حوارات المجلة

الأديب الجزائري عزالدين جلاوجي للمجلة الثقافية الجزائرية:

نحن في حاجة إلى المثقف العضوي المناضل والطبقة المثقفة يجب أن تنتفض على هذه العفونة

يعد الأديب عزالدين جلاوجي من الأدباء الجزائريين البارزين، والمحترمين أيضا، ولعلي حين أقول أنه كاتب محترم فلأني أعي هذه الكلمة جيدا، فهو الذي يكتب عن رغبة في الإبداع وليس لمجرد الكتابة، وهو الذي لا يلهث وراء الشهرة المجانية أو الأضواء السهلة، يعنينه أنه كاتب جيد، وأنه يحاول أن يصنع لنفسه مكانة حقيقية وجميلة في المشهد الأدبي الجزائري، والعربي على حد سواء ضمن ما يقدمه كروائي وككاتب مسرحي وباحث، رغم الصعاب، ورغم الوضع المزري الذي تعاني منه الثقافة في البلد، منذ أكثر من عشرين سنة.. في هذا الحوار، فتح لنا الأديب الجميل عزالدين جلاوجي قلبه، وتكلم عن جملة من المواضيع المهمة والمصيرية التي تعنيه كمثقف، مثلما تعنينا كمتلقين، تكلم عن ماهية المثقف، وعن ماهية الثقافة والكتابة في زمن مصاب مثقفوه بشلل الأطفال !

 

المجلة الثقافية الجزائرية: لو طلبت منك أن تتحدث عن عزالدين جلاوجي.. ماذا ستقول عنه؟

عزالدين جلاوجي: من الصعب أن يتحدث المرء عن نفسه، لعل ما يعني المتلقي هو الجانب الإبداعي الذي قدمت فيه عشرات الكتب للمشهد الثقافي العربي، كتبت في النقد والمسرح والرواية والقصة وأدب الأطفال قصة ومسرحا، كما أساهم بفاعلية مع إخوان لي في صناعة المشهد الثقافي الذي نريده أن يكون في مستوى طموحاتنا، سواء في رابطة أهل القلم التي أرأسها أم في اتحاد الكتاب المغتال والذي كنت عضو أمانته الوطنية، ويمكن أن أذكر إلى جواري الدكتور عبد الحميد هيمة، والخير شوار، وعبد المالك سعيدي، ورابح ظريف، وحسيبة موساوي، وبوزيد بن ادريس وغيرهم. أخذت عن والدي حب العربية وقرأت على يديه القرآن الكريم، وكان حفظه الله ملما بكل ذلك، ومنه انفتحت شهيتي على قراءة الموروث أدبا ولغة وثقافة، وهذا من حظي أني انطلقت مما ليس منه بد، قبل أن أنفتح على الحديث والمعاصر، وحين أقرأ في كتابات بعض إخواني الأدباء الضعف الظاهر في لغتهم يتبين لي ما معنى أن نبدأ من التراث، وأن لا تقفز عليه بالمطلق، فالإنسان الذي يفكر في العدو قبل تمرين عضلاته في الحبو والمشي سيكون أعرج إن لم يكن كسيحا، ومن جدي لأمي الذي كان شلالا للحكايا استمعت للموروث الشعبي بكل مفصلاته، والذي شكل ذاكرتي ومخيلتي منذ الصغر، ولعل عوامل أخرى منها النفسية ومنها الاستعداد الفطري كلها دفعت بي لأكون أنا. أصدرت باكورتي وهي مجموعة قصصية بعنوان “لمن تهتف الحناجر؟” سنة 1994، وقدم لها آنذاك الدكتور المرحوم “عبد الله ركيبي” والذي أدين لكلماته الجميلة التي ورد فيها “ومن الصعب أن نغوص في تجربة الأديب عزالدين فهي غنية بالمواقف والأفكار والموضوعات والأحداث والأبطال أيضا.. ولغة الكاتب صافية جزلة وله قاموسه الخاص وهو قادر على تطوير هذه اللغة.. وأسلوب الكاتب يتميز بالقدرة على السرد المتدفق المفعم بالحيوية والحركة مع الميل إلى التركيز والتكثيف الأمر الذي يجعل المتلقي مشدود الانتباه” إلى أن يقول “وأنا متأكد أن القارئ العربي… سيقرأ له بعدها ما يحقق أملي وأمل قرائه فيه” لا شك أن هذا الإطراء الجميل شجعني على المضي قدما. أعيش إبداعيا مضطربا بين جنس وآخر، كتبت القصة أول الأمر، وانتقلت بعدها إلى المسرحية وأدب الأطفال، رحلت بعدها إلى الرواية وأنا على يقين أني أمتلك مقدرة ذلك، بعد أن طوعت قلمي في أجناس مختلفة، أنا الآن أستقر هادئا أكثر على شاطئ الرواية، لقد قدمت خمس روايات منها: “الرماد الذي غسل الماء” التي رأت طبعتها الرابعة النور أواخر العام الماضي 2010، ومنها “راس المحنه 1+1=0″، وسرادق الحلم والفجيعة، والفرشات والغيلان والتي طبعت ثلاث مرات لكل منها. عندي حلم لكتابة شكل جديد -أو هكذا أراه- في المسرح، بالمناسبة فقد أصدرت أربعين مسرحية للأطفال طبعتها وزارة الثقافة، كما أصدرت أكثر من تسع مسرحيات للكبار صدرت في طبعة ثانية عن وزارة الثقافة في كتاب بعنوان الأعمال المسرحية غير الكاملة، وقد أصدرتها منذ أسابيع في طبعة ثالثة ضمن سلسلة ضمت تسعة أجزاء، هي البحث عن الشمس، الأقنعة المثقوبة، التاعس والناعس، أحلام الغول الكبير، النخلة وسلطان المدينة، رحلة فداء، ملح وفرات، غنائية أولاد عامر، أم الشهداء. كما أن لي اهتماما بالنقد المسرحي خاصة، أصدرت كتاب “النص المسرحي في الأدب الجزائري” في طبعتين، وأعتقد أنه أول جهد يتناول المسرح الجزائري من هذه الزاوية، كما صدر لي كتاب نقدي مسرحي في اتحاد الكتاب العرب بسوريا بعنوان هكذا تكلم عرسان شطحات في عرس عازف الناي، ولي كتاب تحت الطبع بعنوان “المسرحية الشعرية المغاربية” ولعله أيضا أن يكون أول جهد في هذا الباب.

المجلة الثقافية الجزائرية: أنت روائي أيضا.. دعني أسألك ما معنى روائي/ أديب/ مثقف جزائري ضمن هذه الجغرافية السوسيوجهوية التي تضيق على أصحابها إزاء الواقع الراهن؟

للأسف الشديد على المستوى الاجتماعي تم الانتصار لرجل الدين، أنت تدرك عمق تأثير الإسلام في نفوس الناس، هذا الدين الذي جوفه أهله، وانتقلوا به من دين للثورة والرفض والحرية والدفاع عن كرامة الإنسان إلى عبادات صارت عندهم مجرد طقوس باردة، تميت أكثر مما تحيي، وتخدر أكثر مما تفيق، هذا الدين على مر الزمن صنع مثقفا نمطيا منحصرا في فقه العبادات غالبا، وعلى مر الزمن ظل الناس يطلقون على رجل الدين مهما كان بسيطا ومهما كان تافها اسم العالم، أما غيره مهما بلغ شأنه فلا يعنيهم أمره، ولعلك تشاهد معي التطبيل الذي يحظى به بعض الوعاظ في إعلامنا حين يكتب عنهم في الصفحات الأولى “العلامة فلان يزور الجزائر”، ويمكنك أن تحظى بذلك في المجتمع إذا ظهرت بمظهر رجل الدين بقميص ولحية وكلمات تحفظها خاصة من غريب السنة وخاصة ما ارتبط فيها بالمظهر، إضافة إلى ذلك فإن كثيرا من فنون الإبداع المعاصرة مازلت غريبة في واقعنا ومجتمعنا لأنها في عمومها وافدة علينا من الغرب، ومنها بالأساس المسرح والقصة والرواية ولو بعث الجاحظ في أيامنا هذه ما نظروا إليه إلا نظرة دونية، المشكلة هي في وعي المجتمع ومستوى ثقافته، ومادامت السلطة هي نتاج هذا المجتمع فلا يمكن أن تلقى منها إلا هذا الإعراض عن المبدع.

المجلة الثقافية الجزائرية: هذا يعني أن ثمة أزمة مثقف في النهاية؟

يعني أن هناك أزمة في المجتمع وأزمة خطيرة، ولا يمكن أن تتغير إلا بوجوب قيادة الطبقة المثقفة المستنيرة لهذا المجتمع، نحن الآن في حاجة إلى المثقف العضوي المناضل الذي يخوض المعارك ضد الواقع المتعفن المتردي ولا يبقى فقط متفرجا، كما أريده أن يفرض نفسه على مستويين، المستوى الأول هو ميدان الثقافة الذي يجب أن ينقى من الأدعياء، والطحالب، وأشباه المبدعين وأنا أجزم لك أن عشرات الإعلاميين لا علاقة لهم بالإعلام في حين تئن الكفاءات تحت نير البطالة، وأجزم لك أن ممن يحملون بطاقة اتحاد الكتاب ليسوا أدباء أو أدباء من الطبقة المئة، ولذلك اقترحت ذات يوم أن يوضع قانون يفرض حدا معينا من الإبداع يسمح لصاحبه بالترشح لهيئات اتحاد الكتاب، لقد وصلت حالنا أن يقود الاتحاد أدباء لم ينتجوا في الإبداع غير وريقات في حجم الدفتر العائلي، وإنه ليسوؤني أن يمثل هؤلاء الجزائر وثقافتها، المستوى الثاني هو السلطة التي يجب أن ترعوي عن فتح الباب أمام الجهلة والحمقى لقيادة المجتمعات، وما رأيك في رئيس بلدية أو نائب في البرلمان أو في مجلس الأمة لا يحسن قراءة كتاب ولا يحمل إلا شهادة ميلاد وينتظر شهادة الوفاة، الطبقة المثقفة يجب أن تنتفض على هذه العفونة، والأحزاب الأخطبوطية يجب أن تحترم المجتمع ولا تعبث به، وإلا فإن مستقبلنا سيكون حالكا.

المجلة الثقافية الجزائرية: كيف تفسر أن يعجز المثقف الجزائري عن صناعة مجرد اتحاد كتاب بمعناه الفاعل، في الوقت الذي يطالب (نفس المثقف الجزائري) بالتغيير والإصلاح وبأشياء أخرى؟

أنا كنت في اتحاد الكتاب قبل مؤتمر سكيكدة، ثم انسحبت بشرف استهجانا لما يفعله بعض المثقفين وأشباههم، لأن ما وقع للأسف الشديد لا يصدر عن مثقف واع، وإنما يصدر عن انتهازي متسلق، والواقع المزري الذي يعيشه اتحاد الكتاب حتى صار مضحكة يدل على ذلك، وكل محاولات الإصلاح ظلت بلا طعم، لأن لدى كثير من حملة رايتها أطماعا غير بريئة، ليس الهدف عندهم خدمة الأدب بقدر ما هو أطماع أيضا لتسلق السلم، وقد بلغني أن ديناصورات تتربص بالاتحاد من أجل الاستيلاء عليه متظاهرة بحبه وحب الجزائر والغيرة على ثقافتها، أدعو إخواني الأدباء إلى تنقية صفوفهم وإبعاد كل الأدعياء، في تونس لا يحق لك أن تكون عضوا في اتحاد الكتاب إلا إذا أصدرت كتابين وشهد لك أديبان بكفاءتك، أما نحن فالباب مفتوح أمام كل المخربشين، فكيف تريد أن يبقى للاتحاد هيبته وقد صار أشبه بحزب سياسي بليد، وكيف تريدنا أن نغير المجتمع ونحن لم نغير أنفسنا.

المجلة الثقافية الجزائرية: هل هذه الظروف هي التي دفعتك إلى الإعلان عن رغبتك في إحراق كتبك أمام الملأ؟

أردتها أن تكون صرخة في ضمير كل حي، في ضمير المثقفين أولا، وضمير المجتمع ثانيا، وضمير السلطة أخيرا، أحسست بمرارة العفن تسري في كل خلايا الكون من حولي، أحسست أن المجتمع يتهاوى بسرعة كبيرة، وقد تخلى عن دوره في صنع المشهد الثقافي وعن دوره في حماية ذوقه وفنه وإبداعه وعقله، أسألك اجر موازنة بين وضعنا الآن ووضعنا منذ عقدين من الزمن، انظر إلى واقع السينما وواقع التلفزة وواقع الإعلام وواقع الفنون كالرسم والغناء، نحن بكل تأكيد ننهار، أين مولود قاسم وإسياخم وعلولة وبوبقرة، وحسان تيرو وحديدوان ورابح درياسة وبلاوي الهواري ودورية من الشرق ودار اسبيطار، أين زمن التويزة والتطوع الذي أقمنا فيه ألف قرية والسد الأخضر والحجار و… لماذا عقمنا فجأة؟ أين ذلك الزمن الجميل حيث كنا نحمل الجزائر في أعماقنا؟ نقدمها على كل شيء حتى على ذواتنا. أتصور يقينا أن انهيار المجتمعات يبدأ من انهيار الفنون الجميلة فيها، حين لا تحسن أن تزرع الجميل، فإن الرداءة فيها ستزحف على كل شيء، وأخشى أن تكون الانتفاضات العربية سرابا بقيعة، شطحات مذبوح، كل همه أن يهدم لأنه لا يمكن أن يقدم البديل، ولذلك طالبت الطبقة المثقفة أن تتقدم الصفوف لتقود هذه الحركة وتقدم مشروع مجتمع بديل كي لا نواجه الفراغ، ونقع مرة أخرى في دكتاتوريات أخرى أنكى وأخطر، أو نرسخ الدكتاتوريات السابقة لتكون أكثر شراسة.

المجلة الثقافية الجزائرية: ما الذي يتوجب فعله في نظرك لإنقاذ ما يمكن إنقاذه؟

بعد صرختي وصلتني عشرات الرسائل من أدباء كبار داخل الجزائر وخارجها، وقد أحسوا فعلا بالمأساة، إضافة لمئات القراء الذين هزتهم هذه الصرخة، الكل مجمعون على مرارة الواقع في كل الوطن العربي، الكل مجمعون على وجوب التغيير، يجب على المثقفين أن يقودوا سفينة التغيير، ويجب زحزحة المتسلقين والوصوليين والأدعياء عن الطليعة، وقد قلت في حوار أجرته معي جريدة كويتية: الأقزام يقودون سفينة الإبداع في العالم العربي، أنا أطلب بوضع ميكانيزمات جديدة لفرض أمر واقع على المجتمع لإخراجه من غرفة الإنعاش التي وضع نفسه فيها، ليست المشكلة في اتحاد الكتاب فقط، بل في عمق المجتمع الذي لابد فيه من ثورة ثقافية عميقة مستنيرة وواعية تقطع الطريق أمام الرداءة والعفن والتخلف الذي يقدم حينا باسم الدين وحينا باسم التحرر والعصرنة، ونقطع الطريق أمام الأصوات الداعية للفوضى والعنف.

المجلة الثقافية الجزائرية: العديد من المثقفين الجزائريين يبدون منشغلين بمسائل ثانوية، وبحروب شخصية ضد بعضهم البعض، أكثر من انشغالهم بالهم الثقافي بمعناه البنّاء.. كيف تقرأ هذه الإشكالية؟

وهذا يفرض علينا أن نعرف بحقيقة المثقف، الذي هو ليس الحامل لكم معرفي فحسب، بل هو المنطلق من مرجعية يؤمن بها نحو آفاق التغيير في المجتمع الحامل لهواجس المجتمع، المدافع عن مصالح الجميع وعلى رأسها المصالح الفكرية والثقافية والإبداعية، فالمثقف في نهاية المطاف مرتبط بمجتمعه وقيمة لا بأهوائه الضيقة إنه على حد قول الجابري “ناقد اجتماعي” وعلى حد رأي غليون “منتج للمجتمع”.. فلا تكفي المثقف ما يحوزه من معرفة دون أخلاق تسمو به عن الطمع والجشع وبيع قلمه ومواقفه كما تبيع العاهرة شرفها، وقد شاهدنا كثيرا من هؤلاء يتملقون مسؤولين ويطبلون لحمقى وجهلة ويتزلفون لتحقيق مصالح مادية فانية، وما رأيك في أديب يزور انتخابات اتحاد الكتاب ويقصي منافسيه على سموهم الثقافي ويقدم بطانته على دناءتهم وتفاهتهم، الإبداع كبرياء وشرف وموقف وسلوك.

المجلة الثقافية الجزائرية: هنالك من يرى أن السلطة تدافع عن مصالحها، وبالتالي يتوجب على المثقف نبذ الحروب التافهة والبدء في الدفاع عن مصالحه هو الآخر.. ما رأيك؟

لا أتصور حربا ضروسا بين السلطة والمثقف بل أرى بينهما مدافعة وهي ضرورة لقيام الدولة واستمرارها، يجب على السلطة أن تعيش دائما هاجس الخوف من المثقف، وأن ترقب تحركاته محاولة أن ترتب نفسها وتغير مشهدها حتى لا تتجاوز، ويجب على المثقف أن لا يذوب في السلطة ويصير بوقا ناعقا لها، عليه أن يترك بينه وبينها مسافة، وأن يمارس شكلا من أشكال التعالي ليبقى دائما العين المراقبة والناقدة للسلطة، والقلم الذي تحسب له ألف حساب، ولعل ما سرع بالرداءة عندنا هو الإعلام، السلطة الرابعة التي تخلت عن دورها الفعلي وصارت في معظمها بوقا للرداءة والتهريج خاصة في المدن الداخلية، حيث يلهثون بالعشرات خلف حفلات الغناء، وخلف مقابلات كرة القدم، وربما خلف مسؤول هنا وهناك تحقيقا لمصالح ضيقة، أو خلف عورات الناس في المحاكم ينقلونها بالتفصيل، لكن لا علاقة لهم بالفعل الثقافي مهما كان كبيرا، ولقد لاحظت أن بعض مديري الثقافة يشترون ذمم بعض الأقلام لتكتب عن نشاطاتهم، التطبيل مقابل ما يحظون به من فتات. المثقف هو السلطة الأعلى، وعليه أن يعيد لملمة نفسه، ويخيط تمزقه ليقود السفينة قبل أن تغرق، مع احترامي للكفاءات الشريفة التي مازل لها أنفة ولها كبرياء، مازالت واقفة خدمة لهذا الوطن وهي موجودة في كل مؤسساتنا رغم قلتها.

المجلة الثقافية الجزائرية: دعني أعود إليك، انطلاقا من مقولة “يوسا” بأن على الكاتب أن يقرأ نفسه أولا… كيف يقرأ عزالدين جلاوجي نفسه؟

أنا مقتنع جدا بالجهد الذي قدمته حتى الآن، ومعياري هو ما كتب عن إبداعاتي من شهادة المبدعين النقاد الكبار، ليس هناك إبداعا يحقق الإجماع، لأنه فن والفن أذواق، وبالمناسبة أتوجه بالتقدير للكفاءات الجامعية التي أحاطت كتاباتي بكثير من الدفء والاهتمام، غير أن الظروف التي تحيط بي تقمعني في كثير من الأحيان عن تجسيد مشروعي الإبداعي، كما تفعل دون شك مع عشرات المبدعين الجزائريين، الذين يجب أن تمد لهم يد الدعم معنويا وماديا، لأن ما نقوم به هو أرث خالد لهذا الوطن.

المجلة الثقافية الجزائرية: ما يبدو جليا في النص الروائي عند جلاوجي هو ارتكازه على الحكائية بطريقة حديثه، ما بين التاريخ كواقعة والتاريخ كمخيلة…؟

لا أريد أن أرى نفسي في مرآة الآخرين، ولا صدى لهم دون أن أتنكر لتجارب كل من سبقني وعاصرني فنحن بشكل أو بآخر نستفيد من بعضنا، حتى من القبح أحيانا، بل لا أحب أن أكون غريبا حتى عن نفسي، أحاول كل يوم أن أجدد قناعاتي وأن أطرح الأسئلة المستمرة عما ترسخ في ذهني فكرا وإبداعا، ربما ذلك بفعل السن وبفعل القراءة، وربما بفعل نفسي الميالة إلى التمرد في كل شيء، وفعلا لقد أعدت النظر في كثير مما كان عندي قناعة، على مستوى الموروث، على مستوى الدين، على مستوى القيم، على مستوى المجتمع، وعلى مستوى الحياة بصورة عامة. روايتي “حوبه ورحلة البحث عن المهدي المنتظر” هي أول تجربة لي في كتابة التاريخ إبداعيا، وأنا لا أريد أن أنظر إلى التاريخ نظرة عداء بالمجان، كما لا أريد أن استسلم إليه بالمجان، فأنا على يقين أن جزء مهما من التاريخ يكتبه الأقوياء وتصنعه الصدفة العمياء، ما يهمني في التاريخ بالأساس هو بعث الإنسان فيه، معظم كتابات الغربيين الرومنسيين والكلاسيكيين والواقعيين هي كتابات مصدرها التاريخ، نحن الآن لا يعنينا منها إلا ذلك العمق الإنساني الذي أضفته تلك الكتابات على شخصياتها وانتقلت بها من شخصيات ورقية إلى شخصيات من لحم ودم، نحبها ونتعاطف معها، وانظر للأم لماكسيم غوريكي والشيخ في الشيخ والبحر لهمنغواي وهملت لشكسبير، وقد اخترت فترة أراها أخصب فترات الجزائر، حين أدرك هذا الشعب وجوب إعادة بناء نفسه عن طريق الفكر المحب المتسامح المتعالي عن الأنانية والفردانية، المضحي بكل شيء من أجل الوطن، للأسف كانوا يفتحون المدارس على حسابهم، ويطبعون الجرائد في تونس على حسابهم، ثم يوزعونها بالمجان، ونحن عجزنا أن نصدر مجلة ثقافية محترمة تصل إلى كل الناس، وما هو بين أيدينا انحرفنا به إلى ما لا يخدم مصالحنا العليا.

المجلة الثقافية الجزائرية: هل ترى أن قراءة التاريخ قراءة نقدية محايدة (بعيدة عن العاطفة) يمكن أن يقود إلى قراءة الواقع العام للبلد، ضمن ما يمكن أن يفرزه من ميكانزمات ثقافية واجتماعية والسياسية؟

أعتقد أن الروائي ليس مؤرخا بالأساس، والبحث عن الحقيقة هي مهمة المؤرخ الذي يملك آليات في ذلك يعرفها في علم التاريخ، الأديب مهمته هي أن ينطلق من التاريخ مكانا وزمانا وإنسانا ليبعث فيه الحياة، ليعيده نابضا متألقا كما كان، ليقلب صفحات الإنسان قبل صفحات التاريخ ليعرف عواطفه ومشاعره وأحاسيسه، ليعرف هذا الإنسان في علاقته بالحياة بكل تمظهراتها، دون أن يمنع ذلك الأديب من أن يثير المسكوت عنه في التاريخ، أو أن يطرح الأسئلة بحثا عن الإجابة، وهو حين يفعل ذلك ليس من حقه أن ينزل من برجه الإبداعي الفني الجمالي إلى منازل أخرى.

المجلة الثقافية الجزائرية: مع ذلك، يبدو جلاوجي مهتما بسيمائية النص الذي يكتبه، بحيث تتداخل فيه مؤثرات كثيرة مثل التجريب، ومثل الرغبة في صناعة نص جزائري حداثي.. ما رأيك؟

هذا هاجسي الأكبر، أن أنتج نصا مختلفا، وكتاباتي في القصة والرواية والمسرح تدل على ذلك، أؤمن بوجوب الانفتاح على الثقافة الغربية والاستفادة من الإمبراطورية المعرفية والفلسفية والإبداعية التي قدمتها، بل والانفتاح على ثقافات كل الشعوب، دون أن ننفصل عن موروثنا، الموروث العربي الإسلامي العملاق، والموروث العربي الذي يتداخل فيها البعد الأمازيغي في هويتنا وانتمائنا أيضا، أنا لا أؤمن بإبداع لقيط دون هوية، ولقد صدق ماثيو آرنولد الأنجليزي حين قال: “علينا حين نتحدث عن النقد أن نراعي الموقف الحضاري الذي نشأ فيه ويعمل في ظله”، هذا النقد فما بالك بالإبداع الذي هو لصيق بانتماء الإنسان وجذوره، أنا أؤمن بإبداع يمثلنا نحن ليكون غصنا مثمرا في شجرة الإبداع العالمية، وكفانا هرولة خلف الآخر لأنه سيحترمنا حين نحترم أنفسنا، وكفانا تمزقا بين الضفتين، لابد أن ننشئ إبداعنا مشرعين قلوبنا بكل الحب لما تنتجه كل شعوب الدنيا. وقد سبقتنا تجارب طيبة في الوطن العربي مشرقا ومغربا حاولت أن تؤسس لخصوصياتها، ومثال ذلك الاحتفالية في المغرب هذه الفكرة التي أطلقها برشيد وتبناها كل المغاربة لأنها انتصار في النهاية لهم، فلماذا نحارب نحن تجارب التأسيس لدينا؟ ولماذا نواجهها بكثير من الحقد والاستهزاء؟ ولماذا لا نزيد عليها لتنمو وتزهر؟ وانظر لتجاربنا الفردية في النقد من مصايف إلى ركيبي إلى مرتاض إلى بوطاجين حتى إلى وغليسي، وانظر لكتاباتنا في الفكر والشعر والرواية وغيرها.

المجلة الثقافية الجزائرية: هل تشعر انك مهموم بذاتيتك كأديب، إزاء واقع يقدّس الرداءة على حساب الأصالة والجودة والعمق؟

هي ليست طبيعتي فحسب بل طبيعة كل مبدع حقيقي، لا يمكن أن يكون المبدع كذلك إلا إذا كان رافضا لكل ما يحيط به فكريا وجماليا، المبدعون في كل مجالات المعرفة هم وقود المجتمع ينتفضون فينفضون عليه الخمول والجمود والتخلف، المبدعون دوما هم حراس الجمال في مجتمعاتهم، ألا ترى أن القبح يغتال كل جميل من حولنا، حتى بيوتنا وشوارعنا وأسواقنا وأخلاقنا أيضا، الموسيقى الهابطة والكلمات السافلة تمتد لتسرق من حولنا كل جميل، في كل شيء لا نرى ذواتنا ولا نرى امتدادنا الطبيعي، من حق المثقف عموما والمبدع على وجه الخصوص أن يحس بالاغتراب الشديد. يمكنك أن تجد عشرات الجرائد الهابطة، لكن لا يمكن أن تجد في هذا الفراغ جريدة ثقافية أو فنية ترقى بذوق المجتمع، لسنا بأقل من دول عربية تملك منابر للمسرح والسينما والأدب والإبداع عموما، كيف تصدر عمان وهي عاصمة لدولة فقيرة مجلة راقية تحمل اسمها وتوزع على كل المثقفين العرب مجانا، ألسنا أولى أن نؤسس مجلة راقية تحمل اسم الجزائر وما أدراك ما الجزائر؟ تعرف بثقافتنا وتجاربنا إلى كل أشقائنا؟

المجلة الثقافية الجزائرية: دعني أسألك الآن كيف تقرأ زملائك الأدباء الجزائريين؟

لا أعتقد أنهم يختلفون عني من زاوية حملهم لهم الثقافة وهم الوطن، هم جميعا يعانون من واقع مرير ويسعون أيضا لتجاوزه، ولا شك أن في الجزائر طاقات خلاقات ومبدعين متميزين، لا نريدهم أن يموتوا كمدا، ولا نريدهم أن يفروا خارج هذا الوطن الجميل، نريدهم أن يستمروا حاملين مشعل الإبداع والمحبة والتفاؤل بغد أجمل وأروع، غد للعزة والكرامة، وبهم وبكل طاقاتنا على كل المستويات سننهض ببلد كبير في المنطقة، يهابه الأعداء، ويسير خلفه الأصدقاء.

المجلة الثقافية الجزائرية: هل تشعر أن النقد خذلك؟

لا أبدا، الحركة النقدية في الجزائر من خلال الجامعات الجزائرية اهتمت كثيرا بكتاباتي، وقد قدمت عشرات الرسائل عنها، وبحوزتي عشرات البحوث والمقالات الجيدة عن تجربتي، بل كتب عن أعمالي في كثير من الدول العربية المغرب تونس مصر الأردن سوريا وغيرها وأنا أنتظر صدور كتاب عن تجربتي الرواية هذه الأيام بتونس. المشكلة أن هذه الحركة النقدية عندنا مغبونة مادامت تفتقد لمنبر محكم يحافظ على استمراريته ومستواه، ويفتح ذراعيه للطاقات النقدية عندنا، وهي طاقات متميزة ورائدة، معظم نقادنا يلجأون إلى المجلات الجامعية وهي كما تعلم لا تباع ولا توزع ومعنى ذلك حرمان المهتم منها إلا إذا كان مرتبطا بالجامعة، أو يلجأون إلى منابر مشرقية كنزوى وعلامات والفكر والبيان ومجلات اتحاد الكتاب العرب، وربما لجأ نقادنا إلى المواقع الالكترونية التي وجدوا فيها متنفسا، نحن إذن في حاجة إلى منابر راقية تحضن كتاباتنا وتسمع صوتنا الإبداعي والنقدي على السواء للعالم العربي.

المجلة الثقافية الجزائرية: لعل ما أعنيه هو: كيف لعزالدين جلاوجي ألا يحظى بالانتشار الأدبي والإعلامي، الذي يحظى به أدباء ربما أقل موهبة منه مثلا؟ أين الخلل؟

الانتشار الإعلامي لا يعني الجودة بالضرورة، وإنما تتحكم فيه ميكانيزمات أخرى، منها التواجد خارج الوطن مثلا بفرنسا أو بالمشرق لترسانة النشر والإعلام التي يملكونها، ومنها التواجد في العاصمة الذي أرى أن الحركة الإعلامية الثقافية فيها أنشط، وهي للأسف مركزية مقيتة، أدباء الداخل يعانون جدا، ويمكن أن أذكر هنا من الشعراء: عبد الله العشي، وعثمان لوصيف، وعبد الرحمن بوزربة، ويس أفريد، ولخضر فلوس، والطيب طاهوري، و…. هذه تجارب شعرية جميلة فمن يذكرها؟ أين محلها من الساحة الإبداعية الجزائرية؟ ومثلها في النقد والرواية والقصة. ولعلي أكثر حظا لأني أتحدى وأقوم بكل شيء: الكتابة الإبداعية، والطبع، والنشر، والتواصل الدائم مع المهتمين بكتاباتي حتى خارج الوطن.

المجلة الثقافية الجزائرية: هذا يعيدني إلى سؤالك عن المحرقة التي ذكرت أنك سوف تقوم بها.. ما الذي يجب عمله كي لا يحرق الكاتب ذاكرته الأدبية؟ وكيف تفسر ألا يثور المثقف على الواقع المزري؟ هل لأن المثقف يتحمل مسؤولية واقعه؟ أم لأن الآليات التي تتأسس عليها الثقافة الجزائرية اليوم خطأ؟

لا أتصور طبعا إبداعا دون ثورة لأن الإبداع في حد ذاته رفض وثورة وتجاوز وإلا ما سمي إبداعا، والمبدعون الكبار هم ثوار بشكل أو بآخر، من امرئ القيس إلى بشار وأبي نواس إلى أبي تمام والمتنبي إلى السياب ومفدي زكريا، قدر المبدع أن يكون ثوريا، فإن لم يكن كذلك فهو فاشل، المتصالح مع ذاته والمتصالح مع واقعه ومجتمعه لا يمكن أن يكون مبدعا بأي حال من الأحوال. المثقف هو الذي يجب أن يغير الواقع ويغير المجتمع ويغير السلطة، فإن كان ينتظر منها أن تتغير من تلقاء نفسها لتتفاعل معه فهو واهم، الطريق أمامنا طويل وشاق، وقد أكدت سابقا لا بد من إعادة النظر في كل موروثنا وفي واقعنا ومجتمعنا وفي آلياتنا المعرفية التي يجب أن نقود بها التغيير.

المجلة الثقافية الجزائرية: ماذا تقرأ الآن؟

منكب على إتمام رسالة الدكتوراه، أعيش لحظات جميلة في رحاب المنهج الموضوعاتي خاصة من خلال كتابي سحر الموضوع لحميد لحمداني، والموضوعية البنيوية دراسة في شعر السياب لعبد الكريم حسن، الأول في نقد النقد، والثاني في نقد الشعر.

المجلة الثقافية الجزائرية: ماذا تكتب؟

أخوض تجربة روائية جديدة مختلفة تماما عما قدمته سابقا قد ترى النور مع العام القادم، هذه التجربة أردتها استراحة محارب الذي لا يضع سيفه بقدر ما يغير ميدان المعركة، لقد كانت تجربة “حوبه ورحلة البحث عن المهدي المنتظر” متعبة جدا حيث أخذت مني جهدا في القراءة أولا، والتعايش مع الإنسان والجغرافية وحياة لم أعرفها، وتهجي تضاريس وأحياز عفا عليها التاريخ، وعبث بها الإنسان الذي يهرول نحو كل جديد ولو على حساب ذاكرته ثانيا، ثم مرحلة الكتابة وإعادة الكتابة، لقد مرت علي أشهر صعبة فعلا.

كلمة لقراء المجلة ترغب في قولها؟

الارتقاء بواقعنا نحو ما هو أجمل وأروع هي مهمة الجميع، لابد أن نحس بنقائصنا ثم نسعى نحو إعادة مجد أمة طالما رددت “وخير جليس في الأنام كتاب”، ولعل مجلتكم/تنا ستكون دوما منبرا للحب والخير والجمال إحساسا منها بثقل الأمانة عليها، ولكم جميعا محبتي

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق