قراءات ودراسات

علاج شوبنهاور

كتب: حسام رزيق*

إرفين د. يالوم كاتب، روائي وطبيب نفسي من أصول بولندية هاجرت أسرته إلى الولايات المتحدة الأمريكية، وولد في واشنطن عام ١٩٣١م، استطاع من خلال عمله كطبيب نفسي أن ينتج أعمالاً أدبية رفيعة المستوى يناقش من خلالها العلاقات الإنسانية، العزلة، تقدير الذات، الأخلاقيات والحرية.

علاج شوبنهاور هو أحد أعمال يالوم الرائعة والتي يسرد من خلالها سيرة الفيلسوف الألماني الشهير آرثر شوبنهاور ويضع نظرياته الفلسفية وأسلوب حياته كمفكر تحت التطبيق العملي من خلال شخوص الرواية لاستخلاص الفائدة منها، لتمحيصها وسبر أغوارها. إن لهذا العبقري والذي وصفه تولستوي “عبقري بامتياز بين الرجال”، “واعتبره ريتشارد فاغنر (هبة من سماء)؛ ويقول نيتشه عندما قرأ له (تركتُ ذلك العبقري الكئيب يعمل بحيوية في عقلي) فهذا الرجل الواقعي السوداوي له الأثر الكبير في الخارطة الفكرية الغربية ومن خلال هذه الرواية سنتعرف عن حياته، عبقريته، العوامل التي ساهمت في بناء هذا الرجل.

فابتدأت القصة من خلال قصة الدكتور جوليوس، وهو طبيب نفسي يكتشف اصابته بسرطان الجلد عند اجرائه للفحص الروتيني العام وهذا ما أدخله في صدمة وإحباط، وأصبح في مواجهة مباشرة مع الموت وهذا ما أدى به إلى مراجعة سيرة حياته وتقييمها، تقييم الإنجازات والإخفاقات، فقرر أن يسترجع ذكرى المرضى الذين فشل في علاجهم ليتواصل مع أحدهم ويقيّم علاجه مرة أخرى. استعاد بدون وعي، أكثر مرضاه تعقيداً وهو “فيليب” مريض مصاب بالهوس الجنسي والإدمان عليه مما أدى إلى تحويل حياته لبؤس حقيقي، إلى تشويه العلاقات الإنسانية العامة في حياته، ومن بعد بذل ثلاث سنوات من جلسات العلاج لم يتحسن حال فيليب ولو قليلاً. فانقطع عن العلاج. اكتشف الدكتور جوليوس عند اتصاله بفيليب أنه تعافى وأصبح دكتور أكاديمي في الفلسفة ويقدم استشارات فلسفية على غرار الاستشارات النفسية، ومن هنا تبدأ الحكاية.

كيف تحسنت حال فيليب؟ كيف استطاع ان يصبح هذا الإنسان الذي هو عليه اليوم؟ لا بل أكثر من ذلك فهو عاقد العزم على أن يصبح استشارياً نفسياً.

كان الفضل في علاج فيليب يعود إلى تعمق فيليب في الفلسفة واكتشافه آرثر شوبنهاور والذي رأى أنه يمثل نسخة أخرى من ذاته فآرثر شوبنهاور كفيليب، انتحر والده، علاقته بأمه ساءت لحد الانقطاع التام، يحب العزلة والانقطاع ويرى أن الارتباطات الإنسانية لا تزيد الحياة إلا مرارة، والأكثر من ذلك وجد في سيرة آرثر شوبنهاور مناهضته للجنس والذي كان شوبنهاور يرى أنه أقوى وأكثر الدوافع نشاطاً وتأثيراً ويستأثر بنصف قوى وأفكار الإنسان وبذلك تكون به تعاسة الإنسان فيقول ” لا يتردد الجنس في التطفل بنفاياته والتدخل في مفاوضات رجال الدولة، وأبحاث المفكرين. فهو يحطم كل يوم العلاقات القيمة. حقاً إنه يسلب ضمير الذين كانوا مبجلين وشرفاء.” من خلال هذه المواقف والنظريات من خلال تعاليم شوبنهاور التي تتضمن الكثير عن الاستقلال عن الآخر، عن تجاهل الآخر، عن احتقار العلاقات البشرية وحفظ المسافات اللازمة بين الأشخاص نفسياً وجسدياً وجد فيليب العزاء، فسار على درب شوبنهاور اعتزل المجتمع، فَقَد جميع مهارات التواصل وكرس وقته للتفكير والمعرفة والتأمل.

تتوالى الأحداث بين الدكتور جوليوس وفيليب الذي انضم إلى مجموعة الدكتور فيليب العلاجية، لنتعرف عن قرب على بقية الشخوص الذين سنكتشف من خلالهم الكثير من العقد النفسية والمشكلات التي تتكون داخلنا بدون أي شعور منا حتى تؤثر على حياتنا وانسانيتنا. نتعرف على “بام” والتي تعاني من الغضب وكره الرجال، “ريبيكا” الجميلة التي يؤثر شكلها على علاقاتها بالآخرين، توني، جيل، ستيوارت وبوني كلهم يعانون من مشكلات ملخصها هو بحثهم عن تحسين علاقتهم بالآخر، البحث عن علاقة إنسانية، صحيّة وسليمة وهذا ما برهن به الدكتور جوليوس لفيليب من خلاله أن العزلة وإن قدّمت له العزاء والحل فهي ليست حلاً حقيقياً أو على أقل تقدير ليست حلاً دائماً. توصل شركاء المجموعة إلى أن فيليب وإن وجد في مسيرة شوبنهاور العلاج فإنه الآن بحاجة إلى العلاج من شوبنهاور.

من خلال هذا السرد الماتع، من خلال الحوارات المسرحية، والسجالات العاصفة، والتحليلات النفسية الدقيقة والعميقة بين أفراد المجموعة العلاجية، والتي حتماً ستثير الكثير بداخلك نستخلص أن الحياة هي توازن، في كل شيء، هي أخذ وعطاء، استمرارها والاستمتاع بها هو في منطقة بين الشدة واللين، بين التطرف والانفلات. نتعلم أن الاعتزاز بالنفس لا يدعوك لاحتقار الآخر، أن ذكاءك لا يلغي ذكاء الآخر، أن مشاعرك، تجاربك تحكم بها على ذاتك لا على الآخر. نستخلص من هذا السرد كيف لنا أن نستخلص المفيد من تجاربنا، من قراءاتنا، من معرفتنا وكيف لنا ان نتجاهل ما لا يفيد، ألا نكون انتقائيين كما كان فيليب، فكما نأخذ من شوبنهاور واقعيته السوداوية في “أن الموت قدرنا منذ ولادتنا” لماذا لا نأخذ من نيتشه “أننا يجب أن نعيش الحياة إلى حد أننا يجب أن نقول نعم إذا سنحت لنا الفرصة لأن نعيش حياتنا مرات ومرات كما عشناها من قبل” ؟ لماذا لا “نعتنق حل سبينوزا و آنشتاين: أن يخفض المرء رأسه، ويرفع قبعته أمام القوانين الرائعة ولغز الطبيعة، ويواصل العيش”؟

أدرك الموت الدكتور جوليوس، أصبح فيليب مستشاراً نفسياً بمشاركة توني، يديران جلسات العلاج النفسي. هذه الشراكة بين فيليب الفيلسوف المفكر والذي يطرح أفكاراً مساعدة للمرضى من معرفته بالفلسفة، وبين توني – كمساعد معالج – يكمن دوره بالإضافة إلى التعلم، في المساعدة والدعم بحكم خبرته في تيسير الأمور العاطفية.

من خلال هذه المشهد النهائي للرواية نرى بوضوح فكرة أن الموازنة بين العقل – متمثلة في فِكر فيليب – وبين العاطفة – المتمثلة في توني – هي سر توازن الحياة، واستمراريتها.

——————————–

* علاج شوبنهاور / إرفين د. يالوم / ترجمة خالد الجبيلي / منشورات الجمل ٢٠١٨ الطبعة الأولى

حسام رزيق كاتب سعودي له مدونة فوضى قلم وقناة حرم الجمال على يوتيوب و

لمتابعة قناة حرم الجمال (يوتيوب) انقر هنا

لمتابعة قناة حرم الجمال (تيليجرام) انقر هنا

اقتباسات حرم الجمال ٠٤ رواية علاج شوبنهاور

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق