ثقافة النثر والقصيد

” خوالي ” في تونس

ابراهيم مالك

في تلك اللحظة وجدتُني كعادتي في الصغر
أفترش الأرض المرصوفة بحجارة فينيقية قديمة
دافئة الملمس كصخر بلادي
عند الميناء في عـكـّا القديمة
أوزِّع النظر بين برج الساعة المنتصب قبالة خان العمدان وبين الخان ،
فأسأله بنبرة واثق :
متى سَتحين ساعة ؟!
وقد رُحتُ أتأمل جِياع هذه الأرض ،
ناصِتا لأبي ذرٍّ صاحِبي ومُعَلِّمي ،
وكان يُغَنّي موجوعًا ومَسْرورًا
على إيقاع ذبذبات نغمِ طبلةٍ تونِسِيَّةٍ
آتيةٍ من هناك .
****
رأيتني وقد شُبِّهَ لي أنّي أهبُّ واقفا
مُنتصِرًا على عَجَزي العَقْلي والجَسَدي
اصعد إلى مقهًى في ” أبو سعيد ”
مُطِلٍّ على بحر ،
هو شقيق بحري ،
لأشرب فنجان شايٍ أخضر ،
هو خليط من زهورِ الفل التونسي وحَبِّ الهان ،
لأصير بعدها قطرةً من مَوْجٍ متدافِعٍ
بحثا عن رغيف كرامةٍ
إنسانيةِ الملامح
فأشارِك الموجَ رقص الفرح الغاضب
يحركه نبضُ حياة .
****
في تلك اللحظة ،
حَضَرَني وجهُ أمّي المُكتنِزُ بِشرًا والطافِحُ بأمَلِ حَياة
وقد راحت تهزُّ سريري مغردة بلحن حنينٍ قديم :

” يا لْقـَمـْرَه الضاوْيَه ،
إضوي على خْوالي
وخوالي في تونس ،
وِعْشاهُمْ بَركوكشْ
إضوي على بَيْ وِعْجوزتو
وْخَيْ وِعْروستو
وعلْ كلبْ فوقِ السنْسِلة
والزيت في الخابية
يا لْقمْره الضاويه !
****
يا قمري الأشبه برغيفِ خُبزٍ ساخنٍ
معجونٍ بذوب ماء حياةٍ
كم تفرِحُني طلتك المنعشة
وكم وددت
لو أشاركك الرقص الواعد في الطرقات المتربة
لتظل منيرا
تنشر ” عـَدْواكَ ” في سماء بلادي ،
فيعلو في فضائها صوت معلمي ، أبي ذرٍّ :
أعجب ممن لا يجد خبزا فوق مائدته
ولا يخرج شاهرا عقله وصوته في الأزقة والطرقات .

* ابراهيم مالك كاتب وشاعر فلسطيني جزائري الأصول .

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق