ثقافة السرد

الولاعة والرسالة

ناصر الرقيق*

كنت تاجرا ناجحا، بنيت مجدا من لا شيء، خرجت من العدم دون أي دعم، دون مساندة، دون توجيه حتّى، لكنّي بسرعة عرفت الطريق، طريق الكدّ و الجدّ و العمل المتواصل، فرغم أن حظي من التعليم لم يكن كبيرا لكن إصراري على أن أصبح كبيرا في هاته الحياة دفعني للتشبث بأحلامي التي لم تكن كأحلام أقراني بل تعدتها، تجاوزتها، فأحلامي كانت أكبر، أعترف أني تعبت كثيرا لأصل لما وصلت إليه إذ لم تكن رحلتي سهلة لكن مع ذلك واصلت المسير، فالمهم عندي ليس طول الطريق بل الوصول إلى آخره و إن بعد عناء و تعب.
لقد تمكنت من إمتلاك عدد من العقارات في أفخم المناطق و أغلاها، البنوك كانت تتسابق للفوز بتوقيع منّي يحوّل رصيدا من أرصدتي لحساباتها، كما كنت أغيّر سياراتي بإستمرار فأنا مولع بكل جميل، و الأهم من كلّ هذا، أني تزوجت بالمرأة التي أحببت، صحيح أن الله لم يرزقني الأبناء لكن أجدني سعيدا.
و مثل كلّ أصحاب الأعمال، كنت كثير السفر و في أحيان كثيرة أقضي أياما متواصلة خارج البيت.
لم تكن زوجتي تهتم لغيابي، لم تكن تهاتفني، الآن فقط إنتبهت لذلك، الآن فقط أتساءل لماذا؟
لم يخطر ببالي أن أطرح على نفسي سؤالا كهذا قبل هذا الوقت، لكني الآن أتذكر كلام أبي حين قال لي ناصحا،
! – بني لا تركب مهرة أنت لست فارسها
: أجبته حينها بإستهزاء داخلي
– و لكني فارس إمتلأت جيوبه بالقمح الذي تهواه كل مهرة
ضحك أبي و أشار برأسه في حركة دائرية حتى تدلّى جزء من لحاف رأسه فوق كتفيه، فبانت بقايا شعيرات بيض مازلن مستشبثات بالبقاء فوق صلعته اللماعة يرشدن عن دهر من الحكمة يقيم داخل تلك الجمجمة، ثم قال :
– و لكن القمح وحده لا يكفي لإشباع المهاري
مضى حين من الزمن و أنا من سفر لسفر أجمع مالا كنت أخاله يعوضني عن دمامة خلقتي لكن الجمال لا يعوضه شيء، فالنفس ميالة بطبعها لكل جميل و أكثر ما يعشق في الإنسان وجهه فهو أجمل ما يرى منه و أجمل ما في هذا الوجه العينان لكني لم أمتلك وجها جميلا و لا عينين جميلتين و حتى أكداس المال الذي جمعتها لم تجعلني جميلا في عينيها.
في يوم أذكره جيدا، أخذت حقيبة سفري و إتجهت نحو المطار، كانت صفقة العمر بإنتظاري لكن في الطريق وصلتني رسالة من رقم مجهول ” مراد عد للبيت، زوجتك مريضة جدا”، لم أفكر لحظتها بشيء سوى بالعودة إليها، كنت أحبها جدا.
كانت الساعة تشير إلي الثامنة و النصف ليلا حين وصلت البيت الذي كانت أنواره مطفأة على غير العادة، أوقفت محرك سيارتي، نزعت المفتاح، دفعت برجليّ و نزلت، تركتها خارجا و لا أدري لماذا فعلت ذلك ؟ وجدت باب السور الخارجي مفتوحا، دفعته و دخلت، سرت في الحديقة الفسيحة التي كانت تفوح منها رائحة القرنفل و الياسمين و النعناع حتى وصلت أمام الدرج الذي لم يكن يضمّ سوى ثلاث درجات مغلفة برخام ساحر، صعدتها بخفة لأجد نفسي أمام باب البيت، أدخلت يدي في جيبي و سحبت المفتاح، وضعته في القفل و أدرته برفق مخافة أن أزعج حبيبتي، فتحت الباب لكنّي لم أتبيّن أيّ شيء، فالعتمة كانت تسيطر على المكان، و الظلام كان حالكا إلا من ضوء خافت لاح لي و هو ينبعث من غرفة نومي، دلفت للداخل و تقدمت بضع خطوات في إتجاه الضوء، كانت عيناي ترمشان بشدّة و هما تطالعان مصدر الضوء و أنفي الذي غدا كأنف كلب حراسة يتشمم الروائح الغريبة بعد أن داعبته رائحة عطر لم يألفها.
هذا ليس عطر زوجتي !
أنا لا أعرف هذا العطر،
هل غيّرت عطرها ؟
تقدّمت أكثر، فزاد غبق العطر الغريب في المكان، لقد تحولت دعابة العطر لأنفي لضيق يكاد يكتم أنفاسي التي تسارعت و إزدادت خفقات قلبي معها حين سمعت أصوات آهات ظننتها أصوات الوجع الذي ألم بحبيبتي، فأسرعت راكضا نحوها لعلي أحمل عنها شيئا من الألم، فتحت باب غرفة النوم كالمجنون لكني تسمرت عنده و لم تستطع قدماي مجاوزته !!
يا لحمقي و غبائي !!
يا لخيبتي !!
تسمرت بعد أن تحوّلت في لحظة لكومة من الرجولة المحطمة، كان أكثر مشهد أرعبني في حياتي، تراجعت قليلا للوراء لاهثا، مقوس الظهر، أكاد أسقط من شدة الرعب لو لا أني إستحضرت ما بقي عندي من القوة.
تمنيت لو لم أعد لأرى ما أرى، بقيت زهاء الدقيقة أو يزيد لم أعد أذكر و أنا واقف عند الباب، أحسست بشيء ما يخزني في أطراف أصابع يدي اليسرى و سرى شيء من البرود في أسفل قدمي لكني مع ذلك بقيت واقفا و لم أسقط، فالسقوط ليست مهنتي، لم أتعوده.
ظننت للوهلة الأولى أنها قد علقت نفسها في خيط الكهرباء منهية حياتها و ليتها فعلت، لكنها كانت مجرد أماني، مجرد سراب مر كوميض البرق في خيالي، كذاك السراب يحسبه الظمآن التائه في صحراء بعيدة ماء، ما أحلى الأماني في هذه اللحظات و ما أصعب الواقع، ما أصعب الحقيقة حين تقف عارية، مجردة أمامنا.
كم كنت مغفلا !
لماذا لم أنتبه لحركة رأس أبي ؟
أبي رجل خبر الحياة، أبي لا يحرّك رأسه و لا يديره إلا لحكمة، لماذا لم ألتقط تلك الإشارة ؟
أنا تاجر إلتقط كلّ الإشارات في السابق لكنّ هذه فاتتني، إنّها الغفلة، إنّه غباء الرجال.
إنتبهت من غفلتي البسيطة التي مرت كأنها السنين الطوال على حركة سريعة من ذلك الغريب محاولا لملمة أدباشه و الهرب من النافذة ربما خوفا من ردة فعلي و لكن أنى لي برد الفعل و قد هزمتني الوقائع و أوقعت بي في هوة سحيقة، في غياهب الذلّ و المهانة !
فبادرته بإشارة من سبابة يدي اليمنى التي كانت تتمايل يمينا و يسارا موحية برفض فعل ما، إشارة سرعان ما إلتقطها و رد عليها بإشارة بكامل يده مبديا تساؤلا مشوبا بحذر و خوف شديدين، أشرت من جديد بحركة من يدي تعني أن إقترب، بدا خائفا و غير واثق من ثباتي.
تواصلت لغة الإشارة بيننا فقد كانت اللغة الوحيدة التي يمكن أن نتخاطب بها في لحظة كتلك، لماذا الآن ألتقط إشارات غريب عنّي ؟ لماذا لم ألتقط إشارة أبي ؟
حين إقترب مني سألته سؤالا واحدا !
من أين دخلت ؟
أجابني و هو يشير بإصبعه إلى الباب
أحسست بأنّ ذلك الإًصبع بالذّات كسيف قاطع رفع في وجهي، كمسدس به رصاصة واحدة إنطلقت نحو رأسي، لا لا !
لا هذا و لا ذاك، هو إصبع القاضي حين يشير بتحويل أوراق أحدهم للمفتي.
توجهت نحو الباب و فتحته ثم قلت له،
– تفضل مع السلامة
لم يصدق ما قلت، هذا ما رأيته في عينيه، فقد ظن أني سأباغته بضربة من الخلف أنتقم بها لكرامتي المذبوحة، لذلك لم يشأ أن يوليني ظهره بل ظلّ يتراجع للخلف في حركة بطيئة و حذرة إلى أن وصل الباب، لكن قبل أن يخرج قلت له :
– عندي طلب
رفع حاجبيه متعجبا !
نعم لا تستغرب، أنت دخلت بيتي دون إذني لكن ها أنا أستأذنك في الحصول على ولاعتك، أريد أن أشعل سيجارة.
أدخل يده في جيبه و مدّ لي الولاعة التي كانت فضية اللون و قد رسمت عليها إمرأة عارية، أخذتها منه ثم أشعلت سيجارة و أخذت نفسا عميقا بعمق جروح نفسي المحطمة.
ذهب الغريب و أغلقت الباب وراءه، ثم عدت لها، وجدتها لازالت على حالتها و كأنها لا تزال تحت تأثير صدمة عودتي غير المتوقعة و ردة فعلي الباردة، لم أكلمها و توجهت نحو خزانة الملابس حيث أخذت ملابس الإستحمام و ذهبت لأستحم.
كنت بحاجة لحمام ساخن جدا يبعث في جسمي شيئا من حرارة الحياة بعد أن دبت فيه إشارات الفناء، كان الماء حارا جدا لكني كنت أستعذب ذلك، مكثت ساعتين على غير ما كنت أفعل ثم خرجت و الماء يتقاطر من شعر رأسي فقد نسيت أن أجففه أو أجفف جسمي، لم أكن أعلم ماذا أفعل ؟ أو ما يتوجب عليّ فعله ؟
مكثت في قاعة الجلوس إلى حدود الساعة الثانية ليلا، دخنت بشراهة لكن ما زاد من ولعي بالسجائر تلك الولاعة فكلما أوقدتها ألهبت نيران قلبي المشتعلة لكني فضلت الصمت الذي خيم على أرجاء البيت و الذي سيكون عنوان المرحلة القادمة.
إنقضت تلك الليلة و مرت بعدها الأيام و الليالي و أنا صامت أحيا مع الولاعة و السجائر، لم أخبر احدا بما حدث، لم ألمها و لم أسع لذلك، بل واصلت العيش كما تعودت، أخرج للعمل كل يوم، أسافر، أعقد الصفقات، أجمع المال ثم أعود لبيتي الذي لم أذق فيه مأكلا أو مشربا منذ تلك الليلة، كنت أعود فلا أكلمها، أجد الطاولة مليئة بما تلذ له العين لكني لم أكن ارى شيئا من ذلك، كنا نجلس معا في قاعة الجلوس و كانت الولاعة لا تفارق يدي فإما تطلق نيرانها لتشعل لي سجائري و إما تلاعبها أصابعي فتطلق صوتا شبيها بفحيح الأفاعي و طقطقة مستفزة جدا تكاد تذهب بحلم الحليم في لحظات سكونه الكبيرة.
مضت سبعة أشهر و نحن على تلك الحال، و في يوم دخلت البيت فلم أجد طاولة الطعام كالعادة، و وجدتها في أبهى حلة لها و قد تزينت و تعطرت بأجمل عطورها و ما أن هممت بتغيير ملابسي حتى قالت لي :
– مراد، أريد أن أذهب لبيت والدي
لم أجبها، بل إكتفيت بإرتداء معطفي من جديد ففهمت أنه ليس لدي مانع.
خرجنا معا، ركبنا السيارة و في الطريق مررت بإحدى المحلات الكبرى حيث إشتريت كما هي عادتي كل الأشياء التي تعودت أن تهديها لأمها و أبيها و إخوتها، ثم واصلنا المسير إلى أن وصلنا.
وجدنا أمها التي إستقبلتنا بحفاوة ثم دخلنا البيت فجلسنا ثلاثتنا و لم يكن غيرنا هناك، تحادثت مطولا مع امها و كانت المرة الأولى التي تسمع فيها صوتي منذ تلك الحادثة، إستأذنت من أمها قائلة بأنها ستحضّر لنا كؤوسا من الشاي، ذهبت و لكنها لم تعد.
طال زمن تحضيرها للشاي فنادتها أمها لكنها لم تجب، فقالت لي سأنظر ما بها لا تجيب، و ما إن وصلت للمطبخ حتى أطلقت عقيرتها بالصياح.
جاءت الشرطة، و إحتشد جمع غفير من الناس و تتالت الأحداث التي لم أعد أذكر منها سوى وقوفي مسقبلا حشود المعزين.
بجانبها وجدوا ظرفا مغلقا كتب في أعلاه ” إلى مراد “، قدموا لي الظرف الذي دسسته في جيبي و نسيت أن أفتحه في تلك الفترة، مرت الأيام و عدت لممارسة حياتي و في إحدى الليالي كنت نائما في قاعة الجلوس بعد أن هجرت غرفة النوم التي كنت لا أقوى حتى على النظر إليها فقد كانت تشعرني بالهزيمة و بخيبتي في هذه الحياة، فرأيتها في المنام تمشي عارية فوق بقايا نار ملتهبة إنطفأت و لم يتبقى منها سوى جمرات غلاظ تحت رمادها الكثيف، كانت تمشي على ذلك الرماد الذي لازال حاميا فتراءت لي و كأنها ترقص من شدة رفعها لساقيها، حاولت أن تسرع لكنها كانت تغوص شيئا فشيئا و قبل أن تغيب في الرماد كانت تنادي بصوت خافت أشبه بصوت غريق يصارع سكرات الموت « الرسالة، الرسالة »، فأنتبهت من نومي فزعا لا أقوى حتى على إبتلاع ريقي من شدة العطش، ذهبت مسرعا لمعطفي الذي كنت أرتديه يوم العزاء، نفضت جيوبه فلم أجد الظرف.

*كاتب تونسي

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق