ثقافة المقال

العرب يعودون هذه الأيام إلى إسبانيا

بقلم: الدكتور أمين الزاوي
وأنا أتابع ما يجري في الأندلس من ثورة الشارع وغضب الشباب وتجمهرهم في الميادين مطالبين بالعمل والخبز والحرية أتساءل: هل استيقظ الدم العربي البربري في أحفاد أحفاد ابن حزم؟ وأنا أسمع الشباب الإسباني الغاضب يقول إننا سنقودها ثورة على طريقة شباب أحفاد أجدادنا من عرب وبربر تونس وليبيا وعرب مصر وفراعنتها وأموي الشام وأبناء بلقيس بسبئها… وأنا أسمع كل هذا أقول لقد عاد العرب إلى الأندلس هذه الأيام. أشاهد الأخبار على شاشات التليفزيون وأعيد قراءة خطبة طارق بن زياد المزورة وأراها سالمة صادقة وتاريخية: “أيها الناس، أين المفر، البحر من ورائكم، والعدو أمامكم، وليس لكم والله إلا الصدق والصبر. واعلموا أنكم في هذه الجزيرة أضيع من الأيتام في مأدبة اللئام..”

… وخرج المسلمون عربهم وبربرهم من إسبانيا التي حولوها إلى حلم أو قطعة من جنة، كانت دموع الأمير أبوعبد الله الصغير أمام أمه عائشة الغرناطية وهو يسلم مفاتيح غرناطة نهاية الحلم وبداية الكابوس، كان ذلك العام 1492، حين يبكي الرجال تدوخ السماء وبكى الأمير المهزوم.
البارحة ونحن على بعد بعيد من أيام دموع الأمير أبوعبد الله أو el chico كما سمّاه الإسبان خصومه، رأيت ما يرى النائم، رأيت جحافل العرب والبربر شبابا وشابات وقد عادوا إلى الساحات العمومية في كثير من المدن الإسبانية، ورأيت من بينهم طارق بن زياد وهو يحمس المحتشدين من أحفاده وأحفاد أحفاده، كان طارق بن زياد يتكلم الإسبانية والقشتالية بطلاقة وفصاحة دون أن يتنازل عن لكنته الأمازيغية، كان يصرخ عاليا كي يُسمع هذه الحشود من المتظاهرين من شعارات رفعها قبل أيام في شارع الحبيب بورقيبة بتونس ثم رددها في ميدان القاهرة وميدان بنغازي وصنعاء والرباط، لم يكن الوقت لقراءة خطبته المزورة الشهيرة: البحر من وراءكم والعدو أمامكم، فطارق بن زياد الذي عانى محنة دمشق واكتوى بنار غيرة موسى بن نصير يريد أن يقول للمحتشدين من أحفاده وقد علا الغضب تقاسيم وجوههم: إننا لم نغادر الأندلس لأن فصيلة الدم التي حركت الجماهير في البلدان العربية ها هي تستيقط فيكم على الرغم من مرور أزيد من خمسة قرون على مغادرتنا هذه الحارات والباحات والحدائق، إننا إذا كنا قد غادرنا الجغرافيا فتلك مغادرة خاطفة، أيها السادة إن من ترك في اللغة الإسبانية والقشتالية والبرتغالية أزيد من خمسة آلاف كلمة فإنه سيعود ولو مضى على الخروج خمسة قرون، ومن ترك هذه القصور وهذه السواقي والمنازل والحارات والشعر والفلسفة والموسيقى لن ينسى، فالحنين ليس نعجة تذبح، الحنين نار موقدة كشعلة الألمب.
كان طارق بن زياد واقفا بين جموع المحتجين الرافعين لشعارت التنديد بغلاء المعيشة وضد البطالة وضد سياسة الحزب الاشتراكي الاسباني، كان البربري الفاتح يسمع المحتجين وهم يربطون بين ثورتهم هذه وثورة إخوانهم الذين انقطعت بهم السبل عنهم منذ 1492 أولئك الذين جاءوا ذات يوم فكانوا عائلة واحدة يلتقي فيها العربي والبربري والمسيحي واليهودي والمسلم، شكلوا مدنا وجامعات يتحاور فيها ابن رشد وابن سبعين وابن عربي وابن ميمون ورايمون لول وابن خلدون وابن حزم وولادة وابن قزمان وابن حوقل والحاخام الحكيم النكوة وغيرهم كلهم صنعوا الأندلس وجميعهم صنعتهم الأندلس.
ها هو طارق بن زياد يقف في الساحة معتصما مع المعتصمين من أحفاده الإسبان وهو يفكر في لحظة استرجاع مفتاح غرناطة الذي سلمه ذات 02 يناير 1492 الأمير أبوعبد الله الصغير.
وفي المنام التفت كما يلتفت الصاحي فرأيت يا سبحان الله ما رأيت: الأمير أبوعبد الله الصغير، هو بلحمه ودمه El Chico يقف هو الآخر في ساحة من ساحات الاعتصام بمدينة غرناطة، ها هو عاد من منفاه بالناظور لم يكن باكيا ولا حزينا، هذه المرة كان يتظاهر مع المتظاهرين رافعا لافتة مكتوب عليها: نريد الحرية والعمل ونريد وطنا عادلا.
ومن بين المتجمهرين والمتجمهرات لمحت عائشة الغرناطية أم الأمير وقد نسيت قولها المشهور الذي ظل وشم عار على جبين الأمير حين ألقى نظرته الأخيرة على غرناطة متنهدا: “ابك اليوم بكاء النساء على ملك لم تحفظه حفظ الرجال” كانت تعانقه وهي تراه يخرج مع أحفاده في هذه الثورة منتقما لمن طردوه ذات عام.
ورأيت الفيلسوف أبو الوليد بن رشد يطالب بمحاكمة من أحرق كتبه، وهذا ابن حزم صاحب “طوق الحمامة في الألفة والألاّف”  يطالب بعودته فقيها وإماما لجامع قرطبة الذي طرد منه.
ثم اختلط عليّ المشهد فإذا بشباب ذكور وإناث إسبانيين جميعهم يشبهون البوعزيزي التونسي ورأيت من بينهم زرياب يقترب وسمعت ولادة تقول شعرا في ثوار الميادين وقد نسيت ابن زيدون وغريمه ابن عبدوس…
قلت وأنا أرى المعتصمين في الساحات والشوارع بمدن إسبانية ها هو الربيع العربي قد قطع البحر راكبا سفن طارق بن زياد التي لم يحرقها أبدا. ها هو الربيع العربي يعلن عصر أنوار جديد في العالم وللعالم.

 

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق