ثقافة المقال

محاولة في تفكيك حقيقة اليوم

بقلم: إيناس السلامي*

يبدو اليوم أنّ العالم كما قال الفيلسوف ماكس فيبر قد صار فعلا خاليا من السّحر والتّشويق والمعنى .. فكلّ الأبواب لا تفتحُ إلّا على الفراغ ..
وكلّ الدّروب لا تؤدّي إلّا إلى العبث و العدم ..
نحن نعيش في عالم جديد .. لا نعرف فيه ماذا نريد تحديدا ؟؟ إلى أين نمضي ؟؟ من يقود السّفينة و في أيّ آتّجاه ؟؟ .. نشعرُ بغربةٍ هائلة .. نحقّق نجاحاتٍ كثيرة هنا و هناك ثمّ لا نشعرُ بطعم حقيقي لأيّ نجاح .. نركضُ فقط لنملأ الحاضر ببعض الملذّات الصّغيرة و العابرة .. و هي عموما ملذّات لا تمسّ جوهر أحلامنا .. و لا علاقة لها أصلا بحقيقة وجودنا .. لذلك نسقطُ دوما في الفراغ المُريع لغياب المعنى ..
نحن أقربُ اليوم للآلات البشريّة .. فقد وقع تفكيكُنا .. و تعديلُنا .. و توجيهنا بدقّة هائلة صوب أوثان العالم المعاصر : المال و الجنس .. تلك الأصنام الّتي تدور حولها كلّ أمجادُنا الكاذبة تقريبا ..
يبدو لي التاريخ المعاصر صيرورة طويلة لآنتصار الغريزة على العقل .. و آنتصار الطبيعة على الروح .. حيثُ يظهرُ لي جليّا أنّ العقل لم يعد يحكمُ شيئا .. إنه فقط صار خادما مُطيعا لدى الغرائز الأكثر وحشيّة و آنحطاطا .. إنه يقدّم المبرّرات و يصنعُ المناخات الّتي يمكن من خلالها للغرائز أن تزدهر و تنمو و تتحكّم ..
التّقنية نفسها صارت مجالا مُخيفا لتسطيح الإنسان .. إنها حالة فناء روحي صامت .. أدخلُ للمقاهي ، للمنازل .. في الشوارع .. فأرى الناس غارقة تماما في هواتفها الذكيّة .. حيث تمتلأ المواقع الإجتماعية بالصور و السخافات .. و نادرا ما نعثرُ على فكرة ما .. أفقًا ما .. روحًا ما .. ( إنه عالم الصّورة ضدّ عالم الفكرة .. عالم البصر ضدّ عالم البصيرة ) ..
أذكر قولة لزيجمونت باومن .. يقول فيها أنّ حال البشريّة اليوم مثل مسافرين داخل طائرة .. مسافرين لا يعلمون أنّ غرفة القيادة صارت فارغة .. ربّما مات الطيّارون أو آنسحبوا .. لكننا في النهاية نمضي رويدا رويدا نحو الفوضى و الهلاك ..
أمس في مقهى قريبا من مركّب الجامعات .. كنتُ أنظر بحزن للسيّارات تحمل الطّالبات إلى معابد الجنس .. فكّرتُ كثيرا أنّ تلك الصورة ربما تختصر معنى الوجود في عالم اليوم .. إنهم رجال صيّادون يأتون بنيّة التسوّق الغريزي .. إنهم لا يحملون أيّ عاطفة أو فكرة أو خلاص لتلك الفتيات .. يقدّمون فقط سيّاراتهم و أناقتهم و أموالهم كإغراء .. كفخّ جذّاب للغزلان الشّاردة .. أمّا الفتيات فلا يملكنَ أيضا ما يقدّمونه خارج أجسادهنّ المطليّة بالماكياج .. أجسادهنّ العارية و المضغوطة ..
يبدو لي عالم اليوم يتعرّى تماما في تلك الصورة : أموالك مقابل جسدي .. المال و الجنس .. و يبدو الطّرفان مُتّفقين دون حوار طويل .. كلّ منهما يفهم الآخر جيّدا .. ثمّ حدث أن تسائلت : هل سيكون بينهما حوار ما ؟؟ حبّ ما ؟؟ خلاصٌ ما ؟؟
طبعا ستقولون أنّ هذه حالات معزولة .. لكنّي لا أريد تطوير المسألة لأسرد حالات أخرى في مناخات مختلفة .. فالأمر متشابه في كلّ مكان في النهاية .. و لقد سبق لعالم النّفس الشهير إيريك فروم أن قال : ” إنّ إنعدام الروح في الحضارة المعاصرة هو أكبر عمليّة آغتراب بشرية على الإطلاق ” .
هل سيشعر أولئك الرجال الصيّادين بالإمتلاء .. بالإكتفاء ؟؟ .. هل ستشعر تلك الفتيات بالسعادة و الرّضى ؟؟ .. هل ستزدهرُ أرواحهنّ ؟؟ هل سيجدون المعنى العميق الذي تجوع له النفس دوما ؟؟ هل سيجدون بعد كلّ مغامرة ذاك الإحساس الفظيع بالفراغ و العبث والنّدم ؟؟
إنهم في النهاية مساكين و ضحايا .. مساكين لأنهم لا يدركون حتّى أنهم يتخبّطون داخل متاهة العولمة .. و ضحايا لأنهم لا يجدون في هذا العالم المتوحّش أيّ خلاص آخر .. أو فكرة تُنقذهم من سراب الأوهام و إغواء الأوثان ..
سيعود ذاك الرجل مزهُوّا بآنتصاراته الغريزيّة .. مفكّرا في صيدٍ جديد .. حتى يصل به الأمر إلى عدم الإكتفاء بأيّ أنثى – و لا زوجته طبعا – .. فلكلّ أنثى مذاقٌ آخر .. و الحياة تفيضُ بممكنات صيدٍ دائمة .. و ستعود تلك الأنثى سعيدة بالهدايا .. بالجلسات الراقية .. بتلك المتعة العابرة .. ثمّ ستتورّط حين تنهار ممكنات الصدّ لديها .. فقد آنهارت حصونها .. و تحوّلت دون وعي ربما إلى مجرّد بضاعة مغرية في سوق العولمة .. غزالٌ شاردة أمام بنادق الصيّادين .. و ستنتهي إلى العجز على الإكتفاء بقصّة واحدة – و لو مع زوجها – .. فكلّ رجل سيترك فيها أيضا آهتزازاتٌ ما .. جوع جديد .. و نداءات حارقة صوب أفقٍ مشبوه من عدميّة الشهوة ..
ثمّ سيأتي الأبناء .. والأحفاد .. حيث ستترسّخ الفكرة جيلا بعد جيل : نحن مجرّد آلات بشريّة في معبد الأوثان الأخيرة .. المال و الجنس ..
كانت الرأسماليّة في بداياتها تقول : ” دعهُ يعمل ، دعهُ يمرّ ” .. أمّا العولمة اليوم بوصفها المرحلة القصوى للرأسماليّة فأسمعُها تقول : ” دعهُ يتمتّع .. دعهُ يلهث .. دعهُ يغرق ” ..
و أمّا نحن .. الغرباء جدا .. أعني جدّا و جدّا .. الرّافضين .. المتمرّدين .. الّذين لا نزال نؤمن بالله .. بالحبّ .. بالأفكار .. بالقيم .. – رغم أخطائنا طبعا – .. فماذا يمكننا أن نفعل ؟؟ ما مصيرنا في هذا العالم الّذي لا يلائمنا و يسخرُ منّا ؟؟
طبعا .. سنكون حتما و ضمن حقيقة الروح الخالدة .. الفائزين في نهاية السباق.

*كاتبة ومذيعة من تونس

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق