ثقافة السرد

الرسّام

عادل نايف البعيني

ما زلت أذكره جيّدا، بطوله الفارع، وشاربيه المتهدلين، وتلك الابتسامة الساخرة التي لا تفارق ثغره، وتعليقاته اللاذعة، وقد جلس على الأرض مستندًا إلى جذع سنديانةٍ هرمة، مباعدا ما بين رجليه ينفث دخان سيجارته يرسلها دوائر دوائر، يلاحق دخانها بعينيه الزائغتين دوما. سألته:” كم مضى على خدمتك الإجبارية”. قال:” لا أدري لا أحسب ما مضى، يهمّني ما بقي فقط، بقيَ سنة وأربعة شهورٍ وخمسةٌ وعشرون يوما وأربعُ ساعات، إذا صَدَقُوا بأنّ الخدمة الإجبارية سنتان”. كانت تنتصب أمامه لوحةٌ عملاقةٌ لأحد الضباط نصبت في ساحة عامة، نظر إليها مليّا، سحب من سيجارته نفسا طويلا وعميقا، نفث دخانها مصحوبا بزفرة جارحة:” وأكمل مشيرا إلى اللوحة قائلا:” منذ سنةٍ طُلب منّي رسمه، كان برتبة نقيب؟ استغرق رسمها يومًا وليلةً”.

 

قلت:” ولكنني أراه الآن برتبة مقدّم نسرٌ ونجمة ، و الترفيع عندكم لا يحصل قبل مضي سنتين على الأقل”

رد معقّبا:”هناك استثناءات دائما، لقد جاءني للتو أمر ترفيعه، وها قد انتهيت من ذلك منذ لحظات، الرتب عندنا لا تقاس بالزمن!”

قال لي أشياء كثيرة، وحدّثني عمّا يعانيه، لا أحد ينظر إليه هنا كفنان، هو جندي يؤدي خدمته العسكرية الإجبارية، متنكّبا بدل البندقية ريشته، وبدل الرصاص علبة ألوانه، وعليه أن يسدد رشقاتِه حين يطلب منه ذلك.

قال لي:”في البداية كنت سعيدًا، فقد نلت إجازة على رسمٍ قمت بإنجازه في زمن قصير. لكن بعد أن جعلوا اختصاصي أن أرسُمَهم، أصبحوا ينظرون إلي كجندي يؤدي خدمته الإلزامية ضمن اختصاصه، وهنا كان علي أن أرسم حتى ولو لم يكن لديّ رغبةٌ بالرسم ، بل لا يحق لي أن أرفض، فالرفض معناه محكمة عسكرية، كنت مرغمًا على أن أستمطر الوحيَ والإلهامَ ساعة يشاؤون هم، فلا أغطّ فرشاتي إلاّ حين يريدون، ولا أداعب ألواني إلاّ بأمر قيادي. أعيش وحيدًا مع أدواتي دون أن يسمح لي أن أخاطب الألوان ساعة أشاء، و لا أن أرقص مع فرشاتي على ولادة لوحة جديدة، فالألوان والريشة مثلي مقيّدون بأوامرهم”.

قلت:” ولكنّك ترسم رسما جميلا وبديعا، فهذا الضابط يكاد

ينطق”. أجابني بغيظ مكبوت: ” بل أنقل نقلا جيّدا، لا إحساس فيه، ولا حياة، أنا مجرّد آلة تعمل على الأوامر، لا أستطيع أن أرفض، عليَّ أن أرسم عندما يقولون لي ارسم، لا وقت لديّ للتفكير، لا مكان للوحي، يأتون لك بصورة ثم يطلبون منك ” طبق الأصل” عنها، لذلك لا أحتاج سوى للنظر بين الأصل واللوحة، لهذا أخشى أن ينساني الوحي في غمرة الأوامر، فأفقد ميزتي كفنان”.

وقفت طالبا الإذن بالانصراف قلت له:”هل أراك ثانية يا صديقي”.

ردّ وهو ينظر نحو اللوحة:” تجدني هنا، فأنا لا أستطيع المغادرة لأنني جندي مستنفَرٌ، فقد يرفّع ضابطي في أيَّة لحظة، يجب أن أكون جاهزا لترفيعه”.

عدت من سفرٍ طال سنتين، تذكّرت ذلك الرسّام تحت السنديانة، قررت أن أزوره لعلّي ألقاه كما قال، وصلت مساءً، رأيته هناك بجلسته نفسها، وفرشاته وعلب ألوانه، سلّمت عليه بحرارة، سألته لماذا لا زلت في الخدمة وقد مضت سنتان؟ قال:” إنّها خدمة الاحتياط بقي منها أربعةُ شهورٍ وعشرون يوما وستُّ ساعات”  نظرْتُ للضابط اللَّوحةِ، كان قد

صار برتبة عميد”.

لم يطل مقامي هذه المرة، فافترقنا على أن نلتقي، نظرت وأنا أستدير عائدا من حيث أتيت، نحو اللوحة، كان الضابط يحدّقُ بي بحدةٍ واستعلاء، أنزلت ناظري لمستوى قامتي، فرأيت عشراتِ العيون قد خرجت من مكامنها تحدجني بالحدة ذاتها.

غضضت الطرف، وراحت عيناي تجوبان أديم الأرض، باحثة عن تاريخٍ وانتماء، لم يطل بحثي حتى وجدتني أسيرُ معصوب العينين، وآلاف الحراب تخز ظهري.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق