ثقافة المقال

ثورة الأدب … وأدب الثورة

كتب: بدر الدين العتاق

القارئُ لجملة التأريخ البشرى عامة والسودانى خاصة ، واجد فيه حركات التغيير المجتمعى كحالة طبيعية فى سلم التطور والذى تتقدمه السياسة كأبرز مقومات عصر الحداثة اليوم ، مرادفاً معها حركة تغيير أو تعبير أدبية تنوب أو تحُل أو تقوم مقام اللسان السياسى أو الإجتماعى أو الأدبى لتلك الحقبة الزمنية ، بشكل آخر: الأدب يتقدم على السياسة وهو قائد مباشر لها وهى نتاج طبيعى لحركة التغيير الإنسانى لمجتمع ما فى حقبة زمنية ما، والسياسيون هم غالبا من الصفوة الأدبية، لسبب بسيط هو: البعد المعرفى للفرد الذى يشكل النواة المجتمعية يُدفع به نحو الجماعة لثورات التغيير والتعبير لمرحلة جديدة بثوبٍ قشيب ، فيتفق أو يختلف أو يتباين التجاوب والردود أو التعارض والنفور لهذه الحركة الإصلاحية الثورية الحداثوية، وفى كلتا الحالتين ” الركود والحراك “يُمثلان نقلة مهمةً جداً فى حياة المجتمع المعنى .
فى السودان تحديداً، وبصورةٍ أخص ، لنموذج التغيير الإصلاحى الحداثوى الثورى الثقافى والأدبى فى عهد ثورة الإنقاذ الوطنى : { 1989 م – 2017 م } لم تُسفِر معربةً عن حالة الأدب والمزاج المجتمعى كحالةٍ خاصةٍ ( مؤتمر وطنى ، حركة إسلامية ) أو عامةً كفكرة جديدة ذات أبعاد ضاربة فى الثقافات العالمية المعاصرة فى جذور المجتمع السودانوى اليوم ، ويُعتبر ركوداً أدبيا قابعاً فى قوقعةِ التحزب الضيقة والمستنقعات الآحادية الفردية الفكرية البائسة الشكل والمهترئة الصورة ، لعنوان حركتى الأدب والسياسة المُعبِران عن حالة التغيير تلك ، مما باعد للغاية عن إستيعاب الأدب كإرث تأريخى قديم ضارب بجذورة لما قبل العصر الجاهلى وإلى أفرُعه العالمية بشقيه : الشرقى والغربى ، فى مائدة المعارف المُغْتَرف منها جملة العلوم والآدآب ، لذا قيل قديماً: ” الأدب هو الأخذ من كل علم بطرف ” ولا يعنى الإعتصام بحبل الأدب كتخصص إلا لأهل التخصص .
المعنىُّ هنا الأديب المُعَبِر عن لسان وحال الأمة السودانوية بتدرعِ وتنوعِ مصادر الأدب له فيما يهمُ المختص بأدب يُسقى من معين اللغة العربيةِ أولاً واللغات العالمية ثانياً قديمها وحديثها ، والمُكوِّن لثقافةٍ عاليةٍ جداً، يمكن أن يُصطلح عليها بـ: المثقف السودانى أو الأديب السودانى ، وهذا ما نفقده اليوم .
الثورة الإنقاذية الجديدة للسودان ، فيما أرى ، تفتقر إن لم تفشل فى إبراز الشخصية المطلوبة من شاكلة ” عبد الله الطيب “، أو الشخصيات الأدبية التى لا تعبر عن حال الثورة كجسم سياسى حزبى حركى ، بل تعبر عن حال الأمة بلسان الشخصية السودانوية العربية الإفريقية فى المحافل العالمية من أوسع أبوابها ، بغض النظر إتفقنا أو إختلفنا حولها ، إن هى خرجت بمسوح الصبغة الإسلامية المكوِّنة لتلك الثورة أو لا ، فهى واقع معيش ربى على الثمانية والعشرين سنةً ومثَّلت أجيالاً بلا شك لا يمكن تجاوزها والكتابة عنها بصورة الأديب لثورة الأدب ، وهذا ما نحتاجه – فيما أرى – لضرورة التعبير عنها بوجوهٍ أخرى غير السياسة أو التحزب .
ما صرفت أعين الناس عنها – أى الثورة الإنقاذية – وأدباءها هى ما إتسمت به من تلك الصبغة الدينية بادئ أمرها { 1989 م – 1999 م } ، وما زال الناس ينفرون منها أو ممن ينتسبون إليها بشكل ما ، وما ذاك فى تقديرى إلا لصرف الثورة السياسية المواطن السودانى والعربى أيضاً عن تعددها الثقافى إلى تقوقعها الحزبى والعمل نحوه وإليه ، وما البرامج الإعلامية منذ بزوغها : فى ساحات الفداء ، جنود الوطن ، جيشنا ، المنتدى الفقهى ، … إلخ ، فى تركيزها إلا لإبعاد العقل السودانى البسيط إلى حيث يريد السياسيون وأرباب المصالح الآحآدية ، وهو من أشدِ أنواع الإنصراف الفكرى إيلاماً لطالب التنوع المصدرى الثقافى من عامة الناس إلا لمجتهدٍ شخصى ، وحتماً لم تفلح الثورة فى إبراز قامة أدبية واضحة يمكن التركيز والتعويل عليها كإحدى إفرازاتها وثورة التعليم العالى وقطاع الطلاب أو غير ذلك مما يحسب لها أو عليها ، ومرادى هنا العمل الثورى الثقافى الأدبى ، تزامن أم لم يزامن الثورة السياسية وحركة التغيير المجتمعى سالفة الذكر .
اللذين ظهروا فى تلك الفترة يُحسبون على النظام لا على الأدب من حيث هو أدب ، وإذا أخذت نماذجهم الأدبية دلتك أعمالهم إلى حيث أكلوها ولاكوها ، كريهة الرائحة آسِنة الطعم نتنةُ المُستقى ، أمَّا كأدبٍ مُفرد لأديب مُثقف يقبله الأكثرية ليس له بُعدٌ سياسى ولا مأربٌ شخصى غير مراده ومزاجه العلم والقراءة لجملة العلوم البشرية إذ هو المُعوَّل عليه ، فإنك غير واجده .
خُذ مثلاً : روضه الحاج محمد ، ليست أديبة ، فقد أظهرتها الدواعى السياسية لا الأدبية ، ومالها من شئٍ نعتمده لها بفكرة التخصص ، وإنَّما لها أشعاراً تنام مع الحيارى وقُطَّاع الطُرق والأرصفة المتشاعرين المتحذلقين المُتشردين المتكسبين ، وفي جملته نظر وعلى تفاصيله زفر ، عند مدارك النقد الصرف ، ليس موضعه هنا من التفصيل ، وذكرتها لأنها أبرز الوجوه فى الإعلام الشعرى اليوم .
مثال آخر : خالد فتح الرحمن عمر ، حديث عهد بالسياسة والأدب وإن كان دارساً ومتخرجا فيه ، له دواويناً شعرية تترنح ما بين الفذلكة السياسية والحداثوية المهترئة القميئة فى باب الآدآب بخاصةٍ ، فلا هى بشعرٍ خالصٍ حرٍ شريفٍ ولا هى بسياسيةٍ بينةٍ ، ومحسوب على الثورة لا على الأدب وثورته وجماعته المفتوحة على المشارب العلمية العالمية والثقافية الأخرى .
أُذكر لى شخصاً واحداً فيما وصفت ، أصف لك فنه وأدبه وإنتاجه بما يغترفه ، وما ذاك إلا للمنهج التعليمى للمراحل التعليمية المختلفة الذى أسفر عن سقوط قناعه لاحقاً لعدم مقدرته ومواكبته الطلاب وأسنانهم الحديثة فى إستيعاب المواد المحشوة والمحشورة حشواً وحشراً ، ذات الخط الدينى الجهادى والبصمة السياسية فتأمل ! .
الثورة السياسية الإنقاذية نفسها : ( 1989 م – 2017 م ) ، فى إطار المكاتبات الدولية والخطب الجماهيرية والبرقيات البرَّاقة والقرارات الرئاسية ، لهى أدب وحده ، يحتاج إلى مُنَقِّبٍ خِرِّيتٍ ليظهرها فى ثوبٍ قشيبٍ ثورى تقبله العامة بإعتباره حالة تغيير إجتماعى معاش واقع ، هذا إن لم يُدّرَّس فى الجامعات والمعاهد العُليا ذات الصِّلة وإرثاً سياسياً تأريخياً وأدبياً وفنياً قومياً سودانياً بحتاً لا إنقاذىٌ إسلامىٌ حركىٌ فتنصرف عنه الناس ، وهنا دور الأديب الذى يعرف كيف يقدم للسودان وللعالم أجمع تجربةٍ إنسانيةٍ جديدة وجديرة بالإحترام والدرس والتحليل والكتابة .
خُذ الأديب العالمى / أنيس منصور ، مثالاً ، فقد عاصر حِقباً سياسية وتاريخية مهمة جداً فى التأريخ المصرى والعالمى المعاصر ، لم يُحسب على نظام سياسى بعينه ، عاصر الزعيم جمال عبد الناصر ( 1918 م – 1970 م ) ، فكتب عنه وسار معه ورافقه ، كذلك الرئيس / محمد أنور السادات ( 1918 م – 1981 م ) ، وأُعتبر من مهندسى إتفاقية كامب ديفيد الموقعة مع الكيان الإسرائيلى ( 1978 م – 1979 م ) ، ومواقفه معروفة ومدونة ومشهودة ، ولم يعتبره ويتهمه الشارع المصرى ولا العربى بأنه منافقٌ معلوم النفاق أو متكسباً أو منتهزاً سُلم الصحافة ليصل إلى المجد ، وإنَّما رائد فى التجديد الكتابى العربى والعالمى ولإزمانٍ قادمات بلا شك .
الثورة الفرنسية أنجبت أدباءً كباراً ، منهم : بول فاليرى ، ديكارت ، أندريه جيد ، سارتر ، وغيرهم كثير ، وكانوا روَّاداً للشعب فى مدارك الفلسفة والشعر والأدب والسياسة .
الثورة الفكرية فى بريطانيا ، قدَّمت أفذاذاً ، منهم : صمويل كولردج ، ت . إس . إليوت ، سومرست موم ، ومن قبلهم شكسبير ، وهدَّك من أعمالهم الخالدة .
جمهورية ألمانيا الإتحادية ، بعد الحربين العالميتين أبرزت عمالقةً فى الفن والفلسفة الوجودية ، منهم : هيوم ، جوته ، جينى ، وأعمالهم تدل عليهم .
جمهورية السودان الديمقراطية ، قبل الثورة الإنقاذية الجديدة ، خلَّدت خالدون ، منهم : عبد الله الطيب ، الطيب صالح ، الطيب محمد الطيب ، الطيب السرَّاج ، فراج الطيب السرَّاج ، يوسف فضل محمد ، وحدِّث عن الشعراء ولا حرج .
السودان إبَّان الإنقاذ الوطنى ، الرصيد الأدبى يساوى ما رضيت عنه السلطة وعفا عنه التنظيم وقدمه الإعلام والله أعلم .
ليس لأديب الثورة صفةٌ فتُخلع عليه إلا الأدب ، ويظهر لا بدوافع سياسية أو حركية أو حزبية أو تنظيمية ، بل بالقيمة الأدبية الصرفة التى تخدم قضاياه الفكرية والعلمية والموروث القديم والمعاصر الذى يُعبِّر عن هموم الأمة السودانية أولاً والعربية والعالمية ثانياً ، وثورة الرجل الثائر فى المثل السائر ، ولا يحتاج لإن تتبناه جهة بعينها بل تنجبه وتتبناه آدم وحوَّاء السودانية وتقدمه للعالم المعاصر المثقف والعادى أديباً سودانياً عربياً إفريقياً قُحاً بعدما عركته وعجنته التجربات الفكرية البشرية عامةً ولاكته ألألسن إعجاباً وإستحساناً وقبولاً ورائداً معبراً عن حالها وأمته الإنسانية العالمية ، فالأديب هو عنوان لهم جميعاً بلا شك ، فإذا تقدم الإبن الوطنى ذاك فهنيئاً للناس بميلاد أديبٍ عظيم فى دولة الإنسان ، وإلى ذلك الحين : نحبس الأنفاس إستعداداً وإشتياقاً .

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق