ثقافة السرد

قالت المُعّلمة..

عُلا على*

فى بلادى..يكتب التلاميذ الصغار على صفحات دفاترهم..

فى السنة اربعة فصول..صيف وخريف وشتاء ..ولا ضير ان كان ثمة ربيع ذا يوم واحد…

والخريف اجمل فصول السنة..

فى بلادى.. يكتب الصغار..

فى السنة اثناعشر شهراً..

يناير اجمل شهور السنة..كان فيه استقلال بلادى..

اكتبوا عن الاستقلال..

قالت المعلمة فى حصة التعبير.

وبدأ الجميع الكتابة..

فى اليوم الاول من يناير 1956..

لا اذكر ماذا كتبت..ولكنى لم ابدأ بذى العبارة..خالفت بدايتى البدايات..!

ومن يومها.. وانا اتمرد على البدايات المعتادة..وتسرى حُمّى تمردى على النهايات.

جُمعت الدفاتر, وجاء الغد..

والمعلمة ترمقنى بنظرات حادة من اسفل نظاراتها السميكة..وانا انزوى فى ركن الدرج الاول لا الوى على شيئ..كمن لم يفعل شيئا..

لم اكن احس انى فعلت شيئا..لم اكن احس انى خالفت الشريعة والقانون ..وحرفت التوراة والانجيل..

لقد خالفت بدايتى البدايات ليس الا..!!

مازالت المعلمة ترمقنى..

لم اكن انتظر اطراءا..وكذا لم اكن انتظر ان اُدعى محموداً كذابا..لانى لم اعش قبلها مراراً.. لاكذب  مراراً..

كنتُ صغيراً,خرجت من رحم امى ..وجئت الى المدرسة.

مازالت ترمقنى بنظراتها الحادة..

جاء صوتها حاداً له صرير:

ان كتب شخص اخر الواجب لاحدكم..حتماً ساعلم

وماتت الاشياء بداخلى..

ومنذ ذاك الحين تموت البدايات بداخلى قبل ان تبدأ..

قبل ان تطل براسها الصغير,تصطدم بنظرات المعلمة التى تخترقها فى اصرار ,لتضبطها بالجرم المشهود..فتذوى وتضمحل الى القاع و..وتموت.

فى بلادى.. يكتب الكبار على جدران قلوبهم الشاهقة الارتفاع..

فى العالم..خمس قارات..

وافريقيا اجمل القارات..

فيها بلادى, ذات النيل والنخيل..الوجوه السمراء والناس الطيبين..فوق ارضها تسير امى..وتحت ترابها يرقد ابى..

فى العالم..ملايين الاباء..

وابى اطيبهم..واحنهم واكبرهم حضنا..

مازال العالم يتكون من خمس قارات..

لكن ليس فيها قارة تحتوينى..

حتى افريقيا.. ذات بلادي بسوادها واحمرارها وقمحيتها..ليس فيها حضن يحتوينى..

السنة بفصولها وشهورها ,وبلادي..

ليس فيها حضن يضمنى..

لم تعد الاشياء تموت بداخلى..

لم تعد تُولد اصلا..

اجهضتها نظرات المعلمة ذات الصرير الحاد وهى ترمقنى اذداد انزواءاً..اسدُ اذنييّ بكلتا يدى الصغيرتين..واهرب الى حضن امى ..لكنها لم تحضنى..ادخلتنى مرة اخرى الى رحمها,والصرير الحاد يسبقنى..تعلو حدته فى اذنىّ حد الصمم..

فى بلادى.. تموت الأجنة صمماً..

مازال التلاميذ يكتبون ..

فى اليوم الاول من يناير…

*كاتبة من السودان

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق