قراءات ودراسات

الثورة والكتابة: كتابة الجداريات واللافتات من نص الثورة إلى ثورة النص[1]

شفيع بالزين*

كثر الحديث في المدة الأخيرة عن الثورة، وهو حديث يبرره الحدث، فلكل حديث حادثة، ولكل مقال مقام. غير أن الحديث إذا كان كله منصبا على نفس القضايا ومطروحا من نفس الزاوية (السياسية) يخشى أن يكون حديثا مكرورا معادا. فهل للثورة أبعاد أخرى غير البعد السياسي؟ وماذا أهم من موضوع إسقاط النظام الاستبدادي والانشغال بمسألة البناء الديمقراطي أي مشروع مجتمع ما بعد الثورة؟ أجل للثورة أبعاد أخرى لا تقل أهمية عن تغيير النظام السياسي وبناء المجتمع الديمقراطي: إنه سؤال الثقافة عامة والكتابة بصفة خاصة، إذ ما قيمة أن نغير النظام السياسي إذا كانت الثقافة والوعي وطرق الكتابة ومضامينها ثابتة لا تتغير؟ وهل يمكن أن نتحدث عن الثورة باعتبارها فعلا إبداعيا غير مسبوق دون أن نتحدث عن الكتابة باعتبارها فعلا ثوريا غير متكرر؟ ألا يستتبع الإبداع في الثورة ثورة في الإبداع؟

لقد اخترنا أن تكون قراءتنا للثورة من هذه الزاوية المخصوصة، زاوية العلاقة بين الثورة والكتابة. وزيادة في التخصيص نهتم بشكل مخصوص من الكتابة هو أكثر الأشكال التصاقا بالثورة وتماهيا مع حركتها ونقصد بذلك الجداريات واللافتات، أي النصوص التي كتبها الثوار على الجدران أو رفعوها على اللافتات في شكل شعارات وصرخات احتجاج. ألا تتجاوز هذه النصوص- أو على الأقل العديد منها- الكتابة الشعاراتية إلى الكتابة الإبداعية؟ أي هل يمكن أن نتحول من القراءة الاستهلاكية المتعجلة لهذه النصوص باعتبارها شعارات آنية ومنشورات تحريضية إلى القراءة الفنية المتأنية لهذه النصوص باعتبارها كتابة إبداعية وممارسة جمالية ذات أبعاد رمزية؟ هذا ما تحاوله هذه القراءة أو على الأقل تمهد له.

1) ما بين الثورة والكتابة:

يرتبط مفهوم الثورة مهما كان مدخلها والإيديولوجيا المحددة لها بشرطين أساسيين هما التغيير الجذري والحرية. فالثورة أولا هي تغيير النظام في المجتمع على وجه يحقق إرادة الشعب أو أغلبه. وتغيير النظام يعني ألاّ يكون من داخل النظام الموجود بل من خارجه أي كسر النسق السياسي القائم لبناء نسق سياسي جديد فبدون هدم وبناء لا تكون ثورة بل مجرد إصلاح وتعديل. والثورة ثانيا هي تعبير الحرية عن نفسها في مواجهة الاستبداد، فلا مبرر للثورة إلا أن تكون في سبيل الحرية.

وكذلك مفهوم الكتابة يرتبط بشرطين أساسيين هما الإبداع والاختلاف. فلا كتابة حقيقية أو فعلية إذا لم تكن ممارسة إبداعية على غير منوال سابق وجاهز وفي مواجهة الكتابات الأخرى السائدة نفيا واختلافا. ولا مبرر للكتابة إلا أن تكون إبداعية ومختلفة. وفي هذا المعنى تصب جل التعريفات التي قدمها المعاصرون للكتابة، كما فعل جاك دريدا الذي عرف الكتابة باعتبارها اختلافا[2] وفعل نزار قباني الذي تحدث عن الكتابة باعتبارها عملا انقلابيا[3]وكذلك فعل الناقد السعودي عبد الله الغذامي الذي تحدث عن الكتابة باعتبارها عملا تحريضيا ومضادا[4].

يمكننا أن نتبين من خلال هذه المفاهيم أن هناك أكثر من تقاطع بين الثورة والكتابة، فهما يلتقيان في عدة عناصر منها الإنسان إذ الثورة والكتابة خاصيتان إنسانيتان، والإنسان هو الكائن الوحيد المبدع بالفعل (الثورة) والقول (الكتابة) باعتباره كائنا جدليا يتأثر ويؤثر في الواقع الطبيعي أو الاجتماعي فيتطور ويطور. ومنها الحركة إذ كل من الثورة والكتابة حركة تتجه نحو إلغاء الامتداد التلقائي للماضي في المستقبل. ومنها الحرية إذ كلاهما فعل يستهدف الحرية ومزيدا من الحرية. بل إن بينهما صفة متبادلة إذ الثورة هي في جوهرها حالة إبداعية (إن لم نقل شعرية) والكتابة (الإبداعية) هي في جوهرها حالة ثورية.

2)  أثر الثورة في الكتابة: يمكن أن نرصد هذا الأثر في ثلاثة مظاهر بارزة:

– إعادة طرح قضايا الكتاب.

– تراجع كتابات رائجة.

– رواج كتابات جديدة أو مهمشة.

أما المظهر الأول- أي إعادة طرح قضايا الكتابة- فيتمثل في التساؤل من جديد عن جدوى الكتابة وعن علاقة الشباب خاصة بها، فالذين طالما اتهموه باللامبالاة والميوعة وانعدام الوعي اكتشفوا فجأة أن هذا الشباب هو الفاعل الأساسي في الثورة واندهشوا لاهتمامه بما يكتب وينشر بل إن الكتاب قد أصابتهم حركة الثورة بصدمة ووضعتهم في حالة إرباك لا يعرفون كيف يتعاملون مع الأحداث المتلاحقة والمتسارعة، وهم في كتبهم يغطون. وأما المظهر الثاني- أي تراجع كتابات رائجة- فيتمثل أساسا في اختفاء الكتابات “التجمّعية” “الشعبوية” وتبخرها من المكتبات والأسواق، هذا فضلا عن الأزمة التي ستواجهها الكتابات “النخبوية” المتعالية على عامة القراء، والمتجاهلة لفئة الشباب، شباب الفايسبوك. ولا يقف أمر أزمة الثقافة التي كانت سائدة على اختفاء بعض المنشورات والكتابات وإنما وصل الأمر إلى حد أخذ فيه الكتاب يعترفون في اعترافات درامية بأن الثورة قد تجاوزتهم وأنهم لم يعد لهم ما يقولون، فبعضهم يكتفي بتصريحات وبيانات ومقالات ذات طابع صحفي وسياسي، والبعض الآخر يذهب إلى أن التتويج الإبداعي هو الانخراط في الثورة والمشاركة في الحركات الاحتجاجية والسياسية (أولاد أحمد، حسن بن عثمان…). إن حركة الثورة الخلاقة والمتسارعة جعلت الكتاب التقليديين يبدون متخلفين وأظهرتهم كثرثارين عديمي الفائدة (خاصة وقد قامت منذ البداية دون مشاركة فعالة من طرف النخب)، فها هو أحدهم يقول في تواضع مصطنع أو اعتراف مرير: “هل نقول تأخر الإبداع عن الثورة؟ نسبيا قد تأخر المثقفون سنوات ضوئية عن الثورة. أعذروني عن هذه القسوة فمهما كانت هواجسنا ثورية فهي لا تعادل صرخة 14 جانفي المنادية بسقوط النظام. فكلمة dégageالتي رددتها مئات الآلاف لم تترك في روع الفن غير لحظات كاريكاتورية. مبدعونا لم يرتقوا إلى مستوى العصر. عصر الفايسبوك والفضائيات والرسائل القصيرة” وها هو آخر يصرح مسلما: “إن هذه الحركة قد حولت أجزاء كبيرة من أدبنا إلى أدب غير قابل للقراءة. لم أقصد كتابة نص أدبي وفقا للقوالب السردية المعتمدة. فقط أردت تسجيل يوميات. منذ الثورة أسجل وأكتب كمواطن وشاهد عيان أذهله ما حدث. لم أدخل أية تحسينات على ما بدا لي أقل جودة لأحسن من حمولاته التعبيرية. كانت كتابة من الميدان بشوائبها وارتباكها وارتفاع سقف مطالبها يوما بيوم تماما كالثورة التي أصبحت ملكا للإنسانية”[5]

وأما المظهر الثالث- أي رواج كتابات جديدة أو كانت مهمشة- فيتمثل في عودة القارئ إلى الكتابات السياسية أو “الملتزمة”، أو انتشار ظاهرة الكتابة على الفايسبوك، أو الكتابة على الجدران واللافتات.

3) الكتابة على الجدران واللافتات:

هل هي مجرد شعارات ومنشورات تحريضية؟ أم هي شكل جديد من أشكال الإبداع؟

لا شك في أن هنــاك نـصـــوصا لـم تتجاوز الشــعـــار والــبـيــان والـمـنـشـور التحريضي، غير أن ذلك لا يمنع من وجود نــصـــــــــوص أخــــــرى اســـتـــخـدمت أدوات تعـبـيـريــــة فنية، مثل جماليات التشكيل من خطوط ورسوم كـــاريكاتـــورية واســـتــخـــــــدام الألــــوان استخداما فنيا رمزيا (الأحمر مثلا رمزا للحرية أو لدماء الشهداء). ومثل التراكيب البلاغية المولدة للإيقاع كالسجع والجناس فأغلب نصوص الشعارات مسجوعة وألفاظها متجانسة (حان وقت الاعتذار للثوار حتى لا يصيبكم العار/ يا نظام يا جبان شعب تونس لا يهان/ تونس حرة حرة والتجمع على بره/ مسرحية مسرحية والحكومة هي هي…) والترديد (اعتصام اعتصام حتى يسقط النظام/ أوفياء أوفياء لدماء الشهداء..) والطباق أو التضاد (أموت/ أعيش- استحقاق/ السراق- جبان/لا يهان…). وفضلا عن الإيقاع استخدمت في هذه النصوص الصور المجازية من تشبيه (لو كان عفريت ـ السياسة لعبة- مسرحية…) واستعارة (يستجيب القدر/ البقر) وكناية (كتفي وجعني-  خبز وماء- ). كما استخدمت ظاهرة التناص من تضمين أو اقتباس كاستخدام بيت الشابي المشهور (إذا الشعب يوما أراد الحياة…) نقلا أو تصرفا أو اقتباس عبارات من خطبة الرئيس المخلوع (فهمتمكم، غلطوني..)، بل إن بلاغة هذا النوع من الكتابة تصل إلى استخدام ما يسمى قديما بحسن التعليل وهو أن تترك علة الشيء المعروفة لتأتي بعلة بعيدة طريفة ونجد ذلك مثلا في اللافتات التي رفعها بعض الثوار المصريين تعليلا لطلب رحيل حسني مبارك (كتفي وجعني/إيدي وجعني/  الولية عايزة تولد..). ومن زاوية فنية أخرى يمكن أن نستدل على بلاغة الكتابة الجدارية أو اللافتات بتنوع أشكال الخطاب، إذ تتراوح هذه النصوص بين الـخـــــطــــاب الإنــشــــائـــــي الـــمــبــاشر (ارحل، غور، انحاز/ يا مبارك، يا جيش، با نظام، يا عصابة) والخطاب البياني التقريري (الشعب يريد..، السياسة لعبة…) والسرد أو بلاغة النادرة (مبارك بعد ما مات…) أو الخطاب الرسائلي أو شكل الوصية (الشهيد خلى وصية، إن مت يا أمي…).

هذا في مستوى الشكل، أما المضمون فلا يقل عنه تنوعا وثراء وعمقا، إذ تطرح هذه النصوص من خلال شعاراتها ومطالبها المباشرة والبسيكة قضايا المجتمع العربي الجوهرية، سواء كانت قضايا سياسية (إسقاط الرئيس أو النظام، الحرية، رفض لعبة السياسة…) أو قضايا اجتماعية (الكرامة، العدالة الاجتماعية، حق الشغل، إرادة الحياة…) وحتى القضايا الإعلامية (كذب الإعلام الرسمي، دور الــــــفـــايســبــــوك فــــي الثورة…) والقضايا الأخلاقية (الوفاء للمبادئ ، كرامة الذات، الالتزام…) لم تغب عن وعي كتاب الجداريات ورافعي اللافتات. وليست كل النصوص على هذا النوع من النضج الفني والعمق المضموني والرمزي ولكن حتى الهتافات والشعارات التقليدية المسجوعة حلت محلها عبارات فيها شيء من كثافة الشعر وإيحائه مثل عبارات “ارحل” و”الشعب يريد إسقاط النظام”، مثل هذه التعبيرات لا ينبغي أن تفهم في دلالتها السطحية بل في دلالتها الرمزية والعميقة، فالرحيل أو السقوط المطلوبان ليسا رحيل شخص الرئيس أو سقوط رموزه وإنما هو ترحيل للمؤسسات والمنظومات التي تمثله وإعادة بناء المجتمع من جديد سياسيا واقتصاديا وثقافيا.

خلاصة القول إن النص الجداري أو الشعاراتي قد اكتسب قيمة وبعدا رمزيا لأنه نص ذو مضمون في الواقع وليس مجرد شعار فارغ، إنه نص احتجاجي نابع من معاناة الناس ومعبر عن تطلعاتهم وملامس للإنسان في جوهر إنسانيته: الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية. إن الثورة التي حدثت في تونس وغيرها من الأقطار العربية تجاوز تأثيرها المجال السياسي والاجتماعي إلى المجال الثقافي ومجال الكتابة تخصيصا.

 

………………………………………………………………………….

[1]  هذا المقال هو صياغة أخرى لمداخلة قدمت ضمن ندوة أدبية بعنوان “الثورة والكتابة” التي نظمها المنتدى الأدبي بالمركز الثقافي نيابوليس بنابل بتاريخ 04 جوان 2011.

[2] l’écriture et la différence. Éditions du Seuil, 1979.

[3]  يقول نزار قباني: إن الشرط الأساسي في كل كتابة حقيقية وجديدة هو الشرط الانقلابي، وبغير هذا الشرط تغدو الكتابة تأليفها لما سبق تأليفه وشرحا لما انتهى شرحه ومعرفة بما سبق معرفته. ومع أن الكتابة لا تخلو من ممارسة مجموعة من العادات الكتابية إلا أن ذلك لا يعني أن تتحول الكتابة إلى عادة ، وإنما “الكتابة الحقيقية هي نقيض النسخ ونقيض النقل ونقيض المحاكاة (…) ومهمة الكاتب الانقلابي صعبة ودقيقة لأنها تتعلق بإلغاء نظام قائم أو إعلان نظام بديل”. الكتابة عمل انقلابي، منشورات نزار قباني، بيروت 1975.

[4] يرى عبد الله الغذامي أن الكتابة عمل تحريضي لأنها “تحرض الذات ضد الآخر وهي في الوقت ذاته تحريض للآخر ضد الذات” ويرى أنها عمل مضاد لأنها “من خلال مسعاها إلى تجاوز كل الآخرين ومحاولة نفيهم بواسطة اختلافها عنهم وتميزها عما لديهم. كما أنها عمل يتضاد مع الذات الكاتبة من حيث إن الكتابة كإبداع هي ادعاء كوني يفوق الذات الفاعلة ويتمدد من فوقها متجاوزا إياها وكاسرا ظروفها وحدوده (…) ويتحول الكاتب من فرد عادي إلى نموذج ثقافي”. الكتابة ضد الكتابة، دار الآداب بيروت، 1991, ص 7 .

[5] أحمد زغلول الشيطي: مائة خطوة من الثورة: يوميات من ميدان التحرير.”دار الآداب، 2011.

 

* أستاذ مبرز في اللغة والآداب العربية، تونس

 

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق