه لم يقل الحقيقة لم يقل له انه قابل جبرائيل عبد الجبار ولم يذكر له ما دار في المقابلة، فقد طلب منه ألا يخبر أحدا ولم يحك له عن قصة المائة وخمسين دينارا، إلا أن بطاقة التموين لا يمكن إخفاءها، فقد ذكر له أن قابل احد معارفه وساعده في استخراج بطاقة تموين له وللأولاد الذين لم يحضروا بعد من مصر وأن هذه البطاقة، ستساعدهم في الحصول على احتياجاتهم بسعر مناسب مثلهم مثل العراقيين تماما وأخرج البطاقة من جيبه وأعطاها لأبو طه وقبل أن يلقي أبو طه نظرة عليها، أضاف له قصة عثوره على عمل لدى محل عطارة كبير بالقرب من موقف الأتوبيس وأنه سيبدأ العمل مع بداية الشهر وحتى ذلك الموعد سيقسم أحياء بغداد ويبحث عن ابنه ” فرج ” وعن ” طه ” وبعد أن ينتهي من بغداد سيخرج إلى المدن القريبة بصحبته وإن لم يستطع السفر معه، فهو سيقوم وحده بالمهمة على أن يدفع أبو طه جزءا من تكاليف السفر! مر بسرعة على جزئية تكاليف السفر تلك، فإذا تقبل أبو طه الفكرة ودفع خير وبركة وإن لم يدفع قد أصبح عليه واجبا وإلزاما منه بالبحث عن طه وانفرجت أساريره فرحا عندما أخبره انه اتصل بالقاهرة وسأل على أم العيال وانه وعدهم بالاتصال أسبوعيا، إلا أنه تظاهر بالموافقة على نصيحة أبو طه بالاتصال بهم مرة واحدة على الأكثر في الشهر تدبيرا للنفقات!
” علاوى الحلة ” مركز العالم بالنسبة للزاوي وقهوة ” شمس الكرخ ” هي البؤرة والمنطلق خط البداية والنهاية، يلف ويدور ثم يعود إليها نادى على الجرسون وطلب إفطارا وشايا وقد شعر في هذا الصباح انه قادر على التهام جمل، فالطريق من المربعة إلى علاوى الحلة وعبور الجسر واستنشاق هواء الصبح طهر صدر الزاوي من دخان المعسل الذي اعتاد تدخينه ليلا مع أبو طه سأل الجرسون إذا كان احد قد سأل عليه، مؤكد على مسامعه عندما حاول أن يتجاهل سؤاله، بان اسمه الحاج علي الزاوي قد يأت البعض للسؤال عليه في هذا المقهى اسمه الحاج علي الزاوي، فهو ليس اقل من الحاج ياقوت ولا أدنى من الحاج سعيد النظيف الذي صدع أبو طه رأسه به من كثرة أحاديثه المستمرة عنه وأضاف للجرسون بضرورة إبلاغه عن أي مصري يظهر في المنطقة يكون قد جاء للبحث عن ابنه أو أخيه فقد قرر منذ اليوم القيام بهذه المهمة بدلا من الناس الغلابة!
توقف على باب المقهى بعض الوقت قبل أن يتوجه إلى الحاج إبراهيم الحلي صاحب متجر العطارة اكتشف أن هناك ” بروازا ” ضخما على جدار المقهى من الخارج معلق فيه صفحات جرائد يتوقف البعض عندها يطالعونها يقرأون أشياء منها ثم ينصرفون لحال سبيلهم، قال لنفسه من الممكن أن يتم وضع صور المصريين التائهين داخل هذا البرواز وأسمائهم وأن يطلب من الذين يعثرون عليهم أو تعاملوا معهم أن أو ممن لديهم معلومات الاتصال بالحاج علي الزاوي في هذا المقهى إلا انه خشي أن يفصح عن رغبته تلك للجرسون قبل مقابلة جبرائيل عبد الجبار ومناقشة الأمر معه انتهى من تناول إفطاره وشايه وألقى بمائة وخمسين فلسا فقط للجرسون أخذها ولم ينطق، لقد علم حقيقته بعدما أخبره جبرائيل عبد الجبار أن هذا الجرسون ليس أمينا ولصا!
الجو اليوم صحو والتمشية في الطريق ومشاهدة الناس بعيون صافية متعة الناس يتحركون فرادي وجماعات لا فرق على الإطلاق بين ملابس الناس في القاهرة أو الصعيد أو بغداد استثناء واحد لقطته عيناه وهو أن هناك رجالا يرتدون سراويل واسعة وفضفاضة ويلفون وسطهم بحزام من القماش بعض هذه الأحزمة من لون واحد والأخرى بها نقوش ورسوم ملونة كما أن طريقة وضع ” التلفيحة ” غير الوضع الذي يعرفه بعضهم شباب صغار السن وآخرون في عمره أو يزيد من هذه النوعية أصحاب محلات يجلسون أمامها لأخذ قسط من شمس الشتاء، يبدو أنهم لا يعرفون أن التعرض لشمس الشتاء ليس صحيا ويسبب أمراض العظام وكانت أمه تحذره من الجلوس في الشمس خاصة في شهري طوبة وأمشير، ولكن أين تباع هذه السراويل الواسعة، فهي تبدو مريحة وناعمة وقد يسأل أبو طه عن هؤلاء الناس وأين سوق الملابس في بغداد عرج على إبراهيم الحلي العطار ألقى عليه السلام وأشار له بأصابعه ثلاثة باقي ثلاثة أيام ويأتي لتسلم عمله لقد مضى من المهلة ما يقرب من ستة أيام، قضاها في التجوال في شوارع بغداد.
الكرخ غير الرصافة رغم أن الفاصل بينهما كوبري ويبدو أن هذا شأن الدول العربية جميعها ففي القاهرة الزمالك غير بولاق ويفصل بينهما كوبري الكرخ ملتقى الناس من جميع محافظات العراق ويبدو أنها ميدان رمسيس ” بتاعهم “. ناس من بحري وآخرون من قبلي وإن ظل الرجال أصحاب السراويل الواسعة يثيرون خياله، فربما يكونوا صيادين، فقد شاهد في التليفزيون بالقاهرة أناسا يرتدون مثل هذه السراويل ويتحدثون بلهجة قريبة من لهجة أبو طه ويعملون بصيد الأسماك وعندما دخل المقهى، راقب الجرسون عيونه وهي ملتصقة على السروال، فانحنى عليه وهمس في أذنه وأعلمه أن هذا الرجل كردي من الأكراد ” بتوع ” الشمال إلا أنهم منتشرون في جميع أنحاء بغداد ولهم مقاهيهم الخاصة وأغلبهم من مدخني المعسل والشيشة. وهم مثل أهالي الصعيد لا يتفاهمون وبينهم وبين بعضهم ما ” صنع الحداد ” قتل وثأر ومطاردة المهم عرف أخيرا أن هناك صعايدة يعيشون في مناطق خارج مصر من شمال العراق وليس من جنوبها كما في مصر.
حفظ علي الزاوي منطقة ” علاوى الحلة ” جيدا المحلات والمقاهي والوجوه الدائمة هناك وأقام علاقات ود مع سائقي الأتوبيسات وقد علم الكل انه جاء إلى بغداد للبحث عن ابنه وقد وزع المزيد من صوره وفي انتظار الرد يبدأ يومه بمنطقة ” علاوي الحلة ” ثم يعبر الجسر عائدا إلى الرصافة أهلها غير وناسها غير يبدو أن أغلبهم من الموظفين باستثناء حي ” المربعة ” الذي يعيش فيه مع أبو طه فهو أشبه بالمستعمرة المصرية يتمشى في شارع الرشيد بعد الوصلة الأولى في البر الثاني الشارع أطول من أي شارع آخر يبدأ من باب المعظم وينتهي بميدان التحرير لديهم أيضا ميدان بنفس اسم ميدان القاهرة حتى شارع الرشيد هذا له ابن في روض الفرج شارع اسمه ” ابن الرشيد ” اقصر قليلا من شارع الرشيد نفسه يمتد من جزيرة بدران إلى ما قبل مزلقان النجيلي الذي يفصل روض الفرج عن منطقة السبتية، شارع ابن الرشيد هذا كان آخر حدود الزاوي الشرقية في مهام البحث عن ” العيال ” التائهة!
المحلات في الكرخ بسيطة وشعبية ورخيصة ويشعر الزاوي أنها مفتوحة لأمثاله بينما محلات شارع الرشيد غاية في الأناقة واجهات زجاجية ضخمة وإضاءة وكل شيء ” مكتوب ” عليه سعره ولا أحد يفاصل أو يجادل في البيع أو الشراء استثناء واحد في شارع الرشيد قرب نهايته سوق مسقوف به كل أنواع البضائع يطلق عليه السوق العربي كل شيء فيه يخضع ” للفصال ” والمناقشة من ” السوق العربي ” ابتاع لنفسه ” تلفيحة ” عربية جديدة، لفها على رأسه ورقبته مثلما يفعل العراقيون فهو لا يعلم متى تنتهي رحلته وعليه أن يعيش حياته سقطت عيناه على بعض الملابس النسائية المحتشمة التي تليق بزوجته ” صابرة ” إلا انه اجل الشراء بعدما عرف سعرها فهي ليست غالية السعر ” ولا تغلي ” على أم نصر ولكن هذا ليس موعد الشراء.
عبر جسر الأحرار للمرة لثانية هذا اليوم عائدا إلى الكرخ حيث المقهى وأبو طه، الذي أبلغه قبل خروجه في الصباح انه سيلحق به في المقهى بعد الظهر لارتباطه بمواعيد بداية الجسر من الناحية الغربية مسجد كبير وفندق اكبر ومن نهايته في الطرف الآخر برج مبنى الإذاعة والتليفزيون، فقد تعلم منذ أن كان صبيا أن يحدد الاتجاهات الأربعة بحري قبلي وشرقي وغربي من يعرف الاتجاهات لا ” يتوه ” في المقهى وجد أبو طه في انتظاره وبصحبته احد سائقي الأتوبيسات الذين وزع عليهم صور ابنه ” فرج ” قبل أن ينطق بالتحية والسلام أطلق صيحته ” يا دليل التائه يا عدوي ” والتي لم يعد يجد في إطلاقها غضاضة في أي مكان السائق فيما يبدو لديه أخبار فهو قادم من محافظة ديالي شمالي بغداد لقد حفظ الزاوي أسماء بعض المحافظات قدر استطاعته وإذا كانت محافظة جبلية أو سهلية فيها نهر أو ليس بها أنهار.
محافظة ديالي تلك تقع على نهر يحمل اسمها ومركزها الرئيسي مدينة بعقوبة وقد قرأ له هذا الاسم مرارا من خلال خطابات فرج حمل آخر خطاب اسم القرية التي تدعي ” الخالصة ” شمال بغداد على بعد نصف ساعة أو أكثر قليلا بالأتوبيس، يقال إن المسافة بينها وبين بغداد لا تزيد عن 30 كيلو متر في ” الخالصة ” تعرف فرج على زوجته العراقية وانتقل للعيش معها والعمل في مدينة عائلتها.
أخرج السائق صورة فرج من جيبه وأعطاها للزاوي، مشيرا انه توصل إلى العائلة التي تزوج فرج إحدى بناتها وهناك الكثير من الناس الذين يعرفون فرج جيدا، أثنوا عليه وعلى أخلاقه وتربيته وشهامته وقيامه بمساعدة القادمين الجدد من مصر ومساعدة أهل القرية أيضا يبدو أن ” الولد ” تغير، فهو في مصر كان مثل أبيه ليس له ” خلطة ” بأحد إلا أن اتساع معارفه كما يقول السائق ينبئ بأن هناك تغييرات حدثت في حياة الولد، الزاوي يسمع بكل حواسه وبدأ العرق يتصبب من جبهته رغم برودة الجو ويستحث السائق أن يحكي بلا توقف إلا انه يرتشف رشفة الشاي قبل كل جملة ينطق بها البنت من عائلة ” هاشم ” واسمها ” عامرة “.
المعلومات التي جاء بها صحيحة، فقد أخبرهم فرج في الخطاب الخير الذي أرسله وبه صورة العروس أن اسمها ” عامرة ” وها هو السائق يؤكد اسمها عامرة منور هاشم. الكلام صحيح إلا انه لم يأت بجديد، تداخل أبو طه وسأل السائق إن كان قد عثر على احد يعرف ” طه ” رشف رشفة شاي بصوت عال ولم يكترث بسؤاله واستمر في توجيه حدثه إلى الزاوي، الأسرة أسرة البنت انتقلت كلها من المكان رحلت إلى مدينة أخرى، لا يعرف احد على وجه التحديد قبلتهم، بل تضاربت الأقوال ناس تقول رحلوا إلى السليمانية آخرون يؤكدون أن أسرة البنت نقلت تجارتها إلى مدينة الحلة وهناك مصريون أكدوا أن هناك شخصا يدعي فرج على محمد يوسف ولا يعرفون لقب الزاوي على الإطلاق – قد سافر إلى الناصرية واتصل بهم تليفونيا من هناك طلب الزاوي من السائق أن يعيد على مسامعه أسماء المدن الثلاث بشيء من الوضوح والهدوء السليمانية الحلة الناصرية.

*مصر

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق