ثقافة المقال

العربفونية

بقلم: علي حسن الفواز

مع دخول امين معلوف اكاديمية الخالدين الفرنسية صار الحديث عن الاحتفاء الفرنسي اللغوي بغير الفرنسيين أمرا مثيرا للجدل، وباعثا على نوع من الثقافوية المريبة، اذ لم يحدث مثل هذا وقتما دخلت آسيا جبار هذه القلعة الحصينة، وكان الحديث عنها أقل ثارة، ومحفوفا باصحاب النوايا الفللوجيين الذين يرتابون بلغة الآخر دائما، ربما لانها من اصول جزائرية معتقة بالفرنسة عقلا ووجودا، لكن معلوف صاحب القراءات غير المفرنسة بالتمام له شأن اخر في سياق الحديث عن السرديات العربية والفرنسية وآلية الحلول بينهما، بدءا من كتابته عن الحرب الصليبية وصخرة طانيوس وصولا الى نواياه الطيبة التي يزمع كتابتها عن ثورات الربيع العربي كما يقول! وهذا الشأن يضعنا امام الطبيعة الجاذبة للغة حين تحتفي بالناطقين بها، لتكون هوية ضاغطة وتعويضية احيانا، تتسلل الى الباطن العميق لتراود صاحبها على نفسه، وربما تقدّ قميصه الداخلي من دبر او قدام لا فرق.

يقودنا هذا المعطى الى طبيعة التعاطي مع ما يثيره هذا الحلول اللغوي من نوايا، وافكار، وحتى منظومة من الشفرات المشتقة من اجندة علم اللغة اللساني لتدخل في السياسة والتاريخ وسسيولوجيا الكائن، اذ سرعان ما تتحول تحت ضغط الاستعمال الثقافي والانثربولوجي الى جهاز مفاهيمي او منظومة من العلاقات التي تصنع لها أتباعا ومريدين ومروجين ومطابخ للاشاعات، واحيانا تتحول الى (قدمات) لصناعة اشكال مؤسسية تفرض وجودها في أجندة الفعل السياسي العالمي والاقليمي. ومصطلح مثل الفرانكفونية تحول من دالة بنيوية/ لغوية للصوت الفرنسي وثقافته الاستعراضية ذات المرجعيات (الاستعمارية) الى حاضنة سياسية ذي توجهات معروفة دخلت منظومة العلاقات الدولية السياسة كعنصر في الجغرافيا اللغوية والانثروسياسية، فضلا عن تحولها الى جزء فاعل في الكونية الحداثية، اذ اصطنعت لها رواة وفقهاء وحضورات ومؤتمرات لها نظامها الثقافي وطموحاتها ونواياها المعلنة والسرية.

وقد وجد البعض من ابناء العروبة، ومن بعض الدول العربية والافريقية ذوات التعالق الكولنيالي الفرنسي في هذه الفرنكفونية فضاء مفتوحا لغويا وثقافيا واشباعيا للدخول في غوايات هذه الحاضنة، اذ بدأت تمارس حوارها الخالي من عقدة الاغتراب في اجندته الصوتية والسياسية، حتى بدت وكأنها المقابل الاشهاري لما حاولت ان تفعله لدول الكومنوليث الناطقة بالانكليزية (دول الانكلوفونية) والتي حاولت هي الاخرى صناعة منظومة ثقافية وصوتية ذات ذاكرة (استعمارية) تروّج لثقافة العم شكسبير والخطاب الطهراني للملكة فكتوريا مثلما روجت في زمن ما لخطابات العم تشرشل والعمة مس بيل.

جوهر هذه المنظومات هو في الاصل جوهر لغوي/ ثقافوي قبل ان يكون سياسيا، فما بال العرب وهم اعظم امة صوتية، ان لا يعمدوا الى تأسيس منظومة لغوية تحمي ديوانهم الشعري والصوتي وانماط خطاباتهم الطاعنة، ولابأس ان تسمى بـ “العربفونية” جريا على عادة الاشتقاقات والاستخدامات التي يمكن قبولها في العرف الدولي، وان تشرعن لها اسوة بامة فولتير مؤتمرات سنوية وجامعات تدرّس اصول الثقافات الهارمونية للصوت العربي، وان تقترح لها الاتباع والمريدين من المغرب العربي الناطق بالفرنكفونية الى المشرق العربي الناطق بالانكلوفونية، وان ندخلها عنوة او تباهيا مثلما ندخل في اطار المنظمات العالمية وان ندعو الدول العربية الداخلة في السستم الفرانكفوني والانكلوفوني، للرجوع الى جادة الاصل اللغوي / القومي وليس (الاستعماري) الذي فرض لغته وثقافاته ونواياه علينا وحوّل لغته تلك الى لغة تلثغ بها فضاءات النخبة والتجارة والعلم والاتصال والدرس والمعلوماتية ودروس الجمال والازياء، وجعل لغتنا الام محصورة في اطار ثقافتنا الشعبية وخرافاتنا العالية الصوت، وفي وصايا الاباء وطقوس ومراثي درسنا الفقهي في الجوامع ومتاحف مجامع اللغة العربية التي يعلو حروفها الغبار.

ان اللغة محتوى التفكير كمايقول هيغر، وهي بيت العقل كما يقول البيانيون، وهي كذلك الثورة الكونية الثالثة بعد اكتشاف النار والزراعة، اذ هي الصانعة الاستثنائية للمثاقفة والمشاكلة والكاشفة عن وظائف الوعي واستبداده، في ظلها تنمو الثقافات وحوار الحضارات والشتائم والهذيانات وخطب الثوار والسلاطين وشفرات البهاليل. في اللغة وحدها تبدو المصاديق والاكاذيب واضحة، اذ لا كذب او صدق دونها، الحروب كلها ابتدأت بشتائم لغوية، الصيغ الانكارية والاعترافية في الطب والتعذيب والسحر والتعاويذ والحب والسلطة والقوة والدرس والتأويل والمنهج كلها صناعات لغوية.

وازاء هذا نجد ان كل العلاقات الكونية هي صناعة لغوية فائقة، الفلاسفة والسياسيون والطغاة يمدون اسحارهم وخطبهم وقمعهم ونصوصهم الى كل شيء باستثناء اللغة، فهي الوحيدة التي لا يمكن تبديل ثيابها ونسف اسسها كما نفعل مع الاشكال الثقافية الاخرى التي لا يمكن ان تعيش إلاّ داخل اللغة، وربما صدق جدا الفيلسوف هيدغر حينما قال: “ان اللغة محتوى التفكير”.

والعالم المتحضر جدا يجد في هذه العلاقات مرجعياته في اللغة ايضا، اذ هي حاضنة حداثته وحاضنة تنويره وثوراته مثلما حاضنة اخطائه وارهابه التكفيري والايديولوجي، يؤسس هوياته المركزية والفرعية على اساس ان هذه اللغة هي الخطاب العلني والسري الذي يشرعن السياسة ويافطات الامة القومية والعقائدية والدستورية والعرفانية والبرهانية في ضوء قوة اللغة الباثة كمنظومة شاملة للتعبير و الوجود.

طروحات فرانسس فوكاياما حول نهاية التاريخ، وطروحات صموئيل هنتغتون حول صراع الحضارات، وطروحات المحافظين الجدد في منظومة (الصهيونية المسيحية) في اميركا، حول ما يسمى بـ “الهيمنة الايجابية” التي تبيح السطوة والسيطرة هي طروحات في الفقه السياسي/اللغوي، استخدمها اصحاب المنابر في المنتديات والجامعات ومراكز البحث العلمي كخطب رنانة، محمولة على توصيف لغوي يحرض على الغواية والمراودة والافتراس.

الانكليز والاميركان حاولوا ويحاولون دائما ان يمدوا اللغة الانكليزية عبر الثقافة والاستعمار والتبشير والاستشراق والاستغراب والايديولوجيا والغزوات والاقتصاد والسياسة والعلوم بدءا من اصحاب الثورة الميكانيكية وخطباء البرجوازية الذين بشروا بنهاية لغوية للاقطاع قبل سقوطه في براثن الصراع الانتاجي، مرورا بايهامات شعراء الرومانسية وليم بليك وكولردج وبايرون وشللي وغيرهم، وكذلك استغواءات ما طرحه لورنس العرب رجل المخابرات العتيد في كتابه “اعمدة الحكمة السبعة” والذي جعله حاملا لاستعارات دينية ولغوية وطقوسية فيها الكثير من الانتقائية والقصدية، وانتهاء بالخطب العتيدة لتوني بلير ذات النزعة الانكلوفونية الواضحة والتي تسعى الى ضرورة اعادة انتاج الزمن السياسي الجديد في ضوء معطيات الهيمنة التكنو ثقافية للغرب السياسي/اللغوي، حتى بات العالم الآخر يفرض عقدة الخواجا، لنعيشها نحن بنوع من المازوخية الباطنية، وكأن الانكلو سكسون هم اصحاب التعويذة والبيت والدرس وشفراتهما السرية.

الفرنسيون بالمقابل حاولوا ان يفرنسوا العالم على طريقتهم، اذ تحول استعمارهم السياسي والعسكري الى استعمار ثقافي كما يقول البعض “ليقينهم ان الثقافة اخطر من الحرب في مقاربة الوجدان”، واصبحت الفرانكفونية علامة تجارية من علامات الثقافة المعاصرة ومواسم عالمية يحتفي بها نصف العالم الناطق بها وسط اجواء احتفالية وفضاءات سياسية وثقافية، يحضرها القادة السياسيون والحزبيون والاكاديميون وحتى رجال الدين، وتطبع من اجلها الكتب وتقام الولائم الشعرية وحلقات الدرس التي تؤكد حيوية هذه اللغة في تحسين النطق الثقافي وتحسين السلالات الاثنوغرافية لعالم ما بعد العولمة وفي اعادة تأهيل المواطن العالمي لثقافات الحداثة وما بعدها.

والاسبان والبرتغاليون مدوا قراصنتهم منذ كرستوف كولمبس لينشر اللغات الايبرية قبل الثقافات، حتى بدت هذه اللغات اشبه بالمصانع التي تنتج الافكار وانماط السلوك والعادات وتفرض شروطها على اللغات المحلية مهما تعددت.

العرب وحدهم ضائعون في هذا الصراع اللغوي، فلا هم يملكون استعمارا سياسيا لكي يمنحوا العالم فرائضهم اللغوية، ولا هم اصحاب طريق الحرير لكي يفرضوا لغتهم وشفراتهم على التجار واللصوص والمستهلكين، وحتى غزواتهم وحروبهم التي بدأت من الزمن الراشدي والاموي لم تستطع ان تفرض التداول اللغوي على الشعوب الاخرى باستثناء ماهو نصوصي في النص القرآني والذي تعاملت معه الشعوب التي دخلت الاسلام بقناعتها لانه دين سماوي يحترم جوهر الانسان لكنه ايضا محفوظ في كتاب مقدس ينبغي حفظ نصوصه لكن تطبيقها وتأويلها كان ينفذ باللغات الشعبية الاخرى.

اعتقد ان هذه المشكلة هي جوهر التثمل اللغوي الذي يرتبط بمفهوم نشر الثقافة خارج مدارها اللغوي وليس فرض التعلّم ونقل المعارف الى الحاضنة العربية كما كان يفعل اجدادنا القدامى اذ نقل الامويون العلوم الصرفة ونقل العباسيون الفلسلفات وعلوم الدولة والطب، لانهم ادركوا ان اللغة العربية هي القائد للمعرفة وليس المقود، وحين تركنا الترجمات الواسعة انهارت الكثير من العلاقات المعارفية وذهب الكثيرون الى اللغات الاخرى ليدركوا اسرار المعارف فيها، وفن الترجمة يدخل في شمولية الثقافة، لان الثقافة منظومة شاملة وتفترض برامج وخطط وسياقات عمل، والذي لم تضعه الدولة السياسية العربية القديمة في اطار منهاجها وجهدها ونظام تعاطيها مع ربط المقدس مع النظام الاجتماعي والثقافي والتعليمي والاقتصادي.

لقد وقع العثمانيون في ذات المشكلة حين استوطنوا الارض والسلطنة في المنطقة العربية وغيرها من بعض مناطق الغرب الاوروبي، اذ فرضوا كتابة كل شيء باللغة التركية، المواثيق والفرمانات والاحكام ووصايا واوامر السلطان كانت داخل اطار التتريك، وحتى لغة المدرسة ولغة التجارة ولغة العسكر كانت خاضعة للنظام اللغوي التركي وشروطه، ولعل اول صحيفة صدرت في بغداد قبل الزوراء كانت تسمى “بغداد جورنال” وتكتب موادها بالتركية، وحالوا ان يجعلوا سكان البلدان خاضعين لنظام (الترك فونية) لكن لفقر هذه اللغة حضاريا وعلميا وجماليا ومعرفيا وعدم تلمسها المنظومة السرية للعلاقات السرية في المجتمع، فضلا عن سوء ادراة فقهائها ونحوييها، ادى الى فقدانها تأثيرها واشعاعها وبالتالي فانها تحولت الى لغة ثانوية وهامشية الى ان ذابت تحت ايقاع اللغة الام، أي اللغة العربية واللغات الاخرى الاكثر غلوا، وكذا الحال مع اللغة الانكليزية التي جاءت مع (العسكرلك) الذين دخلوا البلاد بدعاوى التحرير والانقاذ، لكنهم جعلوها لغة للنخبة، ومفروضة في دروسهم حتى اصبحت فيما بعد علامة للتثاقف، ولعلو المكانة الاجتماعية والاقتصادية، وفرضت على المجتمع فيما بعد كدرس مدرسي تعليمي وتلقيني لم يستطع ان يمنح متداوليه الاّ المفردات التي نسخر من ذكرها الان. في القول ان الاستعمار الانكليزي يشبه لغته تماما، وانه لم يترك اثرا في الذاكرة سوى الفرقة الاجتماعية والطائفية، وسوى الجسور التي لم يستخدمها احد.

العرب لم يعيشوا عروبتهم لغويا كما عاش لذتها وبذخ اصواتها ورهافة حسيتها اجدادهم، ولم يحولوا اللغة الى حاضنة للمعارف الانسانية لكونهم اكثر شعوب الارض الذين تعرضوا للغزوات والحروب و”الاستعمار فونية” اذ خضعت نظم معارفهم في العلوم والفلسفة وحتى بعض اسرار البلاغة وايامهم الى نوع من الاستشراق الممنهج، وضع العقل العربي تحت هيمنة الترجمات غير الممنهجة حتى في زمن ايام دار الحكمة، اذ ان تلك الترجمات التي قاموا بها كانت ركيكة وغامضة وتفتقر الى تفسير العارف ذاته باسرارها وشروطها واستحقاقاتها، حتى تخلى عنها البعض، خاصة في العلوم الصرفة لانها لم تلب طبائع المعطيات الواسعة التي باتت تشهدها العلوم والثقافات ذاتها، حتى اقرنا كل شيء اجنبي بالتطور، وتفنن الملوك وولاة الامر لارسال البعثات الى الخارج لكي يتعلم الابناء لغات الغرب وعلومهم، وطبعا كان الاختيار خاضعا لمرجعيات طبقية، أي ان هذا القياس هو اول عملية ربط بين تعلم اللغات وبين النظام الطبق، وبالتالي فانهم مهدوا لوجود جيل نأى عن أي شيء مكتوب بالعربية واقترحوا قراءته بالانكليزية والفرنسية على اساس انها المظان الاصلي للعلوم والمعارف، وظلت تقاليد هذا الجيل من ايام محمد علي باشا في ارساله الوفد المشهور الى باريس برئاسة رفاعة الطهطهاوي والى يومنا هذا.

يبدو لي ان المشكلة لا تكمن في اللغة ذاتها كما يدعي البعض، رغم ان اللغة هي محتوى التفكير، كما قال هيدغر، وان تفكير العربي لا يفرض شروطا استثنائية على لغته، وانما تكمن المشكلة في ان تداول اللغة وتسويقها يفتقر الى منظومة فكرية ومشروع مؤسسي يمنهج العلاقة اللغوية في اطار تمثلها للمعارف والثقافات، فضلا عن وجود البرامج والميزانيات الداعمة التي تضع الدرس اللغوي بمستوى الشأن السياسي، كما ان الدرس اللغوي في الجامعات العربية ضعيف جدا، وربما هامشي، وان قراءتنا للعلوم الاجتماعية والعلوم الطبيعية وعلوم اللغات المقارنة بما فيها اللغة العربية يتم في اطار ما تركه لنا السيد دوسوسير ومدرسة فرانكفورت ومدارس الشكلانيين الروس والفقه الغوي يدرس في ضوء طروحات تشومسكي، وهذا التغريب اللغوي هو اكثر عناصر تخريب الهوية وانتاج الثقافات السرية التي تذهب الى فكرة (الجامع) للحصانة من الذوبان في الاخر، وتذهب الى التاريخ للتخلص من عملية الطرد الحضاري، وتذهب الى نصوص المقدس والنصوص السرية لاعادة انتاج فكرة التعالي.

ان اللغة هي الحاضنة وهي الهوية، واللغة هي جوهر الفكر أيضا، والعناية باللغة في الدرس والمعنى والبحث العلمي وتكريس قيم الثقافة العميقة، لا يعني اننا ندعو الى فرض بلاغة الجرجاني على لغة السوق مثلا، ولا ايقاعات الفراهيدي على اغاني مطربي المقامات ومطربات الاستعراض، وان نجعل سيبويه مختارا لمحلتنا الشعبية، وان نمنح الجاحظ مهمة إحفاظ الاناشيد الوطنية لطلاب المدارس، وانما تأكيد اهمية السعي الى تأسيس اطار ثقافي عام تتبناه الدولة بمؤسساتها خاصة الاكاديمية والتعليمية، مثلما تفعل كل شعوب الارض واولها دول (الانكلو سكسفونية) والدول (الفرانكفونية) والتي تتحسس من ان يتحدث احد في شوارعها ومؤسساتها وملاهيها بغيرها، أليس هذا مدعاة للتساؤل خاصة ونحن قد دخلنا في عالم متعولم بالكامل من اخمص المداس الى قبعة الرأس، وصرنا شركاء فاعلين في التجارات العالمية وفي صناعة سياسات واقتصادات العالم، نفطنا يذهب الى كل برد العالم ومكائنه ومواقده، لكن العالم الحداثي بحروبه وامركته مازال يتعاطى معنا على اساس نظرة التاجر وبائع الخردة، او الصاحب والمريد كما يقول الصوفيون.

نعم اليس هذا مدعاة لاعادة النظر في نظامنا اللغوي باعتباره آخر الانظمة التي بقيت توحدنا، وان نفرض درسها الحداثوي والتداولي والتسويقي على حياتنا التي تبلبلت فيها اللغات، وان نعلم اولادنا سر روحها الحي الحافظ لقرآننا وسنتنا واشعارنا وهمساتنا لمن نحب وشتائمنا التي نلتذ باطلاقها، وان نضع لها قواعد اجرائية واعرافية مثلما نصطنع لها نظاما ترجميا واسعا وخاضعا لما يسمى بالشروط والضوابط العلمية للثقافات المقارنة، واعطاء الثقافة اللغوية المهنية والعلمية اهتماما خاصا وتأسيس مراكز واسعة للبحوث العلمية وزيادة افاق التبادل الثقافي مع الشعوب الاخرى لنكون ازاء نظام لغوي تبادلي قابل للحضور والتفاعل والانتاج والاستقطاب، وكذا هو العمل البرامجي والمعلوماتي على تنشيط عمل مجمعات البحث اللغوي العربي وعلى اسس علمية معاصرة وليس على تصورات تكرس ثقافة المتحف اللغوي، عندئذ سنقول اننا وضعنا لغتنا في النسق التوليدي الذي يمكنه ان يفرض شروطه على التفكير وعلى انتاج المعارف او التثاقف مع الحضارات اللغوية والعلمية الاخرى بعيدا عن التماهي مع الكاريزمات اللغوية التي فرضتها نظم السيطرة السياسية والاقتصادية والنفسية المدغمة مع شفرات القوة السرية الموجهة لهذه اللغات الحافظة للملكية الفكرية والعلمية والتي وضعت شروطا جديدة في اطار استحقاقات العولمة تفرض من خلالها امتيازات خاصة لهذه الملكيات.

ان التعاطي مع هذا الواقع رغم صعوبته يفرض اجتهادا خاصا واستثنائيا لاعادة انتاج السياق اللغوي ليكون سياقا معرفيا وفكريا وتوليديا وعلى كل المستويات التي تبلبلت باللغات الاخرى، لنقول بملء الفم اننا قادرون على انتاج لغة حية وفاعلة وولودة تدخل في مسماها الشخصاني الذي يجعلها قادرة على انتاج نظام ثقافي كوني يناظر الثقافات الكونية اسمه “العربفونية”! فهل نحن جادون في ذلك! اعتقد ان تلك هي المشكلة!

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق