قراءات ودراسات

نظرات جديدة في قراءة النص الشعري

د. عاصم زاهي مفلح العطروز*

نظرات جديدة في قراءة النص الشعري
​إن القارئ المتتبع والباحث المتمعن لمسيرة حياة النقاد القدامى ولمؤلفاتهم يتبيّن له أن أغلبهم أو جلّهم كانوا شعراء، أو قل ينظمون الشعر، ويجيدون قوله. ولست أقول إن الناقد أو الدارس يجب أن يكون شاعراً، ولكنني أقول: إن الناقد أو الدارس إذا كان شاعراً، كان أدق نظراً، وأعمق نظرة، وأجلى بصيرة، وأهدى سبيلا، وأبعد أفقا، وأطول باعا، وأعلى كعبا، وأسد رأيا. لا يعارض هذا أو يماري فيه إلا كل من ثنى عطفه وتولى كبره، وإنه لمدعٍ مغرور؛ ذلك لأن كل صانع أعرف بصنعته، وكل تاجر أدرى ببضاعته، وكل صائغ أعلم بسبائكه، وكل موسيقي أخبر بآلاته.
​والشعر جماع الفنون وسيّدها وأرقاها وأسماها بإجماع. فالشاعر رسام، والشاعر مصور، والشاعر نحات، والشاعر عازف، والشاعر صائغ، ومعادنه وكنوزه هي اللغة. ألفاظها مواد رسم لوحاته، وكنوز نظم عقوده. وهو بما أوتي من ملكة أو الهام، أو سمّه ما شئت، يختار منها ما شاء، وينتقي منها ما أراد، ثم يضم هذا إلى ذاك أو إلى تلك، وينظم هذه بتلك أو بذلك؛ فيُنتج ويُخرج هذه التحف الفنية الرائعة بأشكال صوغها، وهذه اللوحات البديعة بألوان صورها، الحيّة بحركاتها وأصواتها، ويصدر هذه المعزوفات الناطقة، تصغي لها الأسماع، وتخفق لها الأفئدة، وتستجيب لها خطرات النفوس، وتلبيها خلجات المشاعر، وترجّعها أوتار القلوب. هذه التحف، وهذه اللوحات، وهذه المعزوفات التي طالما أطربت وأشجت، وأضحكت وأبكت، وأفرحت وأحزنت، ووصلت وقطعت، وأنامت وأسهرت، وأقامت وأظعنت، وأرضت وأسخطت، وأغنت وأفقرت، وأحيت وقتلت…
​والقصيدة هي الشاعر في زمان ما، ومكان ما، وحال ما، فمشاعر وأحاسيس ما، تشحذ قريحته، وتنبّه إلهامه، وتوقظ وحيه؛ فيستجيب لها وتستجيب له، فيشرع يصور ويرسم، ويصوغ وينظم، ملبياً هاتف ما أملى، ومناجياً طيف ما طرأ أو طرق، راسماً خيال ما استشعر، ومصوراً ظلال ما أحسّ، مستجيباً لدواعي ما دعا، مجيباً داعي ما دفع فأوجب.
​وإنّي إذ ذكرت (المكان)، فقد وجدته مقاماً للتنبيه على وَهْم وقع ويقع فيه أكثر من عرضوا ويعرضون لدراسة معلقة طرفة بن العبد، وموضع هذا الوهم الأبيات الثلاثة الآتية :
لِخَولة َ أطْلالٌ بِبُرقَة ِ ثَهمَدِ

تلوح كباقي الوشم في ظاهر اليدِ
وُقوفاً بِها صَحبي عَلَيَّ مَطيَّهُم

يَقولونَ لا تَهلِك أَسىً وَتَجَلَّدِ
كَأَنَّ حُدوجَ المالِكيَّةِ غُدوَةً

خَلايا سَفينٍ بِالنَواصِفِ مِن دَدِ
​وينبئ البيت الثاني بأن طرفة كان قد أتى ديار خولة زائراً، فوجدها كما قال النابغة في ديار ميّة:
أمْستْ خَلاَءً وأَمْسَى أَهْلُهَا احْتَمَلُوا

أخْنَى عَلَيِهَا الَّذِي أخْنَى عَلَى لُبدِ
​فما ثمّ غير الأطلال والرسوم؛ فكاد عقله يطيش، وكاد فؤاده يَطير، وكاد قلبه يخرج من صدره حزناً واسى. وليس ثمة من يسعفه أو يواسيه غير عينيه اللتين راحتا تسحّان العبرات وتسفحان الدموع غزيرة مدرارة، وذلك قبل أن يأتي إليه صحبه بزمن ليس بالقصير، وأنهم إذ حضروا ورأوا ما هو فيه، رقّوا له ورثوا لحاله، وراحوا ينصحونه بالصبر؛ إشفاقا عليه، ورأفة به، وتعزية له.
​ولكنّ مطلع القصيدة على هذه الرواية لا يدلّ على وجود طرفة في ديار فتاته، ولا يشير إلى ذلك مجرّد إشارة. ومن يتتبع المصادر يجد بأن بعض العلماء قد ذكروا صيغة أخرى لصدر البيت الأولى غير هذه؛ فقد جاءت روايته على هذا النحو :
لِخَولة َ أطْلالٌ بِبُرقَة ِ ثَهمَدِ

ظللتُ بها أبكي وأبكي إلى الغد
​ولا ريب في أن الدارس يتبين له أن هذه هي الرواية الأرجح لمطلع القصيدة؛ إذ بها تتسق الأفكار والمعاني باتساق النظم. فطرفة واقف على أطلال خولة في هذا المكان الذي ذكره، وقد أمضى يوما كاملاً بنهاره وليله يبكي ويبكي، قبل أن يحضر أصحابه ويروا ما هو فيه فيشاركوه الوقوف والمشاعر، ويُسدوا إليه ما أسدوا من النصائح.
​وثمة وَهْمٌ آخر ألفيت بعض الدارسين يقعون فيه؛ وذلك في شرحهم للبيت الثالث. وإنه لوهْمٌ سببه عدم تنبّههم لما فيه من تقديم وتأخير. وبيّنٌ بأن طرفة في هذا البيت يصف مراكب: (حدوج) هذه الفتاة المنسوبة إلى بني مالك، وما هي غير خولة. وهو يشبه الناقة التي تحمل هودجها، والإبل الأخرى التي تحمل ما يخصها من حليّ وأثاث ومتاع ونحوها بالسفن الضخمة: (خلايا سفين)؛ وذلك تعبيراً عما هي وأهلها فيه من النعيم وبُلهنية العيش. ولكن طرفة إذ نظم البيت فقد قدّم وأخر؛ فجاء ظاهر النظم يوحي بأن هذه السفن الضخمة المشبّهة بها مراكب هذه الفتاة موجودة في ساحات: (النواصف) هذا المكان: (دَدٍ). ومن هنا كان وَهْمُ بعض من شرحوا البيت على ظاهر النظم، غير متنبهين إلى ما فيه من تقديم وتأخير؛ فجعلوا هذه السفن الضخمة في ساحات دَدٍ. ومعلوم بداهة أن مواطن السفن هي البحار ونحوها، لا ساحات دَدٍ، ولا سواها من الأماكن في البرّ. وبه يتبيّن بأن ترتيب ألفاظ البيت قبل نظمها هو: كأنّ حدوج المالكية غدوة بالنواصف من دَدٍ خلايا سفين.
​ومما ينبغي على الدارس قبل دراسته للنص الشعري أن يلتفت إلى الجو العام الذي قيلتْ فيه القصيدة، مع مراعاة للحالة النفسية التي كان فيها الشاعر، وهما ما أملى عليه قول ما قال؛ إذ إن عدم إيلاء بعض الدارسين للحالة النفسية للشاعر وما تستحقه من عناية وتستأهله من اهتمام جعلهم لا يلتفتون إلى انتقاء الشاعر لألفاظه؟! فصار سواء عندهم قوله: (ظعنتْ)، وقوله: (رحلتْ)، وقوله: (بانتْ)؟!. مع أن لكل لفظ من هذه الألفاظ معنى ودلالة تختلف عن الأخرى؛ فالشاعر ينتقي منها ما وافق حالته النفسية. كما ينبغي على الدارس أيضاً قبل شروعه في دراسة قصيدة لشاعر ما أن يكون لديه معرفة مسبقة بحياة الشاعر، وأن يقرأ كل شعره؛ وذلك لأن القصيدة من الديوان كالبضعة من الجسد. ولنقف عند هذا البيت –نمثل به- الذي هو مطلع معلقة عنترة في بعض المصادر، وثاني أبياتها في نسخة ديوانه المحققة التي بين يديّ:
أَعْـيَــاكَ رَسْـــمُ الـــدَّارِ لَـــمْ يَتَـكَـلَّـمِ

حَـتَّــى تَـكَـلَّــمَ كَــالأَصَــمِّ الأَعْــجَــمِ
​ويعرض للدارس مجموعة أمور في البيت تبدو مبهمة ملبسة، فثمّة من يخاطبه عنترة مخاطبة المشفق الراثي، وثمّة دار مضى على رحيل أهلها عنها أو هجرهم لها زمان بعيد؛ فلم يبق منها سوى رسم، لا رسوم، رسم واحد، هكذا أراد عنترة، وجعله المراد المعني. ولقد دأب المخاطب في مساعيه لإنطاق هذا الرسم، وبذل في سبيل ذلك كل طاقة، وجهد أيما جهد، ولكن هذا (الرسم) ظل مزمعاً الصمت، مصرّاً على السكوت، إلى أن أرغمه إلحاح المثابرة ومتابعة المواضبة، ومواصلة الدأب على أن ينطق، فنطق، ولكنّ نطقه كان كنطق العيي، مشوباً متقلقلاً رخواً مضطرباً. فمن هو هذا المخاطب، وما هو هذا الرسم، بل من هو هذا الرسم، وما المراد بهذا النطق أو الإنطاق، ولماذا كان نطقه على هذه الصورة وبهذه الصفة؟ أسئلة تعسر الإجابة عنها، بل قد تتعذر، بغير ما ذكرته من ضرورة بل بوجوب وقوف الدارس على حياة الشاعر، واطلاعه على ديوان شعره، قبل الشروع في دراسة إحدى قصائده، أو بعض قصائده.
​ونقدّم للإجابة عن هذه الأسئلة بقول: إن في البيت حذفاً، وإن الأصل الدال عليه النظم والمنبئ به المعنى هو: أعياك إنطاق رسم الدار، ولكن عنترة حذف الفاعل (إنطاق)، وأقام المضاف إليه: “رسم الدار” مقامه.
​وتخبرنا المصادر التي تحدثت عن عنترة بأنه كان ابن أمة تدعى زبيبة، وأنه بموجب ذلك العرف الظالم، القاضي بعدم إلحاق أبناء الإماء في النسب، وباسترقاقهم؛ فليس ثمة عمل يحسنونه غير ما كلّفوا به وأرغموا عليه من رعي البهم صغارا، والإبل والمواشي بعد أن يكبروا وتشتدّ أعوادهم. ولكن عنترة الفارس الشجاع البطل المقدام كان نسيج وحده، ولم يكن كغيره من أبناء الإماء، فيرضى بأن يسام الخسف، ويقبل أن يُمنع النصف، بل وقف في وجه هذا العرف الجائر معترضاً ثائراً مقاوما صارخا:
أُعادي صَرْفَ دَهْرٍ لا يُعادى

وَأَحتَمِـلُ القَطيعَـة وَالبِـعـادا
تُعَيِّرُنـي العِـدا بِسَـوادِ جِلـدي

وَبيضُ خَصائِلي تَمحو السَـوادا
وَلَولا صارِمي وَسِنـانُ رُمحـي

لَما رَفَعَت بَنـو عَبـسٍ عِمـادا
ولم يكن من السهل نَيلُ عنترة حريته، واعتراف أبيه به وإلحاقه إياه في نسبة، وإنما نال ذلك بما كان فيه من الشجاعة والبسالة والإباء، وما كان عليه من خلق، وما بذله من جهود، وما قدمه من تضحيات. وتحدثنا المصادر بأنه كثيرا ما كانت قبيلته تتعرّض للغزو والسلب وسبي النساء والذراري، وكان أكابر قومه ولا سيما أبوه وعمّه أبو عبلة إذ ذاك يهتفون باسمه، وينادونه بسيّدنا وحامينا، ويدعونه بـ: “يا ابن الأطايب”، ويعدونه الوعود، ويمنّونه الأماني، إن هو أغاثهم وأنجدهم حتى إذا فك عانيهم واسترد سلبهم، وأنفلهم من عدوّهم، عادوا سيرتهم الأولى من التنكر له وإنكاره، والتنصل مما وعدوه به ومنّوه إياه، وهو جُلّ ما تضمنه البيت موضوع الدراسة. تفصّل إجماله وتعرب عنه وتجليه المقطوعة الآتية :
أُعاتِبُ دَهراً لاَ يلِينُ لعاتبِ

وأطْلُبُ أَمْناً من صُرُوفِ النَّوائِبِ
وتُوعِدُني الأَيَّامُ وعْداً تَغُرُّني

وأعلمُ حقاً أنهُ وعدُ كاذبِ
خَدَمْتُ أُناساً وَاتَّخَذْتُ أقارباً

لِعَوْنِي وَلَكِنْ أصْبَحُوا كالعَقارِبِ
يُنادُونني في السِّلم: يا بْنَ زَبيبة

وعندَ صدامِ الخيلِ: يا ابنَ الأطايبِ
وَلَولا الهَوى ما ذَلَّ مِثلي لِمِثلِهِم

ولا خَضعتْ أُسدُ الفَلا للثَّعالبِ
فيَا لَيْتَ أَنَّ الدَّهْرَ يُدني أَحبَّتي

إليَّ كما يدني إليَّ مصائبيِ
سَيَذكُرُني قَومي إِذا الخَيلُ أَقبلت

تجول بها الأبطال من كلّ جانبِ
إذا ما نَسَوْني فالقواضبُ والقنا

تُذكّرهم فعلي ووقْعُ المضاربِ
بوقوف الدارس على هذه المقطوعة، التي تُجمِلُ سيرة حياة عنترة بين أهله وقومه، وتنبئ بما قاساه منهم وما عاناه من سوء معاملتهم، وبها يتّضح له ما غمض، ويبين ما أشكل، ويتجلى ما أبهم، ويجاب عمّا طرح من أسئلة تضمّنها البيت موضوع الدراسة. فالمخاطِب الفاعل عنترة، والمخاطَب المفعول عنترة أيضا، وإنما فعل ذلك؛ فجرّد من نفسه شخصا آخر، وجعله المعنيّ بالخطاب؛ لأن في إخباره ما يتضمّن معنى الشكوى: (أعياك) وما مثله بمن يشكو. وأمّا (رسم الدّار) الذي أعياه إنطاقه، فإنه رمز لقومه الذين أرهقوه من أمره عسرا، لكي ينيلوه حرّيته، ويقرّوا له بالنسب فيهم، وهو ما أبدل به (الأيام) في البيت الثاني من المقطوعة. وأما كلام الرسم أو إنطاقه، الذي أوجبه عنترة، وأرغم الرسمَ عليه عنترة، فإنه رمز لاعتراف القوم به وكناية عنه، وهو اعتراف أوجبه عليهم عنترة، وألزمهم به عنترة، وأرغمهم عليه عنترة، وهو اعتراف بيّنَ سبيلَه والدافعَ إليه، والمرغِمَ عليه، في البيتين الأخيرين من المقطوعة.
وأما تشبيهه لنطق الرسم، بل إنطاقه، بنطق الأصم الأعجم، فإنه كناية كذلك عن كثرة وعودهم له، وكثرة تردّدهم فيها وإخلافهم لها؛ وذلك لأن الأصم قد يكون في سنيّ عمره الأولى كان يسمع، ثم أصيب بالصمم، وظل يجري على لسانه ما احتفظت به ذاكرته من ألفاظ، ولكنه يخرجها رخوة مضطربة متقلقلة مشوّشة. وزاد بأن وصف هذا الأصم بالأعجم؛ إمعانا في التعبير عن كثرة تلك الوعود، وتلك المساومات والمماطلات. فنطق هذا الرسم ليس كنطق الأصم وحسب، ولكنه كنطق الأصم الأعجم. مع ملاحظة أنه جعل نطق الأصم الأعجم مشبّها به؛ إمعانا آخر في الكناية عن كثرة الوعود، وكثرة المساومات والتسويفات والمماطلات، ولبيان أن ما ناله من حريته، وحازه من شرف النسبة في قومه، إنما كان بشق النفس، وتقديم التضحيات؛ بين ضرب السيوف، وطعن القنا، ووقع المضارب.

*أستاذ مساعد في النقد الأدبي/ الإمارات العربية المتحدة/ الشارقة

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق