قراءات ودراسات

معن بن أَوس المزني (طبيب القلوب الحاقدة)

بقلم : أ . عباس المناصرة

” رائعة سياسة الأقارب “

1- وذي رحـم قـلمت أظفار ضغنه … بـحـلـمي عــنـه وهــو لـيـس حِـلـمُ
2- يـحاول رغـمي لا يحاول غيره … وكـالموت عندي أنْ يحل به الرغمُ
3 – يود لو أني معدم ذو خصاصة … وأكــره جـهدي أن يـخالطه الـعُدمُ
4-فـلـولا اتـقاء الله والـرحم الـتي … رعـايـتـها حـــق و تـعـطـيها ظُــلـمُ
5- إذا لــعـلاه بــارقـي وخـطـمـته … بــوسـم شــنـار لا يـشـاكـهه وســمُ
6- فـما زلت في ليني له وتعطفي … عـلـيه كـمـا تـحنو عـلى الـولد الامُ
7- فـداويـته حـتـى ارفــأن نـفاره … فعدنا كأنا لم يكن بيننا صَرمُ(41)

1- المقدمة

كان عبد الملك بن مروان ذات ليلة في سمرة مع ولده وأهل بيته، فقال لهم ليقل كل واحد منكم احسن ما قيل من الشعر، وليفضل من رأى تفضيله ففضلوا، فقال بعضهم امرؤ القيس وقال بعضهم النابغة وقال بعضهم الأعشى، فلما فرغوا قال أشْعرُ والله من هؤلاء جميعاً عندي الذي يقول: (وذي رحم قلمت…) وأنشد القصيدة، إنَّه معن بن أوس صاحب القصيدة الرائعة، في سياسة الأقارب وكسب قلوبهم وتنظيفها من صدأ الأحقاد والأضغان، ومعن بن أوس شاعر من شعراء البادية المخضرمين ومن الجيل الذي انسلخ من عقائد الجاهلية وأخلاقها وانحاز إلى الإسلام انحياز المعتقد الواثق بدين الله، حتى أننا نرى ذلك ونلمس أثره في عقله ووجدانه وشعره، وقد قال هذه القصيدة في ابن عم له بادره بالحقد والكره، دون ملل أو تراجع ولكنَّ معناً وبتوفيق من الله، تمكن من أن يرد الحقد بالحِلم، ولم لا وقد علمه القرآن الكريم وسيلة العلاج في قوله تعالى (ادفع بالتي هي أحسن، فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم) فصلت: 34 فكان شاعرنا كالطبيب الذي يكره المرض، ولكنه لا يكره المريض أو يحقد عليه، بل يسوس قلبه بالسماحة والتسامح، حتى يداوي حقده ويعيده إلى جادة الصواب، ولم لا يكون ذلك، وقد طبعت القلوب على حب من أحسن إليها. وكأني بعبد الملك بن مروان وقد اختار هذه القصيدة وفضلها وهو الخليفة الذي امتاز بالعلم والفقه؛ لأنه أراد أَنْ يعيد إلى أذهان الأبناء وأهل بيته وخاصته نموذجا من نماذج أدب الجيل الأول، الذي تشرب أخلاق القرآن وتربية النبوة؛ ليكون أمامهم نبراساً في صلة الأرحام والصبر على أذى الأقارب، في عهد اشتدت فيه الفتن وانقطعت فيه الصِّلات، والعلاقة بين الأقارب ربما تحكمها الحساسية الشديدة. وتتقاذفها مقاييس التنافس وإذا لم تجد من يحسن القياد، ويسوس النفوس، انقلبت القلوب وتباعدت، وعمرها الحقد والحسد.

ونحن لا ننكر أن من أهل الجاهلية وأصحاب الحكمة من كان يدرك خطر هذه القضية فهذا ذو الإصبع العدواني عندما حضرته الوفاة أَخذ يوصي ابنه وصيته التي فيها خلاصة خبرته في سياسة القبيلة ويقول له (يا بني، ألنْ جانبك لقومك يحبوك وتواضع لهم يرفعوك، وابسط لهم وجهك يطيعوك، ولا تستأثر عليهم بشيء يسودوك، واكرم صغارهم كما تكرم كبارهم، يكرمك كبارهم ويكبر على مودتك صغارهم)(42).

ولكن الجاهلية كانت تنظر إلى هذه الأخلاق من خلال المصلحة، والمطالبة بها تخضع لخبرة الأفراد وتقلب طباعهم، وكانت الجاهلية تمجد بعض الأخلاق كالكرم والإحسان إلى الأقارب، ونصرة الضعيف ولكنها كانت تعتبر من الأخلاق الفردية، التي يمارسها أصحاب الهمم العالية، وباعثها في هذه الأخلاق هو باعث مصلحي أو ترفعي أو قيادي، ولكنها ليست أخلاق المجتمع، فلما جاء الإسلام بانقلابه أَشرف على إعادة صياغة المشاعر وتوجيه المقاصد تحت إشراف العقيدة فجعل من صلة الأرحام عبادة يتقرب بها المسلم إلى الله سبحانه وتعالى، وأوجد تصوراً واضحاً حين ذكّر الناس بأنهم أبناء لآدم وآدم من تراب وأوصى بالإحسان إلى الأرحام ووضع التشريعات التي تحمي هذه الصلة وتحرسها، وصحح كثيراً من الأمور في الأذهان كقوله عليه السلام (خيركم المدافع عن عشيرته ما لم يأثم) وقد جعل الإسلام الإحسان إلى الأقارب من الأعمال الصالحة التي تطيل في الأجل وتبارك في الرزق، وأعاد هذه الأخلاق وعممها على المجتمع؛ لتصبح من أخلاق المجتمع المسلم، بها يترابط وتسوده المحبة ويعمه الاستقرار، بعد أن كانت في الجاهلية تتبع لأمزجة الأفراد ومصالحهم.

وذي رحم قلمت أظفار ضغنه … بحلمي عنه وهو ليس له حِلم

2- تحليل القصيدة:

لقد جسد معن بن أوس مشهداً حسياً في بداية القصيدة، إنه مشهد القريب الذي لا نرى شيئا من ملامحه أو قسمات وجهه وقد اختفت معالمه، والخفاء يبعث الرعب في النفوس، وفجأة تتجمع مشاعر الحقد والحسد والكراهية، وتتجسد على شكل أظافر متعطشة للنيل من الشاعر دون رحمة أو هوادة، وفي جو من الحركة والتربص، تظهر يد حانية تحمل مقصاً من الحِلم والرحمة والإشفاق، وتمتد إلى تلك الأظافر فتتمكن من قصها، وإنهاء خطرها بحكمة وصبر وروية، ولكن شتان ما بين أظافر يحركها قلب حقود يمتلئ بالكراهية والحسد والحقد، وبين مقص يحمله قلب تحركه مشاعر التسامح والعطف والإشفاق، والذي يلفت نظر المتأمل ويدفع القارئ إلى التساؤل، لماذا قفزت نتيجة الصراع بين الشاعر وابن عمه إلى أول القصيدة؟! وفي الشطر الأول من البيت الأول، حيث اخبرنا الشاعر بالخطر والعلاج والنجاة منذ بداية القصيدة، وفي ظني أن سبب الاستعجال الذي دفع الشاعر إلى ذلك،هو أن تزاحم المشاعر على الخروج في لحظة ميلاد القصيدة، جعل مشاعر الفرحة التي غمرت قلب الشاعر بعد نجاح التجربة تقفز وتسابق غيرها حتى تصدرت القصيدة، وبعد أنْ عبّر الشاعر عن فرحته بانتصاره أولاً، وحيث الزمها بالتسامح والارتفاع ثم انتصاره على حقد ابن عمه وكسب مودته، فقد كان ابن عمه (يحاول رغمي لا يحاول غيره) وباستمرار لا توقف فيه، يبذل محاولاته ويوظف جميع جهوده؛ حتى يرغم أنف الشاعر ويذله ويقابله الشاعر بصبر الحليم.

وقلب الحليم المؤمن الذي تربى على آيات الله (وكالموت عندي أنْ يحل به الرغم) فالشاعر يرى الذل لابن عمه مستبعداً من نفسه، بل هو يرى في ذل ابن عمه مصيبة مرة كأنها الموت لا يهضمها ولا تستسيغها نفسه، وابن عمه حقود حسود يود له كل سوء ويتمنى له الفقر، وضيق الحال ويكره له كل خير (يود لو أني معدم ذو خصاصة) والمفارقة تكشف ما بين الاثنين حين يقول الشاعر (وأكره جهدي أن يخالطه العُدم )

ومع تكرار التجربة المريرة مع ابن العم، لا يسع معن بن أوس إلا أَن يضبط مشاعره اتجاه ابن عمه بآداب الشرع الحنيف، وهو الذي اختار السماحة والحِلم؛ طلباً لما عند الله لأن رعاية الحق في صلة الأرحام أمر من الله، وتعطيل الصلة ظلم لا ترضى به نفس قبلت بالخضوع والاحتكام لشرع الله (فلولا اتقاء الله والرحم التي رعايتها حق وتعطيلها ظلم) لولا ذلك، لأخذ معن على عاتقه مهمة تأديب هذا القلب الحقود بسيفه حتى يذيقه الذل، ويلحق به العار إلى الأبد، ولكن هيهات أن تقبل نفس مؤمنة بذلك، لأنها تعرف أنّه خروج على طاعة الله، ولا بد هنا من الصبر، فهو السلاح القوي الذي يمكن الشاعر من مدواة القلوب، والوصول بها مرحلة الصفاء (إذا لعلاه بأرقي وخطمته بوسم شنار..) نعم الصبر هو سلاح المؤمن، الذي يمكنه من الوصول إلى الأهداف، وبشيء من اللين وحسن السياسة وبوضوح المنهج وتوجيه النية إلى الله والتقرب إليه بهذا العمل، يسهل على النفس العمل وتهون عليها الجراح، وتتأكد لديها الثقة التي تدفع إلى إتقان العمل والإحسان إلى هذا القريب الحاقد، الذي اضطرمت في قلبه نار الحسد والضغائن؛ حتى يستل الضغينة من قلبه، وعندها يرأب الصدع وتتفرغ القلوب من حقدها، لقد كان الشاعر كالأُم الحانية على رضيعها مهما أتعبها لا تقابله إلا بالحنان والرعاية (فما زلت في ليني له كما تحنو على الولد الأم) وبهذا الأسلوب القرآني اصبح الإحسان ماء يغسل القلوب من أدرانها ويفرغها من حقدها، وعندها تتواجد لديها قابلية استقبال المودة والمحبة وتعود للتآلف، كأن لم يكن بينها شحناء، (فعدنا كأنا لم يكن بيننا صرم)، إنها تجربة فردية ناجحة في سياسة الأقارب، يحتاج المجتمع إلى تعميمها بين أفراده وشرائحه، بعد أن استوعبها الشاعر قرآنياً من قوله تعالى (ادفع بالتي هي احسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم) ثم نجح فيها عملياً، وقدمها لنا في إطار أدبي فني ممتع وناجح.

3- البناء الفني والمذهبية الأدبية:

1- قفز الفرح من وجدان الشاعر إلى مطلع القصيدة في لوحة رائعة تجمع بين الحركة والأداء السامق (وذي رحم قلمت أظفار ضغنه).

2- لغة الشاعر تجمع بين جزالة اللفظ وحركية الأداء والبيان الراقي ولعل لبيئة الشاعر (البادية) أثرها الواضح في جزالة الألفاظ وقوة جرسها.

3- استطاع الأداء الفني أن يحمل معاناة الشاعر وينقلها دون تزوير، وحافظ على واقعية الحقائق دون انحدار أو هبوط.

4- استعمل الشاعر أسلوب المفارقة والمقارنة في نقل المشاعر والأفكار من خلال المقابلة بين فعلين وسلوكين (بحلمي عنه… وهو ليس له حِلم) (يحاول رغمي… وكالموت عندي أن يحل به الرغم) (يود لو أني معدم… وأكره جهدي أن يخالطه العدم).

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق