ثقافة المقال

المُبدِعون أولى بالثراء

زينب علي البحراني

لا شك أن معظم المُبدعين اثرياء مشاعريًا وثقافيًا، لكن قليل منهم أولئك الذين يتمتعون بالثراء المادي في عالمنا العربي رُغم التألق الذي تبوح به مظاهرهم لمن يراهم من بعيد، بل يظل بعضهم مُحارِبًا على أرض معارك مادية غير مُتكافئة لا تنتهي إلا بوفاته، ما يُمكن اعتباره حقيقة مؤسفة وصادِمة في الوقت ذاته لأولئك الذين لا يلمحون من المُبدِع إلا بريق نجوميته عبر وسائل الإعلام، هذا إن كانت وسائل الإعلام “طيبة” ذات أهداف محايدة بعيدة عن التحيُّز والميول الإقصائية أو المُحاباة الشخصية إلى درجة سماحها لكل أزهار الإبداع بالتفتُّح والإطلال عبر نوافذ صفحاتها نحو عالم القرَّاء بصرف النظر عن ألوان تلك الأزهار ونوع الأرض التي نبتت فيها.
ثمة مُبدعون يرزحون تحت وطأة الفقر إلى أن يحتضن أجسادهم قبر، وآخرون يرضون بما توفره لهم مهنة أخرى مُسانِدة من أجرٍ يقيهم مغبة الجوع؛ وإن كان لا يحميهم من مخاطر القروض والاضطرار للجوء إلى من يطلبون منه مالاً في أوقات العُسر، وفئة ثالثة يأتيها مالٌ مريحٌ من إرثٍ أو مصادر عائلية لا تحتاج جُهدًا أو عناء، أما الفئة الرابعة فهي التي تختار الثراء عن وعي وتصميم، فتبحث عنه وتسعى نحوه وتجتهد في الوصول إليه بكل الطرق العِصامية المشروعة الطموحة التي لا تؤذي ضميرها أو تسيء إلى سُمعتها ومكانتها المُجتمعية، وهذه الفئة هي التي تتمكن من توسيع نطاق انتشار أعمالها الإبداعية والصمود في وجه مخاطر الانطفاء الذي قد يغدر بالفئة الأولى والثانية.
المال عاملٌ أساسي من عوامل حياة الإبداع بكرامة، فدون مال سيجد المُبدع نفسه مُنشغلاً من أول الصباح حتى آخر المساء بأعمال روتينية نمطية إجبارية لا بد من الرضوخ لجبروتها في سبيل لقمة العيش بدلاً من إنفاق كل هذا الوقت والطاقة الذهنية والجسدية على الانشغال بعملٍ إبداعي عظيم، بينما يرى ويسمع كل يوم عن أعمالٍ تافهةٍ سخيفة (أو بتعبيرٍ أكثر تهذيبًا: أعمال ذات قيمة إبداعية مُتدنية) تتكاثر وتتفشى وتنتشر في كل مكان لأن المال يدعمها ويرعاها بقوة وعناية، وكثيرًا ما نرى المُبدعين ذوي الظروف المادية غير المُريحة شاكين متبرمين ناقمين على إحدى المؤسسات أو الجهات التي لم تقدم لهم دعمًا ماديًا وإعلاميًا يطمحون إليه، يبحثون بالمجهر عن جهة تشتري أو تتبنى عملاً من أعمالهم ليُبصر النور، والأسوأ من كُل هذا أن بعضهم يُصاب بعُقدة تجعله يدفع ابناءه دفعًا للدراسة والعمل في تخصصات لا يُطيقونها خوفًا من أن يكون مصيرهم في المستقبل مثل مصيره فتموت بذور إبداعهم في مهدها، بينما نرى المبدعين الأثرياء ماديًا يتركون حُرية الاختيار لأبنائهم كاملة، ويُصبح ابن المؤلف منهم روائيًا ناجحًا، وابن الفنان التشكيلي رسامًا مُتميزًا، وابن الممثل نجمًا مشرقًا في سماوات الفن، ومنهم من يرسل أولئك الأبناء لدراسة التخصص الذي يعشقه من تخصصات الفنون والآداب في أمريكا وأوروبا وشرق آسيا ليعود حاملاً معه لونًا جديدًا ومذاقًا فريدًا من النجاح الذي يُعزز مكانة الأسرة الإبداعية والمُجتمعية.
كم من الروايات المؤثِرة دُفِنت مخطوطاتها قبل أن تُنشر بسبب المال، كم من اللوحات التشكيلية الخاطفة لأنفاس الناظرين حُرم الناس من رؤيتها بسبب المال، كم من فلم سينمائي ومسلسل تلفزيوني كان من الممكن أن ينجح نجاحًا عظيمًا لولا عدم وجود المال، كم من مبدعٍ فقده العالم لأنه لم يملك مالاً يمكنه من الحصول على الدواء أو إجراء عملية جراحية.
بعض القراء ممن يعيشون في أوهامهم غير الواقعية، أو قصورهم العاجية المُرفهة سيتأففون ثم يغتابونني بعد قراءة هذا المقال قائلين: “أفف.. ما هذه البنت المُتهالكة على المال! المال لا شأن له بالإبداع”، وأنا أرجوكم أن تتوقفوا عن خداع الشباب من التواقين لولوج عالم الإبداع بهذا الكلام لأنكم لن تمدوا لهم يد المُساعدة بأموالكم عندما يستصرخون طلبًا للإنقاذ.. أما أنتم يا صديقاتي وأصدقائي من الشبان والشابات فليس لي إلا أن أقدم لكم نصيحة إنسانة تعيش عالم المُبدعين حقًا، وتتنفس أوجاعهم الفعلية، وتتفاعل مع همومهم الصادقة، وأقول لكم: كونوا طموحين وجهزوا خطة ممتازة توفر لكم مستقبلا كريمًا من الرفاهية الإبداعية، كي تشتروا لمُنجزاتكم مكانًا بدل أن تنتظروا أن يشتريها أحد أولئك الذين أنعم الله عليهم بالثراء.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق