ثقافة المقال

محمود درويش والقارئ بالرؤوس الثلاثة

د. علي بن تميم*

وفي الصحراء قال الغيب لي:اكتب/فقلت على السراب كتابة أخرى/فقال:اكتب ليخضرّ السراب/فقلت: لم أتعلم الكلمات بعد /فقال لي: اكتب لتعرفها…لقد استوقفتني هذه الفقرة الشعرية من قصيدة محمود درويش كثيرا،وأدخلتني في سياقات ثقافية مختلفة،والفقرة ترد في قصيدة”قال المسافر للمسافر”،وهي تفترض وجود قارئين: الأول ينتمي إلى ثقافة إسلامية،فيستحضر حادثة الوحي ونزوله على الرسول الكريم،والآخر ينتمي إلى ثقافة توراتية؛فيستدعي سفر اشعياء:”وصارت لكم رؤيا الكل مثل كلام السفر المختوم الذي يدفعونه لعارف الكتابة قائلين اقرأ هذا فيقول لا استطيع لانه مختوم.أو يدفع الكتاب لمن لا يعرف الكتابة ويقال له اقرأ هذا فيقول لا أعرف الكتابة”.ويدعي القارئ الأول بأن الشاعر متأثر بالثقافة الإسلامية،لأنه لم ينصت إلى القارئ الآخر،كما يدعي القارئ الآخر بأنه متأثر بالثقافة اليهودية،لأنه يرفض القارئ الأول.ولذلك فالنص بمعزل عن الثقافة البينية سوف يكون أحاديا.وهكذا فالمفترض أن يكون هناك قارئ عتبي،لا ينتمي إلى ثقافة بعينها حتى ينجح في قراءة محمود درويش،قارئ يقع في البعد الثالث،ويمنع الهويات من أن تنقسم على نفسها انقساما عشوائيا.

والقارئ في الفضاء الثالث قارئ عتبي وذو كيان رجراج ومائع ومتحرك في هويته،وذو طبيعة حوارية ومتحولة وواقعة بين بين وعابرة مراجعها وأصولها.ويتأثر درويش بأطروحات مابعد الاستعمار،ويلح باستمرار على فكرة الفسحة- تماما مثلما يؤكدها إدوارد سعيد- التي تتوسط نشاطين:نشاط يصدرعن مؤسسة الهيمنة ونشاط آخر يصدر عن نقيضها، والناقد لا يتحيز لا للهيمنة ولا للنقيض،إنه يتخذ من الفضاء البيني مدخلا من أجل مصلحة الإنسان.ويشبّه هومي بابا هذا المثقف بالسلم الذي يربط بين الطابق العلوي للبيت والطابق الأرضي،فيظل باستمرار غير تابع للجزء العلوي أو للجزء السفلي،وإنما إلى مكان آخر، يسميه الفضاء الثالث.

إن نصوص محمود درويش تقدم لنا مؤلفا يكتسب وجوده عن طريق الآخرين،ويفعل ذلك رغم أنه واع بذاته ووعي الذات والانتباه إلى الأخطاء والسقطات يؤكد ما يعرف بالميتاشعرية،ودور الناقد هنا هو وعي الذات عند القراءة من أجل تلافي الأحادية.ولكن كيف يقوم الناقد هنا بمهمته؟للإجابة عن هذا السؤال استفاد إدوارد سعيد من ريموند وليامزالذي يرى أن سيادة منظومة اجتماعية ما ترتبط باصطفاء بعض الأنشطة،وتستغرق فيها،وهي في استغراقها تقوم بعزل أنشطة أخرى؛لأنها لا تستطيع أن تغطي كل الأنشطة التي تهيمن عليها،فهي لذلك تتضمن فسحة أو شاغرا، وتتيح مجالا للأفعال البديلة والمقاصد الأخرى،أي أنها لا تستطيع أن تظهر بوصفها مؤسسة اجتماعية أو حتى مشروعا شاملا؛ولذلك–كما يرى إدوارد سعيد– فالنقد يدخل إلى المجتمع المدني من خلال هذا الشاغر أو الفسحة التي أشار إليها ويليامز،وبعد أن يدخل النقد يقوم بمهمته لمصلحة البشرية.

ولم تعد الشعرية التي تعتمد على الأنا المتعالية موجودة عند محمود درويش،إنه يتعمد أن يدمّر أنانية الإنسان،ومركزيته وأبراجه العاجية،فيظهر الآخر مكتسحا الذات في الصورة الشعرية،في حين أن الذات رغم حضورها الطفيف إلا أنها موجودة ويمكن متابعتها عن طريق الآخر،ورغم حضور الذات/ الضحية حضورا خافتا،إلا أنها قادرة على إعادة تشكيل الآخر/الظالم.وهنا يهمس درويش باقتراح جماليات شعرية أخرى، تقاوم المركزية الأوروبية المبنية على (كوجيتو ديكارت) : “أنا أفكر، إذن أنا موجود”،وكأن ديكارت لا يعترف بالآخر،لكن محمود درويش يقوّض الفكرة الجوهرية هذه وينسف المركزية الأحادية،ليؤسس طريقة مختلفة في التفكير، تتجلى في قوله:”أنسى من أكون لكي أكون، جماعة في واحد…”.

وأخيرا، أفترض وجود قارئ من نوع خاص،قادر على أن يتشكل على صورة الضحّاك الذي بنى مدينة بابل كما يذكره ياقوت الحموي في معجم البلدان،كان له ثلاثة أفواه وست أعين،هذا القارئ قادر على أن يقع بين الثقافات، لرؤوسه الثلاثة التي تجعله مستعدا للتحدر داخل المنطقة الغريبة،المتأسّسة على التهجين الثقافي،لأنه يبزغ بوصفه آخرا لنفسه،تماما مثلما يفعل محمود درويش..

*ناقد من الإمارات.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق