قراءات ودراسات

نظرات متأنية في التشخيص

د. عاصم زاهي مفلح العطروز

نظرات متأنية في التشخيص
حين كنا طلابا في الصف الأول ثانوي، حينذاك كان يدرسنا اللغة العربية معلم كان شديد الالتزام بالمناهج المقررة، شديد التقيد بها، موضوعات، وشواهد وأمثلة، لا يخرج عنها قيد أنملة. ولسنا ندري أكان ذلك أسلوبا اتبعه ودأب عليه، واتخذه نهجا آلى على نفسه ألا يغيّره أو يخرج عنه أو عليه، أم إن ذلك كان مدى تحصيله من العلم، ومبلغ مؤونته من الثقافة؟.
وكان أحد موضوعات كتاب (الأدب) المقرر موضوع: عوامل نهضة الشعر، وفيه أن أول عامل من العوامل وأهمها هو: الاطلاع على الآداب الغربية والتأثر بها، وأن أبرز ما استفاده من هذا الاطلاع وذلك التأثر هو: تشخيص مظاهر الطبيعة. ويورد واضع المنهاج أمثلة على التشخيص المستفاد؛ منها أبيات إبراهيم ناجي في قصيدته (الأطلال)، ومنها أبيات محمود حسن إسماعيل في قصيدته (النهر الخالد)، ومنها كذلك أبيات لجبران خليل جبران؛ من قصيدته (أعطني النأي)، وغيرها. ودرسنا هذه الموضوعات وحفظناها، كما حفظنا عن ظهر قلب الأمثلة الشعرية المطلوب حفظها.
ثم إن هذا المعلم نقل من المدرسة، واستبدل به معلم آخر لم يكن لنا به سابق معرفة أو رؤية، ودخل هذا المعلم الجديد غرفة الصف، وبعد أن ألقى التحية، سأل عن المادة المخصصة لها هذه الحصة، فأجبناه بأنها (البلاغة). فقال: سنخصص الحصة الأولى لكل مادة لمراجعة ما درستموه فيها إلى اليوم، ثم نستأنف على بركة الله دراسة ما يلي من الموضوعات. وشرع يناقشنا فيما درسناه من مادة البلاغة، وكان يأتينا بأمثلة شعرية من خارج الكتاب المقرر، وكان كل مثال يأتي به أوضح جلاء، وأجلى بيانا، وأجمل جمالا، وأوقع في العقل، وأحلى في الذوق، وأعمل في القلب، وآثر في النفس، وأخلد في الوجدان من سائر أمثلة الكتاب المقرر. وتبين لنا بأنه معلم متميّز متفرد، معلم بكل ما تتضمنه الكلمة من معان، وبكل ما ينبغي أن يكون عليه المعلم من حسن الخلق، ورحابة الأفق، وعمق المعرفة، وسعة الثقافة، وغزارة العلم. معلم غرس فينا محبّة هذه اللغة العليّة، وجعلنا نؤثر التخصص في دراستها على كل تخصص.
وكانت الحصة في اليوم الثاني خاصة بمادة (الأدب)، فراجعنا فيما درسناه، واستمع إلى ما حفظناه من الأبيات الواجب حفظها، وانتهى وقت الحصة. وفي مثل هذا اليوم من الأسبوع التالي، كان أول ما بدأ به قوله: إن ما يهمّكم في هذا الفصل هو العلامة أو الدرجة؛ إذ هي المعيار المعتمد الذي يؤهلكم لمتابعة دراستكم ومواصلة تحصيلكم؛ وعليه فإنني أقول لكم: التزموا بكل ما في المناهج المقررة، وإن كان في بعض ما درستموه أو ستدرسونه منها ما يخالف الصواب، ويجانب الحق. فاعرفوا الصواب والزموا الحق، واحتفظوا بها لأنفسكم اليوم، حتى إذا صرتم في مواضع التأليف فاجعلوهما لكم رائدا، والتزموهما منهجا، أو في مواقع التعليم، فبيّنوا لتلاميذكم وجه الصواب، واغرسوا في مسامعهم صوت الحق، واسلكوا بهم سبيل الرشاد، وليجعلوا شعارهم ودستورهم، ألا يكون أحدهم إمّعةً يجاري كل ناطق، ولا ببغاء يردد صوت كل طارق، ولا بوماً يجيب كل ناعق. واحفظوا وليحفظوا قوله تعالى: ﴿فأمّا الزبد فيذهب جُفاءً وأمّا ما ينفع الناس فيمكث في الأرض﴾.
ومما هو مجانب للصواب ومجافٍ للحق، ما درستموه في كتاب الأدب، من أن أول عوامل نهضة الشعر وأهمها هو الاطلاع على الآداب الغربية والتأثر بها. ولو أن الأمر وقف عند هذا الحد لسلّمنا بصحته؛ يقيناً منّا بأن الآداب وسائر العلوم الإنسانية هي مما تتلاقى فيه وعليه الأمم، وتتلاقح الثقافات، فيستفيد بعضها من بعض، ويؤثر بعضها في بعض، وقد يهيمن بعضها على بعض، بل قد يطمس بعضها بعضاً آخر. أما أن يزعم بأن أظهر ظواهر هذا التأثر وأبرز ملامحه وأجلى صوره هو التشخيص عموماً، وتشخيص مظاهر وظواهر الطبيعة على وجه الخصوص، فأمر لا نقرّ به لقائل، ولا نسلّم به في منهاج، بل إننا لمالكون جرأة المجاهرة في نفيه وردّه، والتصريح في إنكاره بل ودحضه.
ولست أدري، ألا يعلم واضع المنهاج بأن شعرنا العربي يسبق شعر الغربيين بقرون، وأن الغربيين قد اطلعوا على علومنا وآدابنا من طرق شتى، قبل أن تكون لهم حضارة، أو تقوم لهم نهضة، وأن أكثر شعرائنا لم يسمعوا بالآداب الغربية، فضلا عن أن يطلعوا عليها أو يتأثروا بها، وأن الواحد منهم قبل أن ينبغ شاعرا، اطلع على شعرنا العربي في مختلف عصوره، فحاكى الشعراء، وحفظ الكثير من أشعارهم. لا ريب أن واضع المنهاج يعرف هذا ويعلمه علم اليقين، وعين اليقين، وحق اليقين، ولكن؟!.
ألم يطلع واضع المنهاج على بائية ابن خفاجة، تلك القصيدة التي ترجمت إلى معظم اللغات الحيّة في العالم:
وأرعن طمّاح الذؤابة باذخٍ

يُطاولُ أعنانَ السماءِ بغاربِ
يَسُدُّ مَهبَّ الريح من كل وجهةٍ

ويزحَم ليلا شُهبه بالمناكبِ
وقورٍ على ظهر الفلاة كأنه

طوال الليالي مُفكرٌ في العواقبِ
يلوثُ عليه الغيم سُودَ عمائمٍ

لها من وميض البرق حُمرُ ذوائبِ
أصختُ إليه وهو أخرس صامتٌ

فحدّثني ليلَ السرى بالعجائبِ
وقال: ألا كم كنتُ ملجأ قاتلٍ

وموطنَ أوّاهٍ تبتّل تائبِ
وكم مرّ بي من مُدْلجٍ ومؤوِّب

وقال بظلي من مطيّ وراكبِ
ولاطمَ من نُكب الرياح معاطفي

وزاحم من خُصر البحار غواربي
فما كان إلا أن طوتهم يدُ الردى

وطارت بهم ريح النوى والنوائبِ
فما خفْقُ أيكي غيرُ رجعةِ أضلُعٍ

ولا نَوْحُ ورقي غيرُ صرخة نادبِ
وما غيّض السلوانُ دمعي وإنما

نزفتُ دموعي في فراق الصواحبِ
فحتى متى أبقى ويظعنُ صاحبٌ

أودّع منه راحلاً غيرَ آيبِ
وحتى متى أرعى الكواكبَ ساهراً

فمن طالعٍ أخرى الليالي وغاربِ
فرحماك يا مولاي دعوةُ ضارعٍ

يمدّ إلى نعماكَ راحةَ راغبِ
فأسمَعني من وعظه كلَّ عبرةٍ

يترجمها عنه لسانُ التجاربِ
فسلّى بما أبكى وسرّى بما شجا

وكان على عهد السرى خيرَ صاحبِ
وقلتُ وقد نكّبت عنه لِطيّةٍ:

سلامٌ فإنّا من مقيمٍ وذاهبِ
فلنتأملْ، ولعل واضع المنهاج يتأمل معنا ابن خفاجة واقفاً أمام هذا الجبل، أو جالسا إلى سفحه، أو جائسا خلال كهوفه، أو طالعا قمته، وإذ ذاك يبدأ فيصف ضخامته وعظم جرمه وإفراطه في شموخه. وليمعن كيف أحاله شيخاً وقوراً وحكيما خبيراً، فيطلق لسانه فصيحاً مبينا محدّثا إياه بعبر الأيام، وقاصا عليه أخبار الناس ، مبينا أحوالهم وما هم فيه من التضاد، وما في طبائعهم من التعارض، وفي أخلاقهم من التباين، وفي حياتهم التي هي أمشاج من الثنائيات والأضداد. ثم يمضي فيشكو إليه ما واجهه من عوادي الزمان، وما جابهه من طوارق الحدثان، ويضيف إلى شكواه شكوى أخرى؛ تلكم هي أن هاتيك المواكب التي مرت به أو أقامت لديه، فعرفها وعرفته، وألفها والفته، وصحبها وصحبته، قد فرّق بينه وبينها بنوى لا أمل معها في وصال، أو بموت لا رجاء بعده بلقاء؛ وعليه فإن ما يُرى من اصطفاق أغصان رياضه، ليس غير ترديد لنبضات قلبه وخفقات جوانحه واضطراب جوارحه، وأن ما يُسمع من هديل حمائمه ليس غير ترجيع نفسه حزنا وأسى عل فراق أولئك الصحب الأحبة الذين مضوا إلى غير رجعة، فإن تكن دموعه قد كفّت عن التسكاب، فما ذاك لنسيانه من نأى، أو سلوّه من مات، ولكنها استُهلكت فنضبت لفرط ما سفحت على إثر أولئك وهؤلاء. ولقد كان ذلك الحكيم خير صاحب مؤنس لابن خفاجة في ذلك اليوم؛ بما قصّه عليه من عبر وما بثّه من شكوى، وإن كانت هذه وتلك مما يهيج الحزن ويثير الأسى. ويودّع الصاحب صاحبه ببيان أنهما مثال للناس؛ فأحدهما مقيم، والآخر مودّع فراحل، وما الناس إلا مولود قادم، أو ميت مفارق.
​فإن كان واضع المنهاج غير ذي علم بهذه القصيدة، ولا أظنه كذلك، فإنه لا ريب ذو معرفة تامة بمعلقة امرئ القيس، وخطابه لليل فيها:
ولَـيْـلٍ كَـمَـوْجِ الـبَـحْـرِ أَرْخَـى سُـدُوْلَــهُ

عَــلَـيَّ بِـأَنْـوَاعِ الـهُــمُــوْمِ لِــيَــبْــتَــلِـي
فَــقُــلْــتُ لَـهُ لَـمَّـا تَـمَــطَّــى بِـصُــلْــبِـهِ

وأَرْدَفَ أَعْــجَــازاً وَنَـــاءَ بِــكَــلْـــكَــلِ:
ألاَ أَيُّـهَـا الـلَّـيْـلُ الـطَّـوِيْــلُ ألاَ انْـجَـلِــي

بِـصُـبْـحٍ، وَمَــا الإصْـبَـاحُ مـنِـكَ بِأَمْثَلِ
يقينا أن واضع المنهاج يعرف هذه القصيدة، ويحفظ هذه الأبيات، بل ويحفظ تعليق الجرجاني عليها بقوله: “لما جعل لليل صُلبا قد تمطى به ثنى ذلك فجعل له أعجازا قد أردف بها الصُّلب، وثلّث فجعل له كلكلا قد ناء به، فاستوى له جمله أركان الشخص، وراعى ما يراه الناظر من سواده، إذا نظر قدامه، وإذا نظر إلى خلفه، وإذا رفع البصر ومده في عرض الجوّ”.
​وأضيف إلى ما قاله المعلم مذكرا واضع المنهاج، ومن تتلمذ عليهم، ومن تتلمذوا عليه، بأن الباحثين والدارسين قد وقفوا على التشخيص في شعرنا العربي منذ أن وصل إلينا شعر أول شاعر شدا به في النوادي والأسواق، فحفظه راوية أو رواة، ومضى يُتناقل في الأسماع، ويُتداول على الألسنة، إلى أن تمّ تدوينه. وهذا أحد أقدم من وصل إلينا شعرهم أو بعض شعرهم، ذلك هو مهلهل التغلبي، يبدأ إحدى أشهر قصائده بخطاب ليلة خاصة به، أو به ورهط من أصحابه، أو بقومه جميعا، فيسألها ما يسأل، ويرجوها ما يرجو، ويتمنى عليها ما يتمنى:
أليلتنا بذي حُسُم أنيري

إذا أنت انقضيتِ فلا تحوري
لا ريب في أن واضع المنهاج، ومن تتلمذ عليهم يعرفون ويعلمون بأن الشعراء العرب على مرّ العصور لم يدعوا شيئا وقفت عليه حواسهم إلا شخصوه، ماديا كان أم معنويا، جمادا كان أم حيوانا، فلنصغ، وليصغ معنا هو ومن تتلمذ عليهم، وتتلمذوا ويتتلمذون عليه، إلى أنين شكوى ناقة المثقب العبدي:
إذا ما قمتُ أرحلها بليلٍ

تأوّهُ آهة الرجل الحزين
تقول إذا درأتُ لها وضيني:

أهذا دينُهُ أبدا وديني؟!
أكُلَّ الدهر حلٌّ وارتحالٌ

أما يُبقي عليّ وما يقيني؟!
لا ريب في أنهم يعرفون هذا ويعلمونه، ولا ريب كذلك في أنهم قد قرأوا أو درسوا نونية أبي الطيب (مغاني الشعب)، ووقفوا على تشخيصه لحصانه، وللحمام قبل حصانه، فلنصغ جميعا إلى غناء الحمام أو نوحه، وإلى اعتراض الحصان واحتجاجه أو ثورته:
إذا غنّى الحمامُ الوُرق فيها

أجابته أغانيُّ القيانِ
ومَن بالشعب أحوجُ من حمام

إذا غنّى وباح إلى بيان
وقد يتقاربُ الوصفان جدّاً

وموصوفاهما متباعدان
يقول بشعب بوّان حصاني:

أعن هذا يُسار إلى الطعان؟!
أبوكم آدم سن المعاصي

وعلمكم مفارقةَ الجنانِ
​ولنتأمل بعض إبداعات أبي الطيب ممثلة هنا في توظيفه هذا التشخيص؛ إذ أنطق حصانه بهذا السؤال الإنكاري، للتعبير عن رواء هذا الروض، ونديّ زرعه، وجنيّ غرسه، وسحر جماله، وأسر روعته وبهائه.
​هذه بعض أمثلة على تشخيص الشعراء العرب للماديات. ولقد قلت آنفا بأنهم لم يدعوا شيئا وقعت عليه حواسهم إلا شخصوه، وأنهم قد شخصوا المعنويات كما شخصوا الماديات، وما أظن واضع المنهاج وأساتذته بغفل عن تشخيص أبي الطيب للحمى في رائعته الميميّة:
وَزَائِرَتي كَأنّ بهَا حَيَاءً

فَلَيسَ تَزُورُ إلاّ في الظّلامِ
بَذَلْتُ لهَا المَطَارِفَ وَالحَشَايَا

فَعَافَتْهَا وَبَاتَتْ في عِظامي
إِذا ما فارَقَتني غَسَّلَتني

كَأَنّا عاكِفانِ عَلى حَرامِ
كأن الصبح يطردها فتجري

مدامعها بأربعة سجام
أراقب وقتها من غير شوق

مراقبة المشوق المستهام
​وقد يكون واضع المنهاج وأساتذته على علم بتشخيص أبي العلاء للدنيا وللطيف، فيما شخص من المعنويات:
ودنيانا التي عُشقتْ وأشقتْ

كذاك العشقُ معرفا شقاءُ
سألناها البقاء على أذاها

فقالت: عنكمُ حظِر البقاءُ
​بل إن الشعراء العرب قد شخصوا حتى المتوهمات والمتخيلات؛ فهذا تأبط شرا يلتقي بالغول، فيخاطبها وتخاطبه:
ألا مَن مبلغٌ فِتيان فَهمٍ

بما لاقيتُ عند رحى بِطانِ
فإنّي قد لقيتُ (الغول) تهوي

بِسَهبٍ كالصحيفة صَحصَحانِ
فقلتُ لها: كلانا نضوُ أيْنٍ

أخو سفرٍ فخلّي لي مكاني
فشدّت شدّة نحوي فأهوى

لها كفي بمصقولٍ يماني
فقالتْ عُدْ، فقلتُ لها: رويدا

مكانكِ إنني ثَبْتُ الجنانِ
​وإنما قدمت بكل هذا الذي قدمت به لأقول: إن هناك فئتين من الدارسين أو المدرسين؛ إحداهما يمثلها واضع المنهاج، ومن هو على شاكلتهم من أساتذته، أو هم على شاكلته من تلامذته، ومنهم تلميذه المخلص أو أسيرة المضبوع: المعلم الأول. والأخرى يمثلها المعلم الثاني.
​هاتان الفئتان وجدناهما في الجامعات، أثناء دراساتنا الجامعية في مراحلها الثلاث. فأما الفئة الأولى، فإنه قد تبين لنا بأنه أكثر من يمثلونها هم أولئك الذين درسوا في الجامعات الغربية، ثم عادوا إلينا يصدق فيهم أو في أكثرهم المثل القائل: “كمستبضع التمر إلى هَجَر”.
​ومعلوم بأن الدارسين عموما فرقيقان؛ فريق متمكن من لغته وعلومها، وآدابها، غزيرة ثقافته، واسع اطلاعه على تراث أمته. وآخر أوعيته من العلم فارغة، وبضاعته من الأدب مزجاة؛ وعليه فإن الذين ذهبوا للدراسة في الجامعات الغربية هم أحد هذين. فأما الفريق الأول فمحصن بما ذكرته من معرفتهم بلغتهم، وسعة اطلاعهم على تراثهم؛ فمحبتهم لهذا ولتلك. فهؤلاء إذ درسوا في الجامعات الغربية، فإنهم قد ازدادوا علما إلى علم، وأضافوا معرفة إلى معرفة، وكسبوا واكتسبوا ثقافة إلى ثقافة. ولقد حدثنا بعضهم بأنهم كثيراً ما ناقشوا أساتذة في تلك الجامعات، بل جادلوهم وعارضوهم، مناقشات ومجادلات، ومعارضات تبين منها لأولئك الأساتذة بأنهم أمام دارسين ليسوا ككل دارس، أنهم أمام أوعية ملأى؛ أمام علماء أو مشاريع علماء؛ فلا حجة لإثناء، ولا طريق لإغراء، ولا سبيل لإغواء، بل إن بعضهم قد أقر بهؤلاء الدارسين بأن كثيرا مما تعرفوا أو سيتعرفون عليه من مدارس، أو درسوه أو سيدرسونه من نظريات أو اتجاهات أو أفكار، إنما مصدره وملهمه وموحيه هم العلماء من سلف هذه الأمة، ولكن أجيالها قد غفلت عنه غفلتها عن لغتها، وثقافتها وتراث أمتها، وتاريخ وأمجادها، بل غفلتها عن كل شيء، حتى عن أنفسها.
​وأما الفريق الآخر فإن لسان حاله، وموئل آماله، وحادي مآله، وكل ما في الغرب ومن الغرب، كان:
أتاني هواها قبل أن اعرف الهوى

فصادف قلبا خاليا فتمكنا
​وما من ريب في أن الوعاء الفارغ يتسع لكل شيء، غثاً كان أم سميناً، ضاراً كان أم نافعاً، طاهراً كان أم دنساً نجساً. ووجد من شاء من الأساتذة هناك في مثل هذه الأوعية ضالتهم، فحشوا أدمغتهم بما شاءوا، وقلوبهم بما نووا وأرادوا، فعادوا من غربتهم غرباء، أعداء لكل ما يتعلق بأمتهم. دستورهم ورسالتهم: الأخذ بالحضارة الغربية، خيرها وشرها، وحلوها ومرها، وما يُستحب منها وما يستكره. فعاد الواحد منهم ولا همَّ له ولا شغل لديه غير التطاول على أعلام علمائنا، وأفذاذ أدبائنا وشعرائنا، وغير همزهم، ولمزهم، وتنقصهم والزري عليهم. وهم لا يعترفون بأنه شعر غير ما كان على طريقة الشعر الحر، أو ما يسمى بقصيدة النثر، أما القصيدة الموزونة المقفاة، فإن بعضهم –وهو ما سمعناه وعايناه، وعانيناه في دراساتنا الجامعية الثلاث- يأبى إلا أن يسميها: (ناقة، أو قصيدة الناقة)، أو غيرها من الأوصاف التي تحضر خلده، أو تطرق خاطره؛ سخرية واستهزاء.
​إلى الدارسين عموما، والى هؤلاء على وجه الخصوص، أقدم هذه الدراسة، مفترضا فيهم حسن النوايا، معتقدا بأن مواقفهم هذه من أمتهم وتراثها، إنما مكمنها ومصدرها والباعث عليها هو الجهل، وليس ثمة غيره. وقد قيل: الإنسان عدو ما يجهله.
​وإنني لأرجو بها أن يزيلوا ما بأسماعهم من وقر، وما على أعينهم من غشاوة، وعلى قلوبهم من ريم. وأن يعرفوا طريق الحق فيسلكوه، ويتبينوا سبيل الهدى فيتبعوه، ويجتنبوا السبل التي تفرق بهم عنه. فإن هم أصروا واستكبروا استكبارا، فليكونوا في دراستهم موضوعيين أمناء، فلا يجرمنهم شنآن قوم على ألا يروا غير المساوئ، ولا يرغمنهم رمد على إنكار ضوء الشمس، ولا يحملنهم هيام هوى على اعتقاد الشحم فيمن شحمهم ورم.

*دكتوراه في الأدب والنقد/ جامعة اليرموك – الأردن.
أستاذ مساعد في النقد الأدبي/ الإمارات العربية المتحدة/ الشارقة

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق