قراءات ودراسات

دراسة ذرائعية في قصيدة” التأشيرة” للشاعر هشام الجخ

من إنجاز عقيلة مراجي*

المقدمة: الشعر تجربة روحية معقدة لكنها جميلة، إسراء ومعراج في مخيال متوقد يخطف من سلال الواقع في كل مرة ما طاب له أن يفصح عنه تارة ويسره تارة أخرى؛ فيلمح ويصرح ويبدع ويصور ويسرد …ويغوص ويطفو ويحلق ويسافر في عوالم مختلفة، لكنه في كل ذلك لا يسير حذار الذات بل ينطلق منها باحثا عنها في بيئة شعرية أكبر، هو جزء منها، وكما يقف المسرحي على الخشبة مستثمرا كل تقنيات التعبير ليوصل رسالة مثقلة بالقيم الإنسانية ملتحفا بالدراما أحيانا وبالكوميديا أحيانا وبالميلودراما أحيانا أخرى، يقف الشاعر على خشبة الفن يدلي بدلوه كالصبح المعتق، فيقدم النافع في الجميل، والجميل في المؤثر والرسالي، فيعتنق الجمال الخيال ويعتنق الاثنان الواقع بكل هفواته فيرسمان لنا لوحة فنية تبوح بخطايا الروح الفردية والجماعية وتطهرها بالبوح عن مكنونات الذات ورؤيا العالم،
وبذلك يتشكل لنا نصا فسيفسائيا غنيا بالأبعاد النفسية والاجتماعية والتاريخية والمعرفية وغيرها ويتخذ البناء جمالا فنيا يختلف من نص إلى آخر، ويعتمد الناقد الذرائعي على جملة من المداخل والأبواب المنفصلة ظاهريا المتكاملة وظائفيا ليكشف عن أبعاد النص وخلفياته الأخلاقية ومرجعياته الإيديولوجية..وقيمته الجمالية الفنية محللا ومناقشا في قراءة متكاملة تنصف النص باعتباره منجزا تتداخل فيه الأبعاد والقيم والفن، متسلحا في ذلك بالكثير من الرؤى الفلسفية والعلمية والآليات النقدية والخبرات المعرفية …فيقارب ضمن الجنس مكتشفا بوادر الإبداع وراصدا لأيقونات الجمال في النص…

نبذة عن حياة الشاعر:

• ولد هشام الجخ في 1أكتوبر عام 1978 في محافظة سوهاج، لأسرة صعيدية من أصل قناوي، حيث ينتمي لقبيلة الهوارة (بمركز أبو تشت محافظة قنا)، درس هشام الجخ في سوهاج ثم انتقل في مرحلة الجامعة إلى القاهرة وحصل على بكالوريوس كلية التجارة من جامعة عين شمس عام 2003، وفور التخرج تم تعيينه مشرفاً على المركز الثقافي في جامعة عين شمس حتى استقال من هذه الوظيفة عام 2009 رافضاً حياة الموظفين التقليدية وأيضاً ليتفرغ بشكل كامل للشعر، وقبل ذلك كان قد حصل على الدراسات العليا في علم إدارة الأعمال من نفس الجامعة عام 2007، أيضاً حصل على لقب أحسن شاعر عامية شاب من اتحاد الكتاب المصري عام 2008، حصل على المركز الثاني فاعتبر (الجخ) رائداً في مجال كتابة القصيدة (المضفرة) التي تجمع بين مقاطع من شعر الفصحى ومقاطع من شعر العامية، ويعتبر أيضاً رائداً في مجال تنظيم الحفلات الشعرية وتقديمها بشكل مختلف وجذاب وإدخال الموسيقى مع الشعر مع الإيقاع الحركي على المسرح.
• عُرِفَ بأدائه المتميز وحضوره الكبير على خشبة المسرح حتى انتقده العديد من النقاد بأنه يميل إلى كونه ممثلاً أكثر من كونه شاعراً.
• له العديد من القصائد بالفصحى وبالعامية المصرية اشتهرت من خلال تواجده المستمر في وسائل الإعلام العربي نذكر منها: (التأشيرة) و(جحا) و(أيوة بغير) و(إيزيس) و(3 خرفان) و(آخر ما حرف في التوراة) و(متزعليش) و(طبعا ماصليتش العشا) و(الجدول) و(مشهد رأسي من ميدان التحرير) وغيرها من القصائد التي لاقت رواجاً كبيراً بين الشباب العربي بشكل عام والمصري على وجه الخصوص.
• كان (الجخ) من المبشرين الأوائل بثورات الشعوب العربية من خلال قصائده الثورية منذ التسعينات.
• بدأت رحلته الحقيقية مع الشعر عندما استقال من وظيفة الجامعة عام 2009 رافضاً أن يعيش الحياة التقليدية للموظفين، غير أن البيروقراطية وقتها كانت شيئا قاتلا لكل الأنشطة الطلابية ولكل مناحي الإبداع بخلاف الدولة الأمنية المقيدة لكل شيء آنذاك، فأتخذ هذا القرار ليتفرغ للشعر وليهتم بمشروعه الذي حلم به لمدة 15 عاماً وهو: زيادة شعبية الشعر في مصر وإعادة الشعر على ألسنة الشباب والأطفال
فاز في مسابقة أمير الشعراء بأبي ظبي في الشعر الفصيح عام 2011، أطلق عليه شعراء جيله لقب (هويس الشعر العربي) .. والهويس: هو القنطرة التي تقوم بضخ الماء لري الأرض الزراعية العطشى .. وربما أطلقوا عليه هذا الاسم لارتباطه بالتدفق الشعري .. أو ربما لارتباطه بصعيد مصر وبالأرض وبالحياة الفلاحية

2-البؤرة الثابتة في النص:
في هذا الباب يعمد الناقد بمنهجية التحليل البرغماتيكي / الذرائعي للنصوص الأدبية ، إلى البحث عن المكون الثابت في أي منتوج أدبي ، و اعتمادا على ديناميكية التنصيص ، لرصد النص بمنظار شمولي لهيكلته البنائية و الجمالية و الفكرية للوقوف على المغزى العام لتوابث الشاعر الفكرية و الأدبية و قناعاته الشخصية و اتجاهاته الأيديولوجية تجاه مجتمعه خاصة و تجاه الانسانية عموما ، و للوقوف أيضا على الرسالة التي يتبناها كأساس يكرس لها طاقاته و جهوده ، تلك الرسالة التي تميز كتاباته و تميزه عن غيره من الأدباء و الشعراء و الكتاب . نجد أن الشاعر يتبنى هدفا و رسالة محددة المعالم و مؤطرة المفاهيم وطنية ترمي لمّ الشمل و المصالحة و القيم الإنسانية الفاضلة تنبذ العنف و التمييز و تنشد العدل و الإنصاف(1) file:///C:/Users/infoo_pc/Desktop/%D8%A7%D9%84%D9%86%D
وفي هذا النص تعطينا العنونة ملمحا عن البؤرة الثابتة في النص، فـ”التأشيرة” هي مفتاح العبور إلى الغد، إلى الحلم الجميل، إلى الوطن إلى الأمان، فالشاعر قد أخذ على عاتقه أن يكرس الشعر لخدمة القيم الإنسانية والوطنية، شعر رسالي هادف يعتنق الجمال وسيلة لا غاية في حد ذاتها ..لكنه يعبر منها إليها بأساليب فنية جميلة، الوحدة العربية والفساد السياسي ومحاربة الفرقة والتفرق والفتنة ..
والتأشيرة هي تصريح لذلك العبور، فالشاعر يريد من خلال هذا العنوان أن يسافر في عالم الممكن لا عالم الكائن فيتخذ من الشعر تأشيرة للعبور بعد أن اصطدم بالواقع المرير الذي يقتل الأحلام ويفرق الجماعات ويقهر الإنسانية ويضطهد كل ما هو جميل في الحياة…، وكان من قبل يحلم أن يسافر حقيقة في ربوع الوطن العربي الإسلامي مفتخرا بقوته وتلاحمه والسلام الذي يسود أرجاءه، ولكنه لم يحصل على التأشيرة لأن الواقع ليس كما تصوره لنا أحلام طفولتنا
ونجده يصرح بهذه الرغبة التي صاحبته منذ الطفولة في قوله:”
سأُبحرُ عندما أكبرْ
أمرُّ بشاطئ البحرين في ليبيا
وأجني التمرَ من بغدادَ في سوريا
وأعبر من موريتانيا إلى السودان
أسافر عبْر مقديشيو إلى لبنان
وكنتُ أخبئ الألحان في صدري ووجداني
بلاد العرب أوطان..وكل العرب إخواني”
وحين كبرتُ .. لم أحصلْ على تأشيرةٍ للبحر .. لم أُبحرْ
وأوقفني جوازٌ غيرُ مختومٍ على الشباك .. لم أعبرْ
كبرت أنا وهذا الطفل لم يكبر..

ويلاحظ القارئ في قوله” كبرت أنا وهذا الطفل لم يكبر.. ”
أن الشاعر يعلن أن حلمه لن ينتهي، وأن رغبته في الإبحار في العالم المفترض لا تزال تسيطر عليه، ولهذا هو يقتطع تأشيرته من الشعر فيسافر في ربوع النص ، وينتقل الحلم من خاطرة تجول في الفكر ورغبة دفينة في القلب إلى رحلة حقيقية تتجسد عبر بنى لغوية وصوتية ملموسة، وهذا ما يدور حوله النص..
إن البؤرة الثابتة في هذه القصيدة هي حمل هموم الجسد العربي المنهك، الذي هلهلته الحروب والفتن والتشظيات، والدعوة الجادة إلى اعتماد أسهل السبل للنهوض بهذا الجسد وشفاء علله الكثيرة من خلال التكتل والوحدة التي يطالب بها الأنظمة الحاكمة.

3- الاحتمالات المتحركة في النص شكلا وموضوعا:
لما كانت البؤرة الثابتة في النص مبنية على محورين أساسيين هما : الحلم، والواقع ، فلا بد أن ينبني النص وفق هذين المحورين، فنجد النص ينقسم إلى بنيتين أساسيتين : مواجهة ما هو كائن والحلم بما يمكن أن يكون، لكن هذا الحلم لم يأت صريحا بل مستترا في ثنايا الشعر، فالشاعر يتحدث عن حلم طفولته رغم أن هذا الحلم ما زال مرافقا له حتى اللحظة الشعرية .
ولكي يجسد الشاعر هذه الثنائية اختار شعر التفعيلة، حيث إن تفعيلات القصيدة جاءت على بحر الوافر، وهو بحر جميل من حيث مدى استيعابه للدفق الشعري والشعوري، فما يميز هذا البحر أنه يتميز بإيقاعية تستغرق في المكاشفة العاطفية، ولها القدرة على احتواء التجربة الشعرية إلى جانب بحر الكامل والطويل .
من حيث المعجم اللفظي للقصيدة نجد الشاعر يعول على معجم بسيط يميل إلى العربية العامية أكثر من اللغة الشعرية الفصيحة الموحية، وقد عرف هذا الشاعر بهذه الطريقة في كتابة أشعاره، ومع ذلك استطاعت القصيدة عنده أن تستولي على القارئ فيما عجزت الكثير من النصوص التي قد تكون أكثر فنية خاصة فيما تقدمه الرؤية الأكاديمية أن تحظى بالقليل من القراء، وهنا نطرح سؤالين مهمين: الأول : كيف استطاعت القصيدة أن تغري القارئ المعاصر بما له من خصائص ذوقية تجمع بين الهجين والأصيل؟؟
الثاني: لم يعول الكاتب على هذه اللغة البسيطة ، بدل أن يستثمر شعرية اللغة وجزالتها وخصائصها الإيحائية؟؟؟
ويمكنني أن أجيب على هذين السؤالين في ما يأتي مع تقديم بعض الأدلة على أن هذا مجرد رأي شخصي
– إن القارئ أو المستمع لقصائد عمر الجخ يجد شيئا من الحلاوة في شعره، شيء مختلف، وهذا يتأتى من صدق العاطفة، فقد قيل”ما يخرج من القلب يدخل للقلب، وما يخرج من الفم يخرج من الأذن” وهذا حقيقة ليس رأيا مستحدثا، بل لقد ناقش القدماء طبيعة الصورة من حيث جماليتها في حالة العمق وفي حالة المباشرة والسطحية، ولقد أعلوا كثيرا من الصورة ذات العمق والجدة والغرابة لكنهم بالمقابل لم ينقصوا من قيمة الصورة السطحية إذا توافرت على حلاوة المعنى وصدق العاطفة وقوة التأثير..
– أما بالنسبة للمعجم اللفظي الذي يستعمله الكاتب فإنني قد استمعت له كثيرا وقرأت له وتبين لي أنه يريد فنا رساليا وظيفيا يخاطب به العامة بما يتناسب مع السياق التداولي للبيئة الشعرية، وقد يرد علي بأن الشاعر يفتقد للغة الجزيلة الفصيحة البليغة، وأنا لا أستبعد هذا ولا أقربه، لكني أؤمن بأن الشاعر لو أراد تحسين لغته لفعل، فهل يعجز شاعر مثل عمر الجخ أن يفعل ذلك…لا أظن….ويبقى الرأي على طاولة النقاش..
وأيا يكن فإن القصيدة استطاعت أن تحظى بالكثير من القراء ، ذلك أن القارئ ليس بليدا ولا غبيا، إنه يستطيع أن يدرك مكامن الحرف وأن يتذوق جماله ويقدر صدق العاطفة فيه بمقياس الذوق والحس.
تتحدث القصيدة عن حالة نفسية متأزمة تعيشها الشخصية الشعرية في علاقتها مع الخلفيات السياسية على وجه الخصوص، وتقدم لنا عن طريق السرد صورة شخص كان يظن في صغره أن الأمة العربية الإسلامية متحدة وقوية تربطها أواصر المحبة والإخاء ويجمع بينها الدين والتاريخ..وذلك ما كان يلقنه في مدرسته، لكنه فوجئ بواقع مرير ..الحروب والاستعمار والفرقة والفتنة …
ونلاحظ ابتداء من العنونة أن الشاعر يريد أن يخلق لنفسه تأشيرة من الحرف بعد أن عجز عن أخذها في الواقع. فكان العنوان :التأشيرة”.
ويعلن الشاعر في قفلته التي تنضح بالأمل والتحدي ، أنه سيبقى ينتظر تأشيرة في الواقع ليبحر بها في أرجاء الأمة العربية ، فيقول:
” سأكبرُ تاركاً للطفل فرشاتي وألواني
ويبقَى يرسم العربيَّ ممشوقا بهامته ويبقى صوتُ ألحاني
“بلاد العرب أوطاني .. وكل العرب أخواني”
لقد كانت القصيدة على بساطتها صورة فنية تتلاطم فيها الهواجس والعواطف، الغضب، النقمة، الخوف، الحلم، الأمل،

وسندرس فيما يأتي من المداخل آليات تشكيل النص الشعري وخلفياته الأخلاقية والاجتماعية والفكرية…

4- التكوين البصري والشكلي للنص:
وفي هذا المدخل يسجل الناقد الذرائعي كل ملاحظاته المبدئية على النص، ويرصد التكوين الشكلي والبصري له، فينظر في الوزن والقافية ونوع الجمل وتنسيقها وترتيبها وكذا ملائمة اللفظ للسياق الشعري وعلامات الوقف ، وبالتالي تحديد هوية النص تحديدا دقيقا ، وتجنيسه ضمن نمط معين من الأنماط الأدبية التي تندرج ضمن جنس أدبي محدد.
قصيدة “التأشيرة” نظمت وفق ما يعرف بقصيدة التفعيلة، وهي نمط جديد بالمقارنة مع الشعر العمودي الذي يعتمد النظام الخليلي للأبيات الشعرية، وما يميز هذا النوع من الشعر أمران:
الأول : هو تحقيقه للإيقاعية من خلال اهتمامه بالإيقاع الخارجي والداخلي للنص، وهو يتشكل آليا من خلال اعادة تفعيلات بحر بعينه وقد غلب على ذلك البحور الصافية، أو المزج بين بحرين مختلفين وهذا نادر، يكررها دون تحقيق نظام الشطرين، أما هذا النص فقد جاء وفق بحر الوافر المجزوء وقد حقق تناغما كبيرا مع الحالة النفسية للشاعر.
كما نجد الإيقاع الداخلي من خلال تغيير القافية من مقطع إلى آخر على أنه يلم شملها بالوحدة الموضوعية والعضوية.
الأمر الثاني: وهو قدرة قصيدة التفعيلة على استوعاب الطاقة العاطفية والدفق الشعوري، فالشاعر يتحكم في حجم المقطع أو الشطر حسب حالته النفسية مع التأكيد على المعنى فيطيل تارة ويقصر أخرى وهذا ما أعطى النص جمالية وشعرية .
ونلاحظ من خلال تتبع مسيرة الشعر العربي وتطوراته أن هذا النمط من الشعر قد ظهر على يد مجموعة من الشعراء الشباب في خمسينات القرن الماضي، على رأسهم نازك الملائكة وبدر شاكر السياب وفدوى طوفان وصلاح عبد الصبور وأمل دنقل وغيرهم.
ومن جهة أخرى نجد الشاعر يستعمل لغة بسيطة مما ينبئ أنه يتوجه بخطابه الشعري إلى كل الفئات الاجتماعية وليس إلى طبقة بعينها..وأنه يضع في أولى اهتماماته الجانب الوظيفي للنص
ومع ذلك تصادفنا من حين إلى آخر بعض الصور البلاغية كقوله:”
وأن عدوَّنا صهيونَ شيطانٌ له ذيلُ
وأن جيوش أمتِنا لها فعلٌ كما السّيلُ
سأُبحرُ عندما أكبرْ”
أو في قوله:” وكنتُ أخبئ الألحان في صدري ووجداني
“بلاد العُرْب أوطاني .. وكل العرب إخواني”
أو كما في قوله: ” لماذا تحجبون الشمسَ بالأَعلام؟
تقاسمتم عروبتَنا ودَخَلاً بينكم صِرنا كما الأنعام
سيبقى الطفل في صدري يعاديكم”
والملاحظ على هذه الصور أنها صور بسيطة من حيث تشكيلها ، ولكنها مع ذلك دافقة بالمعاني والدلالات، مؤثرة تخاطب الوجدان قبل العقل، ومن منا يقرؤها ولا يتأثر بها حتى يخفق قلبه خفقانا.

كما نجد الشاعر يزاوج بين الأساليب الإنشائية والأساليب الخبرية، وبين الجمل الفعلية والجمل الاسمية، وبين الزمن المضارع والماضي وإن طغى الزمن المضارع على الفضاء الزمني للنص للدلالة على الاستمرارية ، ويكلل التجربة بالجمل الأمرية ويرسم لنا فسيفساء لغوية على بساطتها وهذا التنويع في الأنماط أعطى القصيدة مساحة أوسع لتشكيل النص باعتباره خطابا خاصة أنه اعتمد كثيرا آلية السرد…
كما يستعمل الكثير من علامات الوقف التي تساعد القارئ على تحديد المعنى كعلامات الاستفهام خاصة التي تكرر استخدامها بكثرة، وكذلك علامة الحذف وعلامة الاقتباس الحرفي
ومن خلال كل ما تقدم يتضح لنا أن الشاعر قد قدم لنا نصا منسجما في بنيته ، متسقا في عناصره على بساطة التشكيل ، وهو ينتمي إلى قصيدة التفعيلة أساسا.

6-البيئة الشعرية في النص:
ينبني النص على خلفية فكرية سياسية ، وأوضاع اجتماعية عاشها الشاعر، وتأثر بها، ونظم شعره فيها، القصيدة تحمل الكثير من الانشغالات العربية وما يدور في ساحتها من الأحداث الدموية والفتن والمآسي، فالنص جاء متأثرا بالبيئة الشعرية ، حيث نجد الشاعر يسجل ما يحدث فيها بلغة شعرية بسيطة تخاطب الوجدان والعقل، ومما يحيلنا في النص إلى الخلفيات التي ينطلق منها الشاعر قوله :
” فلا السودانُ منقسمٌ ولا الجولانُ محتَلٌّ
ولا لبنانُ منكسر يداوي الجرحَ منفردا
سيجمعُ لؤلؤاتِ خليجِنا العربيِّ في السودان
يزرعُها فيَنبتُ حبُّها في المغربِ العربيِّ قمحاً
يعصُرون الناسُ زيتاً في فلسطينَ الأبيّةِ يشربون الأهلُ في الصومال أبدا
سيُشعلُ من جزائرِنا مشاعلَ ما لها وهنُ
إذا صنعاءُ تشكونا فكلُّ بلادِنا يمنُ
سيخرجُ من عباءتِكم – رعاها الله – للجمهور مُتَّقِدا
هو الجمهورُ لا أنتم”
ونلاحظ فيما أورده الشاعر استحضارا للفتنة التي تدور في الجسد العربي الإسلامي، من فرقة وطغيان المستعمر بكل أشكاله..ويبدو الشاعر كثير الانفعال والتأثر حول القضية ، مما يجعله يصرح بعدائه للسياسة التي تحكمنا وللحكام في أكثر من موضع، حيث يقول:
” هو الجمهورُ لا أنتم
أتسمعني جحافلُكم ؟ أتسمعني دواوينُ المعاقلِ في حكومتِكم ؟
هو الجمهور لا أنتم ولا يخشى لكم أحدا
هو الإسلام لا أنتم فكفّوا عن تجارتكم وإلا صار مرتدا
وخافوا .. إن هذا الشعبَ حمَّال
وإن النوقَ إن صُرِمَتْ فلن تجدوا لها لبناً ولن تجدوا لها ولدا
أحذِّرُكم .. سنبقى رغم فتنتِكم فهذا الشعبُ موصولُ
حبائلُكم وإن ضَعُفَتْ فحبلُ اللهِ مفتولُ
أنا باقٍ .. وشرعي في الهوى باقِ
سُقِينا الذلَّ أوعية .. سُقينا الجهلَ أدعية
ملَلْنا السقْيَ والساقي”
ونلاحظ في هذا المقطع اندماج الذات الشاعرة بالواقع حد التنصل من الرقابة الشعرية، ومن ذلك استعماله للتهديد المباشر في قوله:”أحذركم”

6- التيمة أو الموضوع ، مقاييس الدقة والإبداع الشعري:
يعتبر الموضوع أو التيمة في أي نص مبدءا منظما للعناصر النصية، ومركزا تتحرك حوله الأجزاء، فيكون النص محتكما في بناءه إلى قانون موضوعي منظم، أما في النقد الذرائعي فإن التيمة أو الموضوع يشكل عنده مقياسا أساسيا من مقاييس الجودة والقيمة الفنية ، فالنص عنده ليس مجرد كلمات ترصف في بنية لتشكل لنا نصا فنيا ، إنما هو رسالة في قالب جمالي فني يتوجه إلى قارئ ما ليؤثر فيه فيغيره أو ينبهه أو يشاركه شعورا أو حالة ما يعيشها شخص ما …ولذلك فإن الموضوع هو أحد المفاتيح المهمة لولوج النص وتبنيه نقدا وقراءة.
وقصيدة “التأشيرة” قصيدة حافلة بالقيم الوطنية والإسلامية والأخلاقية ، فهي تدور أساسا حول قضايا الأمة العربية الإسلامية وما يحدث فيها من صراعات دامية وفتن حامية وأحداث مأساوية. وهو خطاب موجه أساسا إلى الأنظمة الحاكمة في الوطن العربي والإسلامي على وجه الخصوص من حيث كونه خطابا ورسالة، ونص شعري بالنسبة للقارئ العادي يشاركه هموم الأمة
إنها تجربة شعرية فيها من الجرأة الشعرية، فالشاعر يكشف علنا عن شعوره وعن رغبته في التغيير ، فيستهزأ تارة وينصح تارة ويحذر تارة أخرى.ويدعو القارئ إلى التأمل في حال الأمة التي أصبحت أشلاء .وهذا ما منحها قيمة الأدب الملتزم الهادف الثوري الذي يسعى للتغيير بالكلمة.

مقاييس نقد المعنى:
1-مقياس الصحة والخطأ:

إن إخضاع القصيدة لهذا المقياس الذي يعتمد أساسا على ثقافة الناقد ومهارته في الوقوف على مصداقية النص معنى ولغة وسريرة وعلى ما تقدمه العلوم والتيارات الفلسفية من حقائق وآراء، يبين لنا أن النص على درجة كبيرة من المصداقية ويمكن التدليل على ذلك من خلال نقطتين مهمتين:
الأولى هي تجنب الشاعر الإيغال في الخيال ، وإيثار اللغة البسيطة التي تستطيع أن تحمل الرسالة لكل الفئات الاجتماعية
الثانية: هي تلك الجرأة التي تميزت بها القصيدة في طرح أفكارها، وعرض رؤيتها للوضع المزري الذي تعيشه الأمة الإسلامية، مستخدما أساليب التهكم والتحذير والتدليل كما في قوله:
“أتسمعني جحافلُكم ؟
أتسمعني دواوينُ المعاقلِ في حكومتِكم ؟
هو الجمهور لا أنتم ولا يخشى لكم أحدا
هو الإسلام لا أنتم فكفّوا عن تجارتكم وإلا صار مرتدا
وخافوا .. إن هذا الشعبَ حمَّال
وإن النوقَ إن صُرِمَتْ فلن تجدوا لها لبناً ولن تجدوا لها ولدا
أحذِّرُكم .. سنبقى رغم فتنتِكم فهذا الشعبُ موصولُ
حبائلُكم وإن ضَعُفَتْ فحبلُ اللهِ مفتولُ
أنا باقٍ .. وشرعي في الهوى باقِ
سُقِينا الذلَّ أوعية .. سُقينا الجهلَ أدعية
ملَلْنا السقْيَ والساقي”
2- مقياس الجدة والابتكار:
يعتقد الكثير من النقاد أن مقياس الجدة والابتكار يكمن أساسا فيما يقدمه الشاعر من انزياحات لغوية ودلالية ، وصورا بلاغية وبديعية ، وهذا ليس صحيحا مطلقا فمقياس الجدة والابتكار هو أساس رصد لابتكار الشاعر لنمط متفرد في تشكيل الخطاب يجعله يستولي على القراء ويلامس وجدانهم ويحرك عواطفهم، وهذا ما نجده عند هذا الشاعر ، فقد استطاع بأسلوبه البسيط أن يستولي على جمهور الشعر فأحدثت هذه القصيدة ضجة لم تستطع أن تحدثها قصائد فحول الشعراء من أصحاب الخيال الجامح والأساليب الشعرية البديعة. ولعل هذا نابع من إيمانه برسالة الشعر من جهة وبقضاء الله من جهة أخرى، وهذا يبدو جليا في قوله في مطلع القصيدة:
“أسبِّح باسمك اللهُ
وليس سواكَ أخشاهُ
وأعلَمُ أن لي قدراً سألقاهُ (إشباع الهاء) . سألقاه”
فالتكرير هنا لكلمة “سألقاه” جاءت لتقرر المعنى عند الذات الشاعرة وعند المتلقي على السواء مما أعطانا انطباعا بأن للشاعر روحا ثائرة ضد الظلم والباطل والفتن …

3- مقياس العمق والسطحية:
مقياس العمق والسطحية أداة يستعملها الناقد الذرائعي ليسبر أغوار النص ويكتشف أبعاده الدلالية رمزية كانت أم سيمانتيكية، وأعماقه الفكرية والثقافية والقيمية للشاعر، وبها يقيس عمق التفكير والوعي عند الأديب أو الشاعر، وقصيدة”التأشيرة” عبارة عن زخم من الأفكار وسجل من الحقائق التي عايشها الشاعر منذ صغره، فهو يكشف لنا عن لعبة سياسية يعيشها المواطن العربي فيبدأ في تلقي حبائل الكذب منذ الطفولة ليفاجأ عندما يكبر بأن كل ما كان يتعلمه مجرد حبر على ورق وأن الواقع شيء آخر تماما..وقد استعان الشاعر بخصائص قصيدة التفعيلة ليقدم لنا حصيلة تجربته القاسية مع الحياة بين المدرسة والطفولة وبين الشباب والمؤسسات والأنظمة..وكيف عجز عن اقتطاع تأشيرة ليبحر في أرجاء الأمة العربية التي كان يظنها جسدا واحدا، يقدم لنا الشاعر رفضه المطلق للتسوير والتحديد الجغرافي من جهة وللفرقة الحمقاء من جهة أخر ونلاحظ هذا في قوله:
” لماذا الفُرقةُ الحمقاءُ تحكمُنا ؟
ألستم من تعلمنا على يدكم أن اعتصموا بحبل الله واتحدوا ؟
لماذا تحجبون الشمسَ بالأَعلام؟
تقاسمتم عروبتَنا ودَخَلاً بينكم صِرنا كما الأنعام
سيبقى الطفل في صدري يعاديكم”
ويبدو الشاعر في هذه الأبيات متقد البصيرة، على وعي كبير بأصول فتنتنا إنها الفرقة الحمقاء، هو إذن يؤمن بأن قوتنا فقط في اتحادنا، وهذا ما ردده التاريخ وأقرته الفلسفة والعلوم البشرية المختلفة .فكل التيارات والمعارف الإنسانية لا تستطيع أن تنكر أن في الاتحاد قوة.
-مقاييس نقد العاطفة:

1-مقياس الصدق والكذب:
لا يخفى على أي قارئ مهما كان مستواه صدق عاطفة الشاعر، إن أحاسيس الشاعر تتجسد بوصفها بنية لغوية مشحونة بعاطفة صادقة قوية، ويتضح لنا ذلك من خلال تلك الحركة الإيقاعية التي تنمو في ذروة الموقف، إن الأمر يشبه ما يحدث عند الروحانيين من حالات الكشف، فالجمل تتتابع في سياق واحد تتوجه القافية المشتركة، حتى لتشعر أن الشاعر سيخرج من عباءة الشعر ليصرخ تبا لكم جميعا ..
وكذلك يتضح لنا صدق العاطفة من خلال توظيفه لشخصية الطفل في القصيدة، نجده يقول:
” سيبقى الطفل في صدري يعاديكم
تقسمنا على يدكم فتبت كل أيديكم”
وما يقدمه لنا استحضار هذه المرحلة العمرية بما لها من خصائص لا تخفى على علماء النفس والاجتماع وهما أمران أساسيان: صدق العاطفة ، وقوتها .

2- مقياس القوة والضعف:
العاطفة في النص قوية متدفقة ، فالشاعر يظهر تأثره الكبير بما يحدث في الوطن العربي، في مقابل ما يحلم به من القوة والازدهار والتلاحم والاتحاد، ونجده يستعين بالعديد من الآليات الشعرية التي تظهر قوة عاطفته، من أهمها الترديد المعنوي واللفظي، كقوله:” ألستم من تعلمنا على يدكم بأن الثعلبَ المكارَ منتظِرٌ سيأكل نعجةَ الحمقى إذا للنوم ما خَلَدُوا ؟
ألستم من تعلمنا على يدكم بأن العودَ محميٌّ بحزمته ضعيفٌ حين ينفرد ؟
لماذا الفُرقةُ الحمقاءُ تحكمُنا ؟
ألستم من تعلمنا على يدكم أن اعتصموا بحبل الله واتحدوا ؟
لماذا تحجبون الشمسَ بالأَعلام؟
تقاسمتم عروبتَنا ودَخَلاً بينكم صِرنا كما الأنعام
سيبقى الطفل في صدري يعاديكم تقسمنا على يدكم فتبت كل أيديكم
أنا العربيُّ لا أخجلْ
فكل هذه الأسطر تتحدث عن الفرقة التي تحكم البلدان العربية والتي هي سبب هذا الدمار والفتن الكبيرة التي نعيشها
وكذلك نجد التأكيد بحروف التوكيد كقوله:”سيبقى، سيخرج، إن النوق، إن هذا الشعب، …….”

7-المدخل الجمالي أو البناء الفني في القصيدة:
1-الصورة الشعرية:
سبق أن أشرت أن القصيدة سطحية في بناءها تعتمد المباشرة في الطرح وتبتعد عن الخيال المسرف ، ومع ذلك نجد أحيانا بعض الصور الطريفة التي تتمكن منا وتترك أثرا في نفوسنا ، ومنها قوله:
” وأن عدوَّنا صهيونَ شيطانٌ له ذيلُ
وأن جيوش أمتِنا لها فعلٌ كما السّيلُ
سأُبحرُ عندما أكبرْ”
فقد جمع الشاعر هنا بين بلاغة التشبيه وطرافته وبين إيقاع الألفاظ: ذيل/سيل
وهما صورتان بسيطتان مستلهمتان من الوسط الشعبي الذي يعيش فيه الشاعر،
ونجد أيضا الطرافة ذاتها في قوله “وأوقفني جواز غير مختوم على الشباك” وقوله “تقاتلنا طفولتنا”
كما نجد جمالية التناص مع التراث القصصي والنص القرآني في تشكيل الصورة كما في قوله:”
ألستم من تعلمنا على يدكم بأن الثعلبَ المكارَ منتظِرٌ سيأكل نعجةَ الحمقى إذا للنوم ما خَلَدُوا ؟
ألستم من تعلمنا على يدكم بأن العودَ محميٌّ بحزمته ضعيفٌ حين ينفرد ؟
لماذا الفُرقةُ الحمقاءُ تحكمُنا ؟
ألستم من تعلمنا على يدكم أن اعتصموا بحبل الله واتحدوا ؟
فمن منا لا يعرف القصص الكثيرة التي تحكي عن الثعلب الذي يأكل النعاج البعيدة عن القطيع، أم النعاج التي يغفل عنها صاحبها، ومن منا لا يعرف قصة العجوز الذي طلب من أولاده كسر العيدان المتفرقة ثم كسر الحزمة المجتمعة ليعلمهم أن في الاتحاد قوة، ومن منا لا يحفظ الآية التي تأمرنا أن نستمسك بحبل الله ولا نتفرق،
هي جميعها صور بسيطة طريفة لكنها معبرة تخاطب الوجدان الجمعي وتحثه على التأمل في ما يحدث في أمتنا.
وفي النص الكثير من هذه الصور الجميلة والمعبرة والموحية على بساطتها.

2- الموسيقى الشعرية:
إذا كانت القصيدة قد نظمت على بحر الوافر، وهو بحر ممزوج من تفعيلتين “مفاعلتن مفاعلتن فعولن” على أن الشاعر نظم على مجزوئه “مفاعلتن مفاعلتن” وقد تراوحت التفعيلات بين التفعيلة التامة “مفاعلتن” وبين التفعيلة المكسورة على الجواز “مفاعلتن” بتسكين الخامس المتحرك،
وهذا ما يتضح لنا عند تقطيع الأسطر:
أسبح باسمك الله
//0///0 //0/0/0
وليس سواك أخشاه
//0///0 //0/0/0
وأعلم أن لي قدرا سألقاه ، سألقاه
//0///0 //0/0/0 //0/0/0 //0/0/0
وقد علمت في صغري بأن عروبتي شرفي وناصيتي وعنواني
//0/0/0 //0///0 //0///0 //0///0 //0///0 //0/0/0
وكنا في مدارسنا نردد بعض ألحاني
//0/0/0 //0///0 //0///0 //0/0/0
بلاد العرب أوطاني …وكل العرب إخواني
//0/0/0 //0/0/0 //0/0/0 //0/0/0
وكنا نرسم العربي ممشوقا بهامته
//0/0/0 //0///0 //0/0/0 //0///0
له صدر يصد الريح إذ تعوي…مهابا في عباءته
//0/0/0 //0/0/0 //0/0/0 //0/0/0 //0///0
وكنا محض أطفال تحركنا مشاعرنا
//0/0/0 //0/0/0 //0///0 //0///0
وهذا الانتقال غير المنتظم بين التفعيلة التامة والتفعيلة المكسورة على الجواز قد منح القصيدة إيقاعا جميلا، وحسا موسيقيا أرقى وأعذب ويتناسب مع الحالة النفسية للشاعر وموضوع القصيدة، فإن أكثر ما يلفت القارئ ذلك التنويع في القافية الذي يحكمه الدفق الشعوري للشاعر، فنجده ينتقل بنا من قافية إلى أخرى ، ويستغرق في إيقاعية المقطع عاطفة وحضورا حتى إذا كاد القارئ أن ينسى سياق القصيدة يعود به إلى صميم بنيتها من خلال تكرير عنصر رابط كما في قوله:”سيبقى الطفل في صدري يعاديكم” و”سأبحر عندما أكبر” “كبرت وهذا الطفل لم يكبر” وهكذا.

8-المدخل اللساني:
القصيدة كما ذكرت سابقا تبنت نظام القصيدة الجديدة، أو ما يعرف بقصيدة التفعيلة ، وقصيدة التفعيلة ليست هي الشعر الحر ولا قصيدة النثر فهي قصيدة موزونة مقفاة ، لكنها لا تعمد نظام الأشطر ، أي الأبيات التي تتضمن صدرا وعجزا، بل هي منسرحة تشتغل على الدفق الشعوري للذات الشاعرة، فتطيل تارة وتقصر أخرى وتنوع في القوافي على الأغلب ويجمعها قافية أحيانا تجمع بين المقاطع، وأحيانا تعتمد فقط على الوحدة العضوية والموضوعية، وهذا النوع من القصائد الذي ولد على يد بعض الشعراء الشباب منهم نازك والسياب وصلاح عبد الصبور، وأمل دنقل وغيرهم …، يعد ثورة على الأشكال الشعرية القديمة التي سيطر عليها التقليد في المبنى والمعنى، وقد صاحبتها ثورة على بعض المعتقدات والأفكار السائدة آنذاك، وأيا يكن فإن قصيدة التفعيلة هي قصيدة أنثى تتبنى السرد والتصوير والرمز والإيقاع في إيصال الفكرة، خصبة المعاني واسعة الأفق، وتتميز بكون الإيقاع فيها يخضع للحالة النفسية للشاعر أكثر مما يخضع لوحدة القافية والأمر نفسه بالنسبة لحجم الأسطر
وقد وجد الشاعر فيها ضالته ليعبر عن ما يختلج في ذاته الناقمة على الأنظمة السياسية وعلى الوضع المزري الذي تعيشه الأمة الإسلامية.

ولقد نوع الشاعر في القافية وفي الروي أيضا مما منح النص حركة إيقاعية متميزة لها دلالاتها على المستوى الفني، فنجد الهاء، الجيم، الدال، الراء ، الميم، النون، اللام، الفاء، القاف والتاء ولكل من هذه الحروف خصائصها على مستوى النطق والدلالة .

9- المدخل السلوكي:
مدخل يدرس وفقه الناقد البرغماتي التساؤلات و الأطروحات و الهواجس التي تنتاب الأديب و الشاعر ههنا ذاتيا و اجتماعيا ، ليؤسس من خلالها جملة و تفصيلا فلسفته و توجهاته فكرية و سياسية و اجتماعية وجدانية و القناعات التي يؤمن بها و الرسالة المتوخى نفوذها و تبليغها ، ضامنا ذلك بمفاهيم سلوكية عملية و نظرية مستشرفا أفق سريانها و انتشارها(2 )
file:///C:/Users/infoo_pc/Desktop/%D8%A7%D9%84%D9%8
يحلم الشاعر بغد مشرق، يعم فيه السلام والمحبة الوطن العربي، ويتمنى أن يأتي ذلك اليوم مهما طال الزمن، ومهما كانت العراقيل،
وفي القصيدة يقدم لنا حالتين للشخصية الشعرية القلقة، فهو يشتكي مما يعيشه في الحاضر ويحلم بالمستقبل، ويذكر دائما أن سبب هذا الهوان هو الفرقة واصفا إياها بالحمقاء، بل إن كل القصيدة تدور حولها، وينتقد الأنظمة الحاكمة بلغة جريئة مباشرة، ويحذرهم، ويتوسل بالطفل الذي في داخله ليتجاوز المحنة،
الشاعر لم يستطع أن يعبر لأحلامه، لكنه لا يزال يحلم ، ويصرح بهذا الحلم في قوله:
“سأكبرُ تاركاً للطفل فرشاتي وألواني
ويبقَى يرسم العربيَّ ممشوقا بهامته ويبقى صوتُ ألحاني
“بلاد العرب أوطاني .. وكل العرب أخواني”
الأخوة والوحدة العربية هاجس ظل يرافق الشاعر في قصيدته من البداية إلى النهاية، وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على رؤية الكاتب لحل الأزمة التي نعيشها، مؤمنا كل الإيمان أن في الاتحاد قوة.

المدخل العقلاني والاستنباطي :
يتضح لنا من خلال دراسة القصيدة عبر المداخل السابقة أن الشاعر كثير التأثر ببيئته وأنه ينطلق في كتاباته من الواقع الذي يعيشه بعيدا عن التخييل والرومانسية، فلقد ابتعد الشاعر عن الخطاب الرومانسي الحالم الذي يتخذ من الطبيعة مهربا وملاذا من الهموم والمآسي لأن الشاعر لا يريد الهروب إنه يريد المواجهة بكل ما فيها، لذلك جاء خطابه الشعري مثقلا بالهواجس والعواطف محتكما للعقل وللرؤية الثاقبة والبصيرة النافذة، هشام الجخ لم يكن أبدا يهدف فقط إلى البوح بما يحسه بل كان يريد أن يشارك بني قومه وإخوانه العرب مآسيهم وهمومهم وأحلامهم، ولذلك كنا نجده يعدد ما استطاع تعداده من أسماء البلدان العربية الإسلامية
كما نلاحظ في قوله في هذا المقطع:
“أمرُّ بشاطئ البحرين في ليبيا
وأجني التمرَ من بغدادَ في سوريا
وأعبر من موريتانيا إلى السودان
أسافر عبْر مقديشيو إلى لبنان
وكنتُ أخبئ الألحان في صدري ووجداني
“بلاد العُرْب أوطاني .. وكل العرب أخواني”
ويقول في مقطع آخر:
“أنا العربيُّ لا أخجلْ
وُلِدتُ بتونسَ الخضراءِ من أصلٍ عُمَانيٍّ وعُمري زادَ عن ألفٍ وأمي لم تزل تحبَلْ
أنا العربي في بغدادَ لي نخلٌ وفي السودانِ شرياني
أنا مصريُّ موريتانيا وجيبوتي وعَمَّانِ
مسيحيٌّ وسني وشيعي وكردي وعلوي ودرزي .. أنا لا أحفظُ الأسماءَ والحكامَ إذ ترحلْ
سَئِمنا من تشتُتِنا وكلُّ الناسِ تتكتّل

ويتضح لنا من خلال قوله :”أنا العربي لا أخجل”
أن الشاعر يعلي في قصيدته ناموس العروبة ويدعو إلى التكتل لنستمد القوة، ويطالب الحكام بأن يعيدوا النظر في مسألة هذه الفرقة وأن يمزقوا الأعلام حتى تسطع شمس العرب من جديد
خطابه في القصيدة كان عقلانيا رصينا لا يصدر إلا على عربي غيور على بلده وأمته ودينه وهويته
وهذا ما يستطيع القارئ أن يستنبطه من خلال قراءته المتأنية للقصيدة.

*مقاربة ذرائعية /قدمتها الكاتبة عقيلة مراجي. الجزائر

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق