ثقافة المقال

ملاحظات ثقافية حول القصة القصيرة جداً

نبيل عودة*

أعترف أن بعض ما قرأته مما يسمى قصصاً قصيرة جميل.. ولكنه جمال سريع العبور والتلاشي، لحظة بعد قراءة النص. وبعض النصوص مجرد ثرثرة بلا معنى ولا فكرة ولا رؤية، ولو أراد كاتب متمرس مثلي لأنتج مجموعة قصصية من القصيرة جداً كل يوم، وربما بمضمون وروح دعابة، وفكرة فلسفية، ونص شاعري، أجمل من كل ما قرأت من قصص قصيرة جداً. أنا لست مقتنعاً من أمرين بكل ما يسمى القصة القصيرة جداً، أولاً من كون هذا اللون ينتمي لعالم القصة، وثانياً من رؤيتي ان التسمية قصة قصيرة جداً هي تسمية دخيلة على عالم القصة. القصة القصيرة هي قصة قصيرة وقد تكون ومضة حقاً ولا أرى ان المساحة هي المقررة، انما المضمون، وما يسمى بدون وجه حق قصة قصيرة جداً، القليل منه فقط، يمتلك عناصر القصة… والباقي ليس قصة وليس أدباً حتى..!! هل هذا يعني ان قصة قصيرة مصوغة بكثافة روائية تصير، حسب هذا المنطق “رواية قصيرة جداً؟”. قناعتي ان هذه التسمية عبثية!!

 

القصة القصيرة جداً تفتقد للمبنى القصصي بحكم مساحتها، وغياب عناصر هامة مثل الخطاب التاريخي والخطاب الفني، وبناء الحدث، وبناء سيكولوجية الحدث وأبطاله، أي بمفهوم أوضح دراسة العوامل النفسية للفكرة الدرامية ولشكل تصرف الأبطال. ربما ينفع نص ما يسمى قصة قصيرة جداً ليكون حالة معينة داخل قصة.

أعرف ان موقفي سيثير رفضاً واسعاً، لأن الكثيرين من الذين فشلوا في صياغة قصة قصيرة يبحثون عن تغطية ثقافية.. ولكني لم أتعود ان ابقي رأيي طي الكتمان.

لا أطرح ما أطرحه لأنتقص من قيمة اي كتابة أدبية إبداعية. وكما قلت بعض ما يسمى القصص القصيرة جداً قرأتها بمتعة، رغم أني لم أدخل في نوسطالجيا القصة القصيرة، او أجواء الدهشة والإحساس بالحدث، وشعور التواصل والرفض لمواقف أبطال النص القصصي، او القناعة الفكرية بموقف او نهاية. وخلافي ليس حول قدرات إبداعية لبعض كتابها، لأن الأكثرية المطلقة من كتّاب هذا اللون، صاروا تماماً مثل شعراء آخر زمان، الذين هبطوا على الشعر بدون فهم أدوات الشعر، ولغة الشعر وصياغة الصور الشعرية، ووجدوا بالمنثور غطاء تنكريا، بينما الشاعر الوحيد الذي اثبت نفسه في الشعر المنثور هو الشاعر محمد الماغوط. وقد نجد القليل عند غيره من المنثورات الجيدة.. ولكنها لا تشكل حالة ثقافية.

لذلك نرى الكثير من حاملي صفة شعراء وكتاب قصة قصيرة جداً، او حتى قصة قصيرة، ولا نجد بينهم الا عدد نادر من الشعراء والكتاب، وبالكاد لديهم روح أدبية تستحق الالتفات.

يقلقني تماماً ان حالة من التسيب والسهولة التي وجدها البعض في هذا اللون من الكتابة، قد تقود الى تعميق أزمتنا الأدبية.. بحيث تصير الكتابة القصصية القصيرة جداً ملعباً للكثير من الفاشلين قصصياً، تماما كما ان الشعر المنثور أضحى لعبة يمارسها الفاقدون حتى للحس اللغوي وليس لبحور الشعر وأوزانه فقط..

أفهم ان شاعراً مجيداً مثل محمود درويش او نزار قباني كتبا قصائد النثر، او ظهرت نثريات في قصائد بعضها موزون. لدرجة ان القارئ العادي، او المثقف أكثر، يستصعب أحياناً الفرز بين الموزون والمنثور او فهم ان بعض الشعر، رغم انه على المسطرة من ناحية الوزن الا انه يبدو لغير الملمين بالأوزان الشعرية، نثراً.

أحد الأدباء العرب داخل اسرائيل، الدكتور فاروق مواسي أصدر مجموعة قصص قصيرة جداً حملت عنوان “مرايا وحكايا” قرأتها وأعجبتني روحها الأدبية.. ولكني لا أستطيع قبولها كقصص، لا قصيرة ولا قصيرة جداً. تفتقد لمبنى القصة. ربما كتابة ذكية ببعضها روح الدعابة. لذا امتنعت من الكتابة عن مجموعته رغم رؤيتي انها لوحات كتبت بذكاء وحس أدبي جميل. واليكم نموذج، وهي القصة الأولى في المجموعة:

سمك

سألته وهي تهاتفه: أي الطعام أحب اليك؟

أجابها بلا تردد: سمك!.

ولم تكن تحب السمك…

وألِفت نفسها بعد أيام تكثر من شراء السمك للعائلة، تقدمه مقلياً ومشوياً وتأكله بشهية..

وتساءلت العائلة: ما سر شراء السمك بهذا القدر… ترى هل رخص السمك؟!.

***

أعترف انها فكرة جميلة، وهي أجمل قصة برايي في المجموعة، ولكن السؤال،ألم يكن من الممكن تطوير عقدة قصصية من نفس هذه الفكرة السريعة، وجعلها أكثر جمالاً وأكثر اندماجاً بجو قصصي يعيش لفترة أطول في ذهن القارئ، ويخلق انفعالات درامية تدوم في ذاكرة القارئ لفترة أكثر امتدادا؟.

سيقولون لي عصر السرعة. هذه حجة تولد ميتة. اذن تعالوا نجعل الرياضيات والفيزياء والكيمياء والعلاج الطبي يخضع لفكرة السريع جداً، أو القصير جداً..؟.

فكرة القصير وارتباطها بعالمنا السريع، هي تدمير للأدب.

ربما تكون قصة قصيرة لا تتعدى الخمسين كلمة. أو أقل، ولكنها ليست قاعدة إطلاقاً. وتحويلها الى قاعدة يبنى عليها تحمل في داخلها ميكروبات قاتلة للأدب.

الأدب متعة نفسية وجمالية وفلسفية وأخلاقية وتطويرية ونقدية.. ورحلة في عالم الانسان والطبيعة والجماليات، لا يمكن اختصاره الى قصة قصيرة جداً، تكتب خلال دقيقتين.

من هذا الشكل مثلا قصة كتبتها خلال دقيقتين بدون فكرة مسبقة، من أجل ان أثبت لنفسي أولاً عبث فكرة القصة القصيرة جداً. وقدرة كاتب متمكن من مهنته، ان يصوغ عشرات من النصوص، من هذا النوع، خلال جلسة واحدة قصيرة. واليكم النموذج:

أضف الى رجائك ورقة ياناصيب

كان يصلي لربه ان ينقذه من تدهور حالته الاقتصادية، بأن يجعله يفوز بمليون دولار بسحب اليانصيب. وتمضي الأيام والأسابيع، والله لا يستمع لندائه. أخيراً وقف يصيح بأعلى صوته: ألم تقل على لسان ابنك: اقرعوا يفتح لكم؟ ابحثوا تجدوا؟ أكاد أموت جوعاً وانت لا تسجيب لندائي بأن أفوز ياليانصيب!”. وجاءه صوت مجلجل من السماء: “عليك ان تقوم بخطوة كي تساعدني على مساعدتك، اشتر أولاً ورقة يانصيب”.

وقصة أخرى:

كتابة تافهة..؟

جلس يهودي متدين في عيد الفصح في حديقة، وكان يأكل المصّة. جلس بقربه رجل أعمى، قدم له اليهودي قطعة من المصّة، تلمّس الأعمى المصة بأصابعه من الجهتين وسأل بحيرة: “من كتب هذه التفاهات؟”

وقصة أخرى:

من تصدق؟

دخل بيته ووجد زوجته وأفضل أصدقائه عاريين في السرير. قبل ان يفتح فمه قفز صديقه من السرير قائلا: “قبل ان تقول شيئا أخي، فكّر جيداً، من تصدق، صديقك ام عينيك؟”.

هذه القصة قد تبدو نكتة عابرة ولكنها فلسفياً تطرح موضوعاً هاماً: “على أي نوع من المعلومات عن عالمنا يجب ان نعتمد؟”

هل تريدون ان أواصل؟

إنسانية

“الإنسانية؟

ليست ان يبصق صدرك دماً من طلقة مدفع في يد عدو.

الإنسانية؟

ان تزغرد رصاصاتك فرحاً بالنصر!!”

هل يمكن وصف هذا المقطع بالقصة؟

مقاومة

انت في مهمة، ومهمتك تطبيقية، مهمتك ان تضغط باصبعك الى الوراء، بعد ان يكون الصليب المنبعث أمام عينك عبر منظار البندقية، قد تعلق كوسام الشرف فوق صدر الذي احتل ارضك”

غضب أيوب

فقام أيوب ومزّق جبته وجزَّ شعر رأسه وخرّ على الأرض ساجداً.

قال أيوب: عرياناً خرجت من بطن امي وعرياناً أعود الى هناك، الرب أعطى والرب أخذ، فليكن اسم الرب مباركاً”.

وقتلت فلسطين!!

بعد نكسة 1967 كتبت مجموعة “ٌقصص جو” تحوي عشرات المقاطع المستقلة في إطار قصصي واحد، بإمكاني تحويلها الى أكثر من 50 قصة قصيرة جداً. ولكني لا أشعر بأني أبدع كتابة قصصية، انما فذلكة نصية لا أكثر.

وأنهي بهذا المقطع:

الموجات الثلاث

وصلت قبل ايام، كنت في رحلة الى بحر هائج. أضعت هناك ثلاث موجات، وعندما وصلت ميناء النهار اكتشفت اني أضعت ايضا نصف البحر وحبيبتي التي كانت تحتضنني بين وديانها وجبالها.. آه من ألمي. حملتني الريح بعيداً عنها.. وها انا أبحث عنها حتى اليوم.

***

مثل هذه القصص لا تحتاج الى الدخول في مشكلة التكنيك القصصي، وضبط الخطابين الأدبي الفني من جهة والتاريخي الأيديولوجي من الجهة الأخرى، لصياغة قصة فنية متوازنة، وانتاج نص يشد القارئ ويثير دهشته.. مثل هذه “القصيرة جداً” لا تحتاج الى التفكير بخلق عالم البطل وشخصيته، ودراما واقعه، مثل هذه القصة لا تحتاج الى خلق أحداث حياتية ونص متماسك يأسر بدهشته القارئ، وتكريس تفكير وجهود فنية لجعل الفكرة أكثر كثافة في ذهن القارئ، وأكثر عمقاً اجتماعياً، وأبعد في صياغتها من مجرد خبر كتب بروح الدعابة السوداء او البيضاء.

لاحظت ان بعض الزملاء يعلقون على القصص القصيرة جداً بكلمة مكررة “كثافة” هل حقاً يدركون مفهوم التكثيف في الأدب او في النص اللغوي او في الطرح الفكري؟ رجاء لا تدمروا هذا التعبير باستعماله في غير مكانه، يكفينا ان مفهوم الحداثة صار يطبق على كل كتابة مفككة وهابطة لغوياً وفنياً.. وبجهل كامل لمعاني التعابير والاصطلاحات ومضامينها ومصادرها الفكرية.

القصة القصيرة جداً ليست تكثيفاً لشيء، بل هي اختصار لفكرة وتجزيئها. لا افهم ما هو التكثيف في النص القصصي، الا اختراعاً لاصطلاح للتغطية على الفقر القصصي.

هذا رأي.. لست متمسكاً ومتعصباً له، او لأي رأي آخر، لأن عالمنا متحرك متغير متطور، عاصف بأفكاره ومعاييره، ممتد بعمقه واتساعه بكل الاتجاهات، وفقط الملقّنون (بفتح القاف) يتمسكون برأي ثابت لا يتغي..

هذه هي قناعتي، حتى هذه اللحظة على الأقل!!..

* كاتب وناقد وإعلامي فلسطيني.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق