ثقافة المقال

الشعر الحديث ليس شعرا

أسعد العزوني

قاتل الله الحداثة في الشعر على وجه الخصوص ،لأنها قتلت روح الشعر وحكمت بالإعدام على نغمة الكلمة وموسيقاها ،وأصبحنا نسمع أو نقرأ كلاما مصفوفا هكذا بدون عاطفة ولا رنة وزن تعطي الكلام قيمة، وتمنح السامع او القاريء متعة التحليق في فضاء الوصف،لأن الشعر أصلا هو فن الوصف والصورة البلاغية العاطفية ،وفي حال خرج الشعر من عباءة الصورة والعاطفة فإنه لن يعود شعرا ،وإنما تحول إلى نص نثري فقط ،وإن كان فيه بعض الجمالية اللفظية.
درسنا في المدارس المعلقات الشعرية لكبار شعراء العصر الجاهلي مثل عنترة وزهير بن أبي سلمى وغيرهما،وربما حفظنا بعضها ،كما درسنا للعديد من الشعراء وحفظنا لهم مثل أحمد شوقي وإبراهيم طوقان والسياب والجواهري وعرار من الجيل القديم ،وكنا نستمتع بقراءة أشعارهم وبحفظها عن ظهر قلب ،لأنها تمتلك ناصية الشعر وروحه ،وتروي فينا عطش العاطفة والخيال،لغناها بالصور البلاغية والعاطفية ،ومهارة دقة الوصف عند هؤلاء الشعراء ، بغض النظر عن نوع شعرهم ،مدحا كان أو رثاء ،هجاءا أو بكاءا على الأطلال.
بدات حياتي شاعرا في ريعان شبابي وقلت في وصف صديق غادرنا إلى مدرسة بعيدة :”تراه يضيء مثل نجوم ليلXكأن له سلاسل من لجين”،ورغم أنني لم أكن أعرف قواعد وأصول الشعر ،إلا انني كتبت كلاما موزونا بليغا له قيمة ورنة في النفس.
إمتاز الشعر الحقيقي بالغنى العاطفي وبالخيال بغض النظر عن كمية ومستوى الصدق ،لأنهم قالوا أن أمتع الشعر أكذبه،وهذا ما جعل الضرورة الشعرية تقتضي ان يكون الكلام الشعري له رنة ويمنح البهجة في النفوس،ومن هنا جاء الخليل بن أحمد بعلم أسماه علم العروض ،لمنح الشعر خاصية تميزه عن بقية أصناف الكتابة اللغوية ،وقد منح علم العروض فعلا ببحوره السبعة الشعر قيمة وخاصية كبيرتين.
لا أقول أن قرض الشعر هينا أو سهلا ،يستطيع أيا منا ان يدبج قصيدة ،فالأمر عندما يتعلق بالشعر الموزون والمقفى والغني بالصور البلاغية والعاطفية ، يختلف عنه في حال كتابة وتدبيج نص نثري ،مع أنه حتى النص النثري بحاجة لمكونات تمنحه الحياة والقبول عند القاريء ،وهذا ما نسميه الأسلوب بمختلف صوره ،وهناك أسلوب السهل الممتنع الذي يصعب على أي كان الخوض فيه لصعوبته.
يحتاج قرض الشعر إلى أدوات كي يخرج متقنا تستسيغه النفس البشرية ويحلق بسامعه وقارئه في الأعالي ،وينقلهما إلى درجات عليا في الفضاء ،مسلحين بالبهجة وحنو النفس بسبب عذوبة الكلام،ولكن شعراء الحداثة أفقدوا الشعر خاصيته ،ومنعونا من الإستمتاع بالكلام العذب،وأمطرونا بنصوص منحوتة نحتا كما حجارة البناء .
هربوا من الوزن ومن القافية ومن رنة الكلمات ،ولجأوا إلى صف الكلمات حتى وإن كانت غير متجانسة ،وأحيانا نسمع كلاما على انه شعر ،لكننا نشعر بالضيق الداخلي ،خاصة نحن الذين نعرف ماذا يعني الوزن والقافية وبحور الخليل بن أحمد السبعة.
يلجأ بعض هؤلاء إلى حيل كثيرة ومنها تقسيم الجملة إلى كلمات ،وحتى الكلمة نراهم يقسمونها إلى أحرف ويسمون ذلك شعرا،ونرى أيضا ان بعضا ممن أتقنوا كتابة النص الشعري على أصوله ،قاموا بالعبث في أبياتهم الشعرية وفصلوا الصدر عن العجز،مشوهين نصوصهم ،مجاراة للحداثة التي غزتنا في كل المجالات ،فها نحن على سبيل المثال تركنا الدجاج البلدي والخراف البلدية والبيض البلدي وأدمنا على دجاج التفريخ وخاروف العلف الصناعي وبيض الماكنة وهكذا دواليك.
وكما أننا اصبحنا نعاني من الأمراض وخاصة السرطانية منها بسبب تناولنا للحم والغذاء المصنعين ،فإننا أصبنا أيضا بذائقتنا اللغوية بسبب الكلام المصفوف الذي يسمونها شعر حداثة.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق