ثقافة المقال

عقدة الدونية أم الفوقية؟؟ الذرائعية في ميزان أعرض عن الجاهلين!!!!

من إعداد: الناقدة عقيلة مراجي*

لقد حيرني، بل لقد أزعجني واستفزني ما يطرحه الدرس النقدي العربي من أسئلة قلقة ومستفزة حول ما يدور في الساحة النقدية الغربية والعربية، ولا أظن أن وضعه المضطرب يخفى على أحد من أصحاب البديهة، أو أهل الاختصاص ممن يتصف بالموضوعية في الطرح والعقلانية في النقاش،
فعلى مر قرنين تقريبا كان النقد العربي يتلقف كل ما يتمخض في الفكر الغربي من نظريات و أطروحات نقدية، حتى أصاب الخطاب النقدي العربي ما يعرف بالتشبع والغثيان والتخمة، بسبب تلاحق المادة الفكرية والنقدية وقلة زمن تعمير كل نظرية، وهذا ما أدى إلى اضطراب وتهلهل النقد العربي، فمن التاريخي إلى الاجتماعي إلى البنيوي ثم إلى ما أفرزته الحداثة وما بعدها من مناهج….ولعل أهم ما يسجل على اضطراب النقد عندنا ، أزمة المصطلح وأزمة التطبيق، فضلا عن تدبدب المستوى التنظيري، وعدم استيعاب الجزء الأوفر من القضايا المنهجية للكثير من المناهج النقدية الغربية
ولا أظن أن هذا الوقت مناسب للتفصيل في الأمر، خاصة أن الكثير من الباحثين العرب قد ناقشوا بالكثير من الجدية هذه المسائل، نذكر على سبيل الذكر، الدكتور صلاح فضل في نظريته البنائية، ومناهج النقد المعاصر، نذكر أيضا يوسف وغليسي في إشكالية المصطلح في الخطاب النقدي العربي الجديد ، كذلك الدكتور محمد عزام في كتابه تحليل الخطاب الأدبي في ضوء المناهج النقدية الحداثية، نذكر أيضا الدكتور عبد الملك مرتاض، و غيرها من الأسماء اللامعة في مجال النقد …
لكن ما أردت الحديث عنه في هذا الموضع هو موقف الخطاب النقدي العربي من البحث النقدي العربي في حد ذاته أو ما يعرف بنقد النقد، فقد تلقف كما أشرت سابقا خطابنا النقدي ترجمة وتأليفا كل ما كان يفرزه الفكر الغربي، في حين نجدهم يقفون موقف المعرض المتجاهل لما يقدمه الفكر العربي حتى إن كان الطرح علميا دقيقا ، والغريب في الأمر أن أغلب النقاد العرب يتفقون على أن الفكر العربي النقدي يتسم بالاتباعية الغربية، ويفتقد للمبادرات والإنجازات ذات الملامح العربية الأصيلة ، وهنا نتساءل إلى ما يرجع هذا؟
هل هي عقدة الدونية أم أنها عقدة الفوقية، أما الدونية فهي تتعلق بنظرتنا للغرب الذي يؤمن الكثير منا أنه متفوق في جميع المجالات، أما الفوقية فهي تتعلق بنظرتنا لأنفسنا ، أي بنظرة العرب لما يقدمه العربي ، فنتسامى عنه من باب أننا فوقه ، أو ربما هو عدم قدرتنا على تقبل أن هذا الفكر له حصة من النبوغ أو العبقرية…هي أسئلة تراود كل من يتأمل في حال النقد العربي،
ولعل الكثير ممن سيقرؤون هذه الكلمة المتواضعة سيتساءلون عن سبب كتابتي لها؟
وحتى أميط اللثام عن السبب الحقيقي لهذه النظرة التي تبدو كثيرة التشاؤم والازدراء، أقول بل أشير إلى أنني منذ أن سمعت بنظرية عربية إن صح تسميتها بهذا الاسم ، وأقصد النظرية الذرائعية لصاحبها المفكر العراقي عبد الرزاق عودة الغالبي، والتي تحدد زمنيا بعام 2017 الذي ألقى عليه أحد متبنيه عام النقد، وأنا أنتظر ضجة إن صح التعبير دراسة وتأليفا ومناقشة لهذه النظرية في المحافل الثقافية العربية الأكاديمية، لكني لا أكاد أجد التفاتة لهذه النظرية ، رغم أنني درستها مبدئيا فلاحظت أنها تتصف بالكثير من العلمية، ولا أدعي أنها كاملة، ذلك أن أي جهد إنساني يفتقر إلى الكمال…، لكن ما يحسب لصاحب النظرية هو تحديد خطوات واضحة للمنهج الذرائعي وفق نظرة شمولية متكاملة، ويأتي تكاملها من أنها تجمع بين السياقي والنصي فلا تهمل المضمون ولا تخرب الشكل ، /الجمالية الفنية/ وقد دعى الكثير من قبل إلى أن الحل الأمثل للدراسة النقدية هو التكامل، ذلك أن النص الأدبي هو نتاج ظروف عديدة متعددة متشابكة ومعقدة يصعب فصل أحدها عن الآخر وهو ما ناقشته النظرية الأدبية منذ ما كان يقدمه الجاحظ والقيرواني ،…. بل حتى منذ ما قدمه الدرس الإغريقي والروماني ونظرة المحاكاة لأرسطو وأفلاطون وغيرهم،
كما أن خطوات المنهج كما حددها صاحبها واضحة ودقيقة ويمكن لأي باحث أو ناقد استيعابها، فضلا على أن تطبيقها على المدونات الأدبية يؤتي أكله على كثير من الأصعدة، وذلك من خلال أربع مداخل أساسية : المداخل الأخلاقية، المداخل النفسية ، المداخل الجمالية والمداخل الإحصائية
والمتأمل لهذه المداخل يلاحظ أنها تستوعب كل ملابسات الكتابة والقراءة على السواء، خاصة أن الناقد الذرائعي يشترط فيه إلمامه أو اطلاعه الواسع على مختلف النظريات النقدية والأدبية والعلمية والفلسفية…فيواجه النص متسلحا بالكثير من الآليات المعرفية التي تساعده على تحليل النص وسبر أغواره والوقوف عند القيمة الفنية والموضوعاتية التي يغتني بها.وفي هذا إنصاف للكاتب والقارئ والنص على السواء.
نحن كأكاديميين لا ننساق طبعا وراء كل جديد متعصبين للذات العربية، إنما كنا ننتظر تلقفا للمنهج الذرائعي بدراسة جدية أكاديمية موضوعية وعلمية، وبعدها يتم تسجيل نقاط ضعفها أو قوتها كما حدث مع بقية المناهج الغربية، علما أن البعض من هذه المناهج ليست إلا إعادة ظهور مقنع لمناهج أفل نجمها وخبى، ومع ذلك تمت دراستها أكاديميا، وتسجيل ما يمكن تسجيله حولها، نذكر مثلا التريخانية الجديدة، سوسيولوجيا النص،…وهناك من المناهج من هي مزج لمنهجين كما هو الحال مع البنيوية التكوينية، فلم أعرض الدرس النقدي العربي عن دراسة هذه النظرية بعينها؟؟؟
سؤال يحتاج منا إلى الكثير من التمعن والتأمل، وأعتقد أن إجابتنا على هذا السؤال ستحدث تغييرا حقيقيا في طبيعة الدرس النقدي العربي…
أكتفي بهذا وأعتذر للقارئ على الإطالة وإلى حديث آخر.

*الجزائر

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق