ثقافة النثر والقصيد

يا امرأةً

ابراهيم مالك*

ـ 1 ـ

يا امرأة !
كمْ يَفْتِنُني فيكِ هذا التَّحْليقُ الدّائِمُ بَحْثاً عَنْ مَراحاتِ حَياةٍ مُلَوَّنة
وقد رُحْتِ تَحْمِلينَ ، فَوْقَ رُؤوسِ أصابِعِكِ ،
تحْمِلينَ أمَّكِ الأرْضَ مُنْهَكَة الملامِحَ
وتَسْتَمِدّينَ مِنْ لَوْحَةِ الصَّبّار ، وليدِها ،
الْقُدْرَةَ على مُغالَبَةِ جَفافِ عالمنا وتَّصَحُّره .
ـ 2 ـ
يا امْرَأةً تُجلُّها نفسي
يا امرأةً تُجلُّها نفسي
لَطالما بَهَرَني جَمالكِ المَوْسومُ ببساطةٍ عادِيَّة
حتى كِدْتُ أندَهُ مِنَ انبِهاري صائِحًا
إنّي مُصابٌ بنِعْمَةِ جُنونٍ عاشِق .

لحْظةَ أكونُ في حضرَتِك مَأخوذًا بجمالِكِ
أروحُ أوَزِّعُ ناظِرَيَّ بينَ يَديْكِ شديدَتيِّ الخشونة
لِكَثرَةِ ما صارَعَتا وُحولَةَ الطّين
بحثًا عن كِسْرَةِ خُبْز معجونةٍ بعَرَقِ جَبين
وَبَيْنَ عَينيْكِ المُتعَبَتيْن
لكثرَةِ ما أجهِدَتا بَحْثًا عَن بارِقةِ أمَلٍ في غدٍ آخر .

يا امْرأةً تجلها نفسي
لطالما بَهَرَني جَمالكِ الموسوم ببساطةٍ عادِيَّة
وقد ابتَعَدْتِ به عن أصباغ الزيفِ المُخادِعة
المَسْروقة مِنَ الباحَةِ الخلفِيّة للإله قزح .

يا امرأة تُجلها نفسي
لَطالَما بهرني جَمالكِ الآسِر
تُذكّرُني خشونة أصابعِكِ بالطُّرُقاتِ المُترَبَة
لِمَعْشوقتي ” سمخ ” وقد سَطا عَليْها في ليْلةِ عِتِم
مَلّاحٌ مَلأ البِحارَ رُعْبًا
وَقدْ أتاها يبْحَثُ عن أصفَرَ زائف .

يا امرأة تُجلُّها نفسي
لَطالما أحببتُ فيكِ
طيبَةَ الجديانِ السُّودْ وَهْيَ تقفزُ فرَحًا
بين الصُّخور
وقد اغتسلتْ بنزيفِ قطرات مَطر .

ها أنا ذا آتيكِ مَبْهورٍا
أحْمِلُ إليْكِ في وَلَهِ العاشق
ما لَمْلَمْتُ مِنْ نَبْتةِ الزّوفة الوَعْرِيّة
لِتسْتحِمّي بذوْبها المُنعِش
كيما تعودَ إلى أصابعَ يَدَيْكِ
رِقّةُ عودِ الرمانِ في ربيعٍ سَيأتي لا مَحالة .

ـ 3 ـ
إنسانةُ رائِعَة

رَأيتها أوَّلَ مَرَّةٍ قبلَ سِنين
في زَمَنٍ ارْتحَلَ وأفلِت سَريعًا
وَعَلى دونِ وَعْيٍ
مِنْ بيْنَ أصابعي .

رَايْتُها
كانتْ حافية القدَمَيْن
تقفِزُ باسِمَة بَيْنَ أترابها
ذواتِها الأخر
تمارِسُ لُعْبةَ “الإكْسِ المُحَبَّبَة ” .

وكانت تتقافزُ جَديلةٌ سَوْداءُ
عَلى كتفيْها الفاتِنتيْن
وَدَدْتُ لَوْ أنَّها حَبْلُ مِشنقتي
لِنَنْشنِقَ بها مَعًا
فنُدْرِكَ مّذاقَ الوِلادَةِ مِنْ جَديد .

لا أزالُ أذكرُها جَيِّدًا
كانت سَمْراءَ
عادِيَّةَ قسَماتِ الوَجْه
لا يُشوِّهُهُ طينٌ مُخادِع
وفي عَيْنيْها كانَ يُشِعُّ بريقٌ حَيِي .

لا أزالُ أذكُرُ
يَوْمَها فتنتني
حين راحَتْ تدْفعُ حَجَرَ اللُعْبَة
بقدَمِها الحافِيَة
مُتجاوِزَةً خطوطَ مُرَبَّعاتٍ وهمية
وَمُندَفِعَةً أمامًا .

 

*كاتب وشاعر فلسطيني جزائري الأصول

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق