ثقافة السرد

الحية حتى ولو كانت ميتة

احمد علي صدقي

كان الجو حارا في هذا اليوم. الا أن بمسائه حلت نفحة خففت من جوه الساخن المرهق.
ناداني زوج جارتنا وانا نصف نائم بمراح بيتنا. لبيت نداءه لان العرف يوجب ذلك. وأنا خائف اقدم رجلا وأخر أخرى دخلت منزله. خائف لأنني اعرف مسبقا سبب دعوته لي. لقد استغاثت بي زوجته عمتي ‘حادة’ -المرأة التي لا زالت جميلة رغم كبر سنها- ظهر هذا اليوم ولم استجب لندائها. كان النداء اكبر من ان ألبيه. استدعتني المرأة-وانا أحمد الشاب- لأقوم بعملية حجمها أكبر من قدرتي العظلية و حتى النفسية ايضا!!! لقد استجبت أول الامر ولكن حينما عرفتني بالمهة تراجعت وهربت.
دخلت على الرجل وهو ببهو منزله وأمامه صينية انشغل بها لتهيئ الشاي كعادته بعد رجوعه من الحقل. سلمت عليه من فوق رأسه بل قول على رزته الكبيرة التي كانت تلف رأسه. اخترت مكان جلوسي قرب زوجته لأنها كانت تجلس في الجهة البعيدة عن باب المطبخ الذي اظن أن العدو لا زال مختبئ به. بينما كان عمي يجلس قرب باب المطبخ غير مبال بذالك العدو الراكن بالداخل والذي يمكنه ان يخرج الينا في أية لحظة. قال لي مستهزئا:
– يا سي أحمد؟ أأنت الرجل الذي تعولنا عليه؟ أانت رجل وتخاف؟ لا يجب. فلا تخاف عندنا الا المرأة؟
لم أرد على كلامه. ضحك بقهقهة ثم استمر في استهزائه من شخصي وأنا مطأطئ الرأس أموت خجلا واستحياء من كلامه معي . قال:
-تخاف مخلوقا ضعيفا من هيئة هذا الذي افزع عمتك؟ فكيف إن كان دخل عليها ذئب او أسد فاستغاثت بك؟ يجب ان تكون رجلا. والرجل لا يخاف. الرجل رجل ومن واجبه حماية المرأة ان استغاثت به. فالرسول صلى عليه وسلم اساوصى بالمرأة.
قلت في نفسي والحشمة تطوقني من كل جهة: لا أحياني الله ليوم أواجه فيه لوحدي اسدا أو ذئبا ولا حتى كلبا.
ناولني كأس شاي أحمر برزة بيضاء تضارع رزته. ذقت منه رشفة اكتوت من حرارتها شفتاي. كان المشروب احمرا، حاميا، حلوا ومارا في نفس الوقت. وأنا ارتشف منه، تباينت لي الحية- وقد استعدت للهجوم- تطل برأسها من باب المطبخ. فصحت بملئ فمي:
-انظر عمي، ها هي الحية التي حدثتني عنها عمتي. احترس. ها هي تخرج. ها هي قادمة جهتك!!!
نظر عمي الى الجهة التي اشرت اليها، فإذا به جامع كل قواه وقفز وسط صينيته ساكبا شاي برادها ومحطما كؤوسها. محدثا ضوضاء كزلزال حل بالمكان. قفز من مكانه تاركا وراءه صينية ملأها خليط من شاي و زجاج. جرى نحو الباب من غير أن يأخذ بوصاياه العشر التي كان يوصيني بها وما يجب ان اتحلى به من شجاعة ومروءة في موقف كهذا.
زحفت الحية نحو الاشواك وأنا وعمتي ‘حادة’ ننظران اليها متجمدين في مكاننا كصنمين لا نتحرك حتى توارت بالاشواك. فقمت انا حينها هاربا الى الخارج تاركا ورائي عمتي’حادة’ وحطام بقية زلزال عمي. وأنا أجري هرعا الى الخارح وقلبي ينبض خوفا اصطدمت بعمي في الباب. فسألته، أو هو الذي سألني، لم اعد أدري:
– اين ذهبت الحية؟ هل رجعت للمطبخ؟ هل دخلت وسط الاشواك؟
قلت له: ومن له حينها ذهن يا عمي يميز ما يحدث بجوانبه. لقد مرت بنا واظنها انغمست وغابت وسط اشواك الصبار. قال:
الحمد لله أن كفانا شرها.
قلت مستهزءا وأنا أكيل له بصاعه:
هل أخافتك يا عمي؟ لقد تركتنا- أنا وعمتي- واجهناها لوحدنا والعرف يوجب حماية المراة والطفل.
أجابني وهو يقلب كفيه على ما استنتج من استهزاء في نبرة كلامي: هذه الحية داهمتني، ولم اتهيأ لها من قبل، وإلا لكانت لقت حتفها معي.
قلت له والضحات تتزاحم للخروج من فمي:
– حية ضخمة جدا ياعمي تستوجب حظور رجل قوي ومهيئ لها. فلا انا ولا انت يا عمي، نستطيع مقاومتها.
قال لي بعاميته القحة وعلامات الخوف تظهر على محياه وهو يقاوم ارتعاش جسده حتى لا يظهره هذا الخوف:
-السم أولدي ما امعاه لعب.
والحية حية ولو كانت ميتة.

*الرباط في يوم 12/11/2018

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق