ثقافة السرد

أنا والأمير.

فاضل العباس*

لم يفارقني الامير مذ دخلنا سويّةً المدرسة الاساسية التي لا تبعد عن سكني الا بضعة امتارٍ، في حي بَنَتْهُ الحكومة للعوائل المتوسطة الحال، كان ملُازماً صحبتي .جسد نحيل تستره بصعوبةٍ ملابس رثةٍ يحملُ راساً صغيراً غارت عيناه ،وبرزت عظام الوجنتين ولا أعرف سر تعلقي الشديد به ،فقد كنا رفقةَ الدرب والمدرسة والبيت.
الشتاء مؤلما له. يدثر عظامه بين ثياب مقطعة الازرار ويدس يداه المتشققة من الجفاف، والبرد والاوساخ، المتراكمة فوقها في جيوبٍ، ممزقةٍ تبرز منها اطراف اصابعه ،ورغم حالي المتوسط الا اني كنت أحنو عليه واشاركه ما املك.
كان والديَّ أشد حباً له مني ،يفتقدونه بالغياب. فعندما قررت ادارة المدرسة اقامة رحلةٍ نهريةٍ على متن المراكب، التي تحمل الرز والتمور من القرى التي تتوسد النهر الى المدينة تعذر الامير عن المشاركة فيها متعذراً بانشغاله بمساعدة ابيه الفلاح في حديقة بلدية المدينة .
وبلا تردد دفع والدي اجور الرحلة لكلينا،
أبتسم الامير لذلك بعينين كحل اطرافهما الصديد.
وعند الموعد جلب الامير بيضتان مع قرص من الخبز غداءً للرحلةِ وطلبت منه ان يضعهما مع غداءي لنتناوله سويةً.
وبنشوة الصغار وكلمات السخرية والمرح والضحك البريء، تناولنا غداءنا وابتدأت بإحدى البيضتين واضعا الجزء الاكبر من الطعام امامه، لأكسر حاجز التفاوت في متاع الرحلة بيننا.
عند مساء العودة كان المرفأ يضج بصوات الاهل الذين تجمعوا لانتظار صغارهم ،وبينهم والديَّ ولم يكن للأمير من ينتظره وتطوعنا بتوصله الى كوخه.
رحلت بنا السنيين اكملنا الدراسة الاساسية معاً ثم انتقلنا للثانوية والامير جنبِي على خشبة المقعد الدراسي خطوة بخطوة.
تغيب الاميرذات يومٍ عن المدرسة دون أخباري ولا اعرف السبب وطال غيابه ليومين،
ذهبت الى الكوخ لأجده فارغا. اخبرني حارس الحديقة انهم ارتحلوا الى اعمامهم في مدينة اخرى.
حزنت كثيرا ولا اعرف كيف الوصول اليه او عنوانه او الاسباب التي دعتهم لاتخاذه هذه الخطوة.
بقت ملامح وجه، وكلماته ،وضحكاته تمتعني او تبكيني واشتاق اليها ولأيامها .
دخلت البلاد الحرب مع الشرق. انشغل الجميع بمآسيها ،واخبارها المؤلمة وجثث الضحايا الواردة من الجبهات. وكان لجارنا نصيب منها.
فذات صباح حملنا جثته كشهيد لدفنه وكالعادة نتفقد ما حوله وجيرانه من القبور نترحم ونقرأ سورة الفاتحة.
وبذهولٍ وقعت عيناي على قبرٍ مجاور له الشهيد الامير ……نفس الملامح وقسمات الوجه والراس الذي غطته الخوذة العسكرية .انهارَ ما بداخلي، واسترجعت سنوات الرحلةِ والصحبةِ ، بكل ما فيها من فرحٍ مكبوت ٍوحزنٍ و لعنت الزمن والفقر والسياسة والساسة وحروبهم اللعينة . في خريف كل عام تعاد صور الاميرفي ذهني لان الاشجار بلا اوراق تقاوم ريحه وبرده كجسده.

*قاص من  العراق

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

رأي واحد على “أنا والأمير.”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق