قراءات ودراسات

الكنعانية لدى عز الدين المناصرة: الفكر، والأداء الشعري

بقلم: د . فاروق مواسي

يلمس المتتبع للأدباء المشهورين أن شهرة كل منهم تأتت مصاحبة لفكرة مركزية أو جوهر في المضمون والشكل، أو موتيف متردد. فإذا كانت عصارة كل مبدع فكرة راوحها وراوحته، فمن الطبيعي أن ننظر إلى المبدعين مستجلين نتاجهم، وكيف صاغوا منطلقهم الفكري ، أو كتبوا أدبهم في  فلسفة الموقف، وشفت نصوصهم بخيوطها وخطوطها على فكر كأنه اللحمة التي تتعامد مع سَداة الصياغة. ستتناول هذه الدراسة فكرة الكنعانية التي أبرزها وكررها عز الدين المناصرة، حتى  أضحت موتيفًا متكررًا في حياة المجتمع الفلسطيني، وكم بالحري في أدبه وفنونه، ذلك أن المنطلق الفكري الثقافي لدى المناصرة أفرز رؤية شعرية تستمد تشكيلاتها ومرجعياتها وأنساقها من المصدر الكنعاني.[1] ومن جهة أخرى فليس وكد هذه الدراسة أن تتقرى منابع الفكرة الكنعانية الحديثة[2]، ومدى ارتباطها بفلسطين، وفيما إذا كانت علاقة ما مع فكرة الكنعانية العبرية[3]، أو فكرة الكنعانية التي دعا إليها أحمد حسين مثلاً[4]، ولكنها ستتوقف على قناعات آمن بها الشاعر المناصرة، وتمثلت في شعره أولاً وقبلاً.

 

الشاعر عز الدين المناصرة ( 1946 –   ) يطرح الفكرة الكنعانية – وبمثابرة – على المستوى  الفكري والشعري ، فهذا النَفَس الكنعاني انعكس في قول الشاعر:

“أنا عز الدين المناصرة

سليل شجرة كنعان وحفيد البحر الميت

قبطان سفن الزجاج المحملة بالحروف

أسافر في مدن العالم كالطائر أحمل رموزًا ورسائل

من بني نعيم إلى كرمل الدالية

هو قلبي يتمدد تحت بساطير الجنود الغرباء  .

……….

فالشكوى لغير الخليل مذلة “[5]

يعلل الشاعر المناصرة بدايات الكنعانية لديه ، فيقول:

“جبال الخليل هي منطقة الحضارة الكنعانية، لهذا سمعت أسماء (عشتار) و(عناة) قبل قراءتي لكتب التاريخ. ونحن أيضًا جيران بيت لحم حيث ولد المسيح، لهذا نجد في الخليل الإسلامية المحافظة آلاف النساء يتسمين (مريم). لقد مجدت الحضارة الكنعانية في فلسطين المرأة، حتى أن عشتار وعناة كانتا نائبتين للإله إيل والإله بعل، وبقيت طقوس الحضارة الكنعانية قائمة في الحياة اليومية للناس…..”

ويقول في مكان آخر: “كنت أشاهد آثار أجدادي الكنعانيين ماثلة أمامي، وكنت أسمع صهيل الجغرافيا وصهيل التاريخ يوميًا….”[6]

كانت فكرة الكنعانية منذ تعلق الشاعر بها نوعًا من الاعتزاز والتحدي، ففي قصائده الأولى يقول في الفخر:

“أنا ابن المناصرة العاشقين، وأنت ابن من ؟

أنا ابن دليلة: غزية البرتقال …

وأمك من؟!

وسيدي كنعان يسكن رأس الأعالي

وسيدك من؟

…….

أنا من سلالة كنعان جد البحار

وأنت ابن من؟![7]

وبالطبع فإن في الإلحاح على الموازنة ما يؤكد هذا التحدي ومتابعة الآخر المتنكر له ولحقوقه ولوجوده. إنه يلجأ إلى النسب والشجرة ، إلى الجد والأصول ليرسخ حقه ، وليثبت عزمه ، وليجدد أمله:

جدي كنعان لا يقرأ إلا الشعر الرصين

…….

جدي كنعان بحار بدوي [8]

وبالرجوع إلى الجد كنعان، وإلى التراث فإن واقعًا مستجدًا يشبكه مع الماضي والتاريخ، لينتج نسيجًا متواصلاً ومتواشجًا. إنه كما يقول استمرارًا للقصيدة السابقة:

“أحاول أن أمسح الحزن عن وجنة قد علاها الصدأ” [9] .

وليس هذا الاستلهام أو الاستيحاء إلا خلاصة معاناة، فهي النسغ في قصائده، وهي الموتيف المتكرر.

اتجه المناصرة إلى الفكرة الكنعانية،[10] ردًا على انتهاك الحق الفلسطيني بدعوى السبق التاريخي ، وهو كذلك  – كما يرى – استكمال النقص في الهوية الفلسطينية.[11]
تسأل صحيفة المستقبل الشاعر عن فكرة الكنعانية ، وإن كان يخشى من أن تتحول في لحظة ما، ولا سيما في إطار رد الفعل، إلى شوفينية ؟
يجيب المناصرة:
“سعيد عقل هو الذي اتجه نحو تجزئة الهوية الكنعانية وانعزاليتها، بينما الكنعنة الشعرية عندي موحدة، وفي عنصرها الفلسطيني هي تأكيد ومواجهة لسحق الشعب الفلسطيني. فهي رد فعل لإعادة تأكيد الهوية ليس إلا. وإنما الشوفينية توصل إلى اليمين، إنما حين تأخذها كعنصر من عناصر الهوية المسحوقة، وهذا حق طبيعي للرد على مقولة الهنود الحمر، فهي عنصر لتقوية الروح أكثر مما هي عنصر هارب، وهي ليست كل العناصر، فهناك العروبة والإسلام والمسيحية التلحمية، وأسميها كذلك تحديداً لا تعصباً، إنما لأن هناك نزوعاً مسيحياً، كما اسلامياً، نحو الغرب، بينما المسيحية شرقية، وأنا أنادي بتعميق هذا العنصر أي المسيحية التلحمية[12] “.

تتردد ألفاظ (الكنعانية) وإيحاءاتها – كما أشرت أعلاه – بصورة مستمرة وكأنها دوران صوفي حول لفظة أو في حركة. فالشاعر وهو يحس بأعماقه فلسطينيته وقضيته لجأ إلى التكرار[13] ليسائله وليحاوره، وبالتالي ليكون شغله الشاغل.

ومن الطبيعي أن تكون العودة ولملمة أجزاء الصور الغابرة – قد وردت للتركيز على صورة جديدة واردة من العمق الوجودي، وذلك لتستفتي الفضاء الحالي. فالشاعر الذي تعرض إلى محاولات الإلغاء المستمرة يجد نفسه أمام التراث والتاريخ، وكأنه يتساءل:

ما سر ما يجري لي اليوم؟ ما هو منطق الحدث؟ لماذا نحن فيما نحن فيه؟ وإلى متى؟

فلا بدع أن هذا التراث يتداخل في تدفق القصيدة، ويساهم في حيوية الأداء، بل هو وسيلة ورؤية معًا، فالتاريخ عامة – والكنعاني فيه خاصة، مشحون بمعاناة الماضي، وبالصبر اليومي في الحاضر، وباستشراف النصر في المستقبل.

يرى الشاعر المناصرة أن بدايته الشعرية كانت “حيث فضاء الجبال المفتوح على سماوات مفتوحة في أعالي كنعانيا، حيث صهيل خطوات الأجداد. ولد الشعر عاريًا بريئًا، تحت شجرة كرمة خليلية. كان الشعر كنعانيًا، آراميًا، وحيث تحول العنب الخليلي إلى نبيذ تلحمي….”[14]

الرموز الكنعانية

من الرموز الكنعانية التي استخدمها الشاعر (بعل) إله الخصب[15]، فهذا الإله يرعى موسم العنب الخليلي، بل يمكن أن نجعل العنب والدالية والكرم وما إليها أسطورة جديدة حية في وجدان الشاعر[16]، وتكفي نظرة سريعة إلى ديوان يا عنب الخليل أو إلى مجموعة باجس أبو عطوان يزرع أشجار العنب لبيان مكانة العنب الذي يرجوه ألا يثمر للأعداء ، وحتى إن أثمر فهو يطالبه: “كن سمًا على الأعداء، كن علقم”[17]

عنب جندلي

يرتوي من سفوح الذهب

وفي بيت لحم التي لا تنام

يحل عليه التعب

ينام على حجر من صخب

لترعاه عين العناية في حضن بعل الذي لا ينام [18]

ومن الرموز الفلسطينية البارزة جفرا، وهو رمز شعبي مستقى من الغناء الفلسطيني – عمد إليه الشاعر فألبسه الثوب الكنعاني. وقد أشار الشاعر إلى جفرا أولاً في قصيدته “غزال زراعي”، وذلك في قوله:

جفرا يا جفرا يا جفرا

أنت الفتنة أنت الشيطان

يا جفرا أنت سحابة هذا الليل الغامض

ولم تكن (جفرا) هنا إلا تلك المذكورة في الأغاني الشعبية الفلسطينية (جفرا ويا هالربع….) التي تتغزل بها هذه الأغاني أو تعاتبها. إلا أن الشاعر عاد في سنة 1975 وبعدها إلى الحديث عن جفرا الإنسانة، فيقول في إحدى حواراته:

“عادت لي جفرا بقوة من خلال حادثة مأساوية، فقد قتلت جفرا قي بيروت… كانت فاتنة نابلسية… وقعت في حبها ، ثم قتلت خطأ على حاجز خلال الحرب الأهلية في لبنان”[19]

يقول الشاعر بعد أن ارتبط اسمه باسمها: “إن جفرا هي أمي وأختي وحبيبتي وأرضي فلسطين، لجأت إلى جفرا كرمز لشعب يناضل ضد الاحتلال وكتاريخ متواصل… لقد رفعت جفرا إلى مستوى الأسطورة”[20]

وقد خصص الشاعر هذا الاسم عنوانًًا لمجموعة له[21]، ونلاحظ فيها هذا التماهي مع الأرض:

يا جفرا النبع ويا جفرا القمح ويا جفرا الطيون ويا جفرا

الزيتون، السريس، الصفصاف

البحر جميل يا جفرا[22]

وثمة قصيدة حملت عنوان: جفرا دثريني لأنام![23]، وبالطبع فهي كالأم التي تحنو على أبنائها.

وكان الشاعر منذ بداياته قد انتبه لهذا الرمز على المستوى الكنعاني، فجعل منها المبصرة صاحبة النبوءة كزرقاء اليمامة[24]:

لكن يا جفرا الكنعانية

قلت لنا إن الأشجار تسير على الطرقات

كجيش محتشد تحت الأمطار

……….

لكن يا زرقاء العينين ويا نجمة عتمتنا الحمراء

كنا نلهث في صحراء التيه

كيتامى منكسرين على مائدة الأعمام

ولهذا ما صدّقك سواي …….[25]

فهو من ترديد اسم (جفرا) يتواصل مع الكنعانيات، ويدندن أناشيد سهل مجيدو، ويستلهم روح الوطن، بل يتماهى الوطن مع اسمه[26]، فجفرا هي الدواء له، وهو في حزنه ويأسه يقول:

لا ظريف الطول داواني

ولا جفرا

ولا نوح الحمام

عشش الوقواق في تلك الأغاني المزمنه [27]

إنها الأم والأرض والذات، فيخاطبها قبيل نهايته:

يا جفرتي

فلتكن حفرتي ….

قربهم

قرب دراقة

أو صنوبرة

عند صفصافة الكرم

سلسلة من روايات أمي

تطل على مرجة من أقاح [28]

ويظل صدى صوت مارسيل خليفة معبرًا عن هذه العلاقة التي عمد إليها الشاعر:

جفرا أمي – إن غابت أمي

جفرا الوطن المسبي

الزهرة والطلقة والعاصفة الخضراء

جفرا – إن لم يعرف من لم يعرف غابة زيتون ….

والأرجوان موتيف أو مترددة في شعر المناصرة لما لعلاقة الاسم بمعنى كنعان، ففلسطين كانت تسمى: أرض كنعان أي أرض الأرجوان، ذلك لأن هذا اللون – على رأي بعض الباحثين – كان يستخرج من القواقع الصلبة في شواطئ غزة[29]، فالأحمر عند المرأة الكنعانية لون الولادة والتضحية، والشاعر كان واعيًا لهذه اللونية الدلالية:

من نبيذ كروم أبي

سلالة خلقت للدم والسوط والغربة

سلالة من أرجوان البحر الثري

تعيد صباغتي بالأرجوان الكنعاني

على كل جفن

ظلال من الكحل والأرجوان [30]

وفي قصيدة الشاعر “شكوى خليلي أمام دالية الأرجوان، يقول الشاعر:

هذه أريحا التي أصبحت نجمة الأرجوان

لا مكان لها في المكان [31]

ثم يقول:

هل أكلم دالية نسغها من دم الأرجوان القتيل

…….

حيث وزعتُ روحي على السابلة

حيث لا تسمع القافلة هل أكلم دالية الروح ، كي انفخ الروح قبل وهن

أنا الكرملي الذي صاغ هذا الفضاء الرصين

……صيفوا في أريحا ، وشتيت في برزخ من شجن

…..حين ارتدت أرجوان الصلاة

كنت أركب مهري الجميل

…..عندما هاجمتني زواحف هذا الزمان

كنت أحكي لدالية الأرجوان [32]

ومن الرموز البارزة: مريام أو مريم، ومع أن الشاعر يقول إن مريام هي مزيج لرمزين (القدس) و(مريم)[33]، إلا أني أرجح أنه يقصد القدس أكثر: وأشرب المياه من بئر مريام العتيق[34]

وتتكرر (مريام) في عدد من الأبيات وكأنها إيقاع نفسي عميق:

أمامنا مريام

وخلفنا مريام

هل تصدق الأيام يا مريام ؟[35]

ويقول:

مريام ليست حجرًا أو سور

مريام نبضنا الخفي في الصدور

مريام نجمة أقوى من الصباح [36]

………..

والسؤال للفتاة في قلنديا: “من أي المدن عجينتك الخمرية” كان جوابه: “من حارة مريام.”[37]

أذكر دالية تتشعبط من نبع

فوق سلاسل مريام

وأنا أغرق في عطرك مريام [38]

مريام ترمز إلى القدس أكثر،[39] وليس أدل على ذلك من قول الشاعر:

“مريام سور ثم باب ثم سور ثم باب ثم سور

وراءها تبدو لنا البلابل التي قد تقرض الأسلاك ….

وراءها القبور

……..

وراءها قلوبنا المفككة[40]

ويستطيع الدارس أن يجد في ألفاظ النسيج والسفن والحروف والرحيل، والحجر، والهدهد، وغيرها، كما يجد في شخصيات باجس أبو عطوان وأم علي النصراوية وامرئ القيس (الذي يسميه الكنعاني)[41]، وغيرهم ما يشيع هذه الأنفاس الكنعانية ويؤكد هويتها ، وبالتالي هويته. ويظهر الانتماء لطبيعة البلاد عبر النباتات التي يذكرها موظفة بعمق مشاعره: الحنون والحور والزيتون والعليق والأحراش والشعير[42] …..

يقول الشاعر:

وكنعان نخل وحور وسنط إذن

سوف نلمح بحرًا يهاجم رملا

ونلمح موجًا يذيب ملوحة هذا الخطأ

أحاول أن أتتبع موال أجدادنا الطيبين

وكم حاول البحر تسجيل جرأته فوق رمال الكلأ [43]

ويقول:

قال الراوي: في تربة كنعان

كان البلوط السريس الطيون وأشجار السنط

وحبات الرمان

في زمن الأجداد الموغل في الأرحام

لقد نصبتْ فرحًا في سفح الجبل العالي

ولدت دالية الكرمل في تربة كنعان [44]

ففي ترديد أسماء النباتات ما يدل على الجو الرعوي الزراعي، وعلى طبيعة هذه البلاد الكنعانية التي رأى نفسه مجبولاً بها وفيها.

كما نجد المكان بانتقالاته من بني نعيم إلى القدس إلى حبرون إلى الناصرة إلى وادي الجوز إلى جبل اليقين …إلخ – مما يعزز هذه الأواصر الانتمائية ويشحنها بطاقة انفعالية.

فمن الرموز المكانية سهل مجدو، وقد أشار له الناقد عبد الله رضوان بأنه أحد مناطق التمركز السكاني القديم “حينما مارس كنعان طقوسه الزراعية في أخصب سهول فلسطين، تحرسه مجدو بخرائبها وبامتدادها التاريخي، ففي سهل مجدو سطر الكنعانيون أسطورتهم وحولوها إلى واقع يومي في حضارة زراعية”[45]:

سأدندن أنشودة سهل مجدو

عودي …

هذا عودي الأخضر فوق شفاه الكنعانيات

هذا مفرق معصرة الزيتون

هذا درب البرقوق على خارطة مهترئة

هذا أثر الثعلب في حقل القثاء [46]

ويضيف رضوان: “إن اختيار الشاعر لمجدو لم يكن اختيارًا عشوائيًا، إنه وعي كامل لبعدي الزمان والمكان. التاريخ الذي يدور دوراته الحلزونية ويكاد يجدد نفسه، والواقع المصادر، ولكنه يضج بحلم التواصل، ثم قراءة المستقبل حيث تواصل البطل / الشاعر مع حبيبته مع وطنه، مع جفرا، وعودة الحياة في دورة جديدة من دورات العشق والعطاء..:

وأوزع قافيتي وخيولي بين مجدو …ومجدو

في سهل مجدو يرتفع الكنعاني الأخضر زرعي داسوه بجرافات …”[47]

وكثيرًا ما نجد مع هذه الرموز الكنعانية استحضار الثقافة الشعبية الشفاهية وخاصة الأمثال الشعبية في النص، على نحو ما ورد في النص الذي اجتزأت منه النص السابق (جفرا في سهل مجدو)، فيقول: “سأحبك بس تيجي يا عمتنا النخلة / في سهل البطيخ الأشقر حين أمرمغك مع الرمل الأحمر/ حين أغمسك بخبز الطابون …..[48]

ولنقرأ نموذجًا آخر من قصيدته – كيف رقصت أم علي النصراوية ما يمثل هذا الجو:

ليش ما تغنينا

كنعان العريس حنوه بالما

ليش يم علي ما تحنينا؟![49]

وبمثل هذه النماذج وغيرها يعمد الشاعر إلى أن يلج دائرة الوجدان والعقل معا.

وكان للبعد الزمكاني الذي أشار إليه رضوان حضور في النص أضفى شحنات، بل طاقة متجددة ومتواصلة،واقعًا ورمزًا، إن لم يكن يبعث نشيجًا وراءه.

ويظل “البحر الميت” رمزًا كنعانيًا مكانيًا بارزًا لدى الشاعر، وقد خصص له مجموعة “الخروج من البحر الميت” الصادر سنة 1969[50]، فقريته (بني نعيم) تطل على هذا البحر الممتد، ويرى الشاعر أن ديوانه “هو انعكاس لتجربة قصة لوط، وخروجه من البحر الميت إلى قريتنا… فكنت أرى لوطًا يخرج كل ليلة من هذا البحر متوجهًا إلى قريتنا حيث قبره هناك – تاركًا عالمه القديم تمامًا كما خرج الفلسطينيون من خيامهم إلى الثورة المسلحة”[51]

وتظل الخليل مركز اهتمام الشاعر في كثير من قصائده ، على نحو:

تكون الخليل

رعودًا مجلجلة ثم برقًا تكون الخليل

…….

ومن لم يحب جبال الخليل كفر[52]

يقول المناصرة إن أهله والفلاحين في منطقته ما زالوا يتكلمون بعض الكلمات الكنعانية، “…هل تعرف أن أسماء قرانا الفلسطينية أسماء كنعانية؟”[53]، ويبدو أن الشعور نابع من أعماق التواصل الإنساني الذي ينطلق منه الشاعر وفيه، وقد تأتى له ذلك بسبب بحثه عن الانتماء ، خاصة وقد تشرد ونفي، وكان الرحيل من مكان إلى آخر لازمة حياته، فلا بد من اللجوء إلى الماضي ليسكن فيه، وليخيّل لذاته الشاعرة واقعًا يصبو إليه.

وإذا كان إهداء كتاب – أي كتاب – يكون في البداية، فسأجعل إهداء الشاعر ختامًا لدراستي، ففيه خلاصة القول:

“إلى أبي

راوي ومؤرخ القبيلة …في الرحلة الطويلة

ذاكرة طوبوغرافيا الأرض الكبرى [54]

عاشق الكروم ، وحارس البحر الميت .[55]

إليه هذه النصوص الشعرية الرعوية الزراعية الكنعانية الفلسطينية المتوسطية .[56]

وبالطبع فإن ما ورد وصفًا للأب هو تمثيل لتجربة الابن، وهكذا يرى نفسه ودوره هو، حيث نلاحظ دور الشاعر الراوي والمؤرخ والذاكرة، والعاشق للكرم، والحارس المؤتمن على أماكنه، وما نصوص الشاعر إلا تأكيد على فلسطينيته، وكذلك على حضارة البحر المتوسط التي يراها كنعانية كذلك.

يجيب المناصرة هؤلاء الذين يمازحونه بدعوى أنه “غارق في أساطير كنعان”:

” ….القصيدة الكنعانية تعتمد من وجهة نظري على مسألة تحديث اللغة الرعوية وعلى تكثيف العشق للأمكنة …”[57]

لقد بلغ به الهم الكنعاني إلى أن يعيش تهويمات صوفية مستبدة، تبين ذلك من خلال هذا الدوران على التعابير بعينها، وتوزيع صور جديدة تتلمس وجده الكنعاني وحبه الصوفي الجديد، حتى لنلاحظ تحويره للفظة (اللهم) فيجعلها (كنعانمَّ!):

إني قد بلغت

كنعانمّ فاشهد

كنعانم فاشهد [58]

فالشاعر يبدو وكأنه رسول جديد يذكر: هل بلّغــت؟ اللهم فاشهد!

وأخيرًا،

فلا شك أن الكنعانية وما تشعب منها من تسميات مصاحبة، نحو كنعان وجفرا  والكرمل وعيد الشعير والبحر الميت والخليل وبيت لحم والأنباط والأرجوان وغيرها، قد تردد بعضها في الشعر العربي الحديث متابعة لما شرع به الشاعر المناصرة، وتتردد (جفرا) في أسماء البنات، وفي أسماء الصحف والمؤسسات والفرق الفنية[59]، كما تتردد أوغاريت (المكان الذي وجدت به الوثائق الكنعانية)، بالإضافة إلى ترديد ذكر مخطوطات البحر الميت والتوراة الكنعانية، وذلك بدءًا من الثمانينيات، بل إن بعض هذه الأسماء اكتسب دلالة أسطورية، وذلك بعد أن كانت الكنعانية موضع شك إن لم يكن اتهامًا بالإقليمية آنًا وبالكفر آنًا آخر. وبرغم ذلك ظل الشاعر المناصرة داعيًا إليها ومنذ الستينيات، فركز محور قصائده عليها، وها هو يرى عشرات الشعراء وقد أخذوا بتعابيره[60]، حيث أصبحت مألوفة فلسطينيًا وعربيًا، بل أصبحت كنعان هي فلسطين، مع أن الشاعر أصلاً لم يكن يقصد ذلك حصرًا، بل نظر إلى كنعان شاملة بلاد الشآم جميعها، بل أضاف غيرها، [61] غير منكر فيها خصوصية فلسطين التي هي النواة والقلب، حيث جعل منطقة الخليل مركزًا نابضًا فيها، والبحر الميت حيًا في وجدانها….

فالكنعنة مرتبطة بحياته الروحية واليومية، هي سبب لانتمائه بعد إذ نفي عن وطنه وهو يافع، وفيها ومنها انطلق إلى العالم الرحب، ليؤكد حقه في الحياة، وليكشف النقيض الذي يحاول أن يسلبه وجوده، وهيهات!

ظل هاجس المناصرة التاريخ – التاريخ المستمر الممتد، من هنا فليست فلسطين لديه شعارات سياسية ملوكة، بل هي روح تنبض، وقلب يخفق منذ “جدّه”[62] كنعان وحتى كل شهيد على أرضها، والشاعر يحس في أعماقه أنه يبعث روح اللغة الكنعانية في بعض نصوصه[63]، فهذا الشعور بحد ذاته – حتى لو ظل شعورًا فقط – يتواصل مع نفسية متعمقة في هذه الأصول، محاولة أن تستلهم منها، أو تسترجعها، وتدور في فلكها.

وتبقى مثل هذه الصورة عاكسة لما يحسه في أعماقه:

يقع البحر الميت بين برية كنعان

وحبال قلبي التي تصل الأرض بالسماء

منكسر الروح

مسجى

كشهيد قديم جرحه أخضر [64]

………

طفل يوعوع داخل الغرفة

سميته كنعان

باسم الأرجوان الرطب

باسم الأرض والصخرة

…..

جفرا تقول بأن أشعاري

وما أشبه

ستقرب الدولة [65] .

تسمياته للدواوين: كنعانياذا، رعويات كنعانية، يتوهج كنعان[66]….، وما أكثر أسماء القصائد التي تظهر فيها كلمة (كنعان) أو مما هي في حيزها، نحو: “في أعالي كنعان”، من أغاني الكنعانيين “دموع الكنعانيات”، “نشيد الكنعانيات”، “سراويل كنعانيا” …..[67]

والمناصرة – كما يرى أحد النقاد: هو “مؤسس القصيدة (الرعوية الكنعانية)… و(مبدع الميثولوجيا الشعرية العربية المعاصرة) – …. حوّل (جفرا) من حكاية متداولة إلى أسطورة كنعانية معاصرة”.[68]


المصادر :

أبو لبن، زياد (إعداد وتحرير): غابة الألوان والأصوات، مطبعة اليازوري، عمان – 2006 .

فيليب، حتي: تاريخ سورية ولبنان وفلسطين – ترجمة جورج حداد وعبد الكريم رافق، بيروت – 1958.

رضوان، عبد الله (إعداد وتحرير): امرؤ القيس الكنعاني، المؤسسة العربية للدراسات النشر، بيروت – 1999 .

زلبرمان، يفتاح : أسطورة الأصل الكنعاني في المجتمع الفلسطيني (بالعبرية) ، معهد القدس في بحث إسرائيل، القدس- 1993.

المناصرة، عز الدين: جمرة النص الشعري، منشورات الاتحاد العام للأدباء والكتاب العرب، دار الكرمل للنشر، دمشق – 1995 .

المناصرة، عز الدين: الأعمال الشعرية، المؤسسة العربية للدراسات، بيروت – 1994 .

المناصرة، عز الدين: لا أثق بطائر الوقواق، دار مجدلاوي، ط 3، عمان – 2004 .

المناصرة، عز الدين: الشاعر المستقل. شهادة ضمن بحوث المؤتمر العلمي السادس، مايو 2001، جامعة فيلادلفيا (الأردن) – 2002.

المناصرة، عز الدين: شاعرية التاريخ والأمكنة – حوارات مع الشاعر عز الدين المناصرة، المؤسسة العربية للدراسات، بيروت – 2000 .

مهران، محمد بيومي: دراسات في الشرق الأدنى القديم، دار المعرفة الجامعية، بيروت – 1997 .

مواسي، فاروق: نبض المحار-دراسات في الأدب العربي، مجمع القاسمي، باقة الغربية-2009.

صحف

فصل المقال، 22 آذار 2003 .

مجلة الكاتب (رام الله)، العدد 32، كانون الثاني 1983 .

صحيفة المستقبل (لبنان) – 23 آب 2003.



[1] –  يناقش الشاعر المناصرة موضوع أصل الفلسطينيين، وهو يرى أن أصلهم كنعاني، مخالفًا بذلك ما هو مألوف في كتب التاريخ، وبالطبع فهو يستند إلى مصادر تاريخية كثيرة، فيقول مثلاً:

“هناك نظريتان سادتا حول ”أصل الفلسطينيين”، وكلاهما خاطئ: الأولى، تقول إن أصلهم من جنوب الحجاز وعسير، في شبه الجزيرة العربية، والأخرى تقول إن أصلهم من جزيرة ”كريت” اليونانية، اعتماداً على نصوص توراتية. ولم يتطرَّق أحدٌ للرأي الثالث الذي نؤكده، بأنهم، ”كنعانيون أصليون” في فلسطين، وهم قبائل متفرعة من القبائل الكنعانية، التي كانت في فلسطين، منذ الإنسان الأول.

للتوسع انظر مقالة المناصرة في موقع “مؤسسة فلسطين للثقافة”: http://www.thaqafa.org/Main/default.aspx?xyz=BOgLkxlDHteZpYqykRlUuI1kx%2fVDUOFoknzicYlKfNjN0AyEe8YpD4JwGR5HTVqFI4LQJyZl9%2bTBoCRzkmnyEDl8gHPSwNk01ESG3L%2bvRIs3Q3XVZwRG0LfwC1P79Vq7MldaZxAMsSiHyMHDkB7jKA%3d%3d

[2] – ثمة دراسة بالعبرية كتبها يفراح زلبرمان ” أسطورة الأصل الكنعاني في المجتمع الفلسطيني”( معهد البحث في إسرائيل .القدس- 1993 ص 9)، وهو لا يجد هذا الاتجاه الكنعاني-  بالمفهوم السياسي الحديث-  مذكورًا  للتأكيد الموظف والمقصود على سبق العرب في الاستيطان في فلسطين، قبل الستينيات.

[3] – أطلقت صفة الكنعانية على أتباع هذا الطرح على سبيل السخرية (نسبة إلى فقرة تلعن كنعان في سفر التكوين). لكن الاسم الحقيقي لحركتهم هو:حركة العبريين الشبان”. ويتلخص فكرهم بأن العبري هو الذي ولد في البلاد ليس يهوديا، لانقطاعه عن الديانة، بل هو لا يمكنه أن يكون يهوديًا. أما يهود الشتات ومعهم الصهاينة فهم يهود، ولا يمكنهم أن يكونوا عبريين.
وهنا يمكن الخلاف بين هذه الحركة والصهيونية. فأتباع هذه الحركة يرفضون اعتبار يهود الشتات ظاهرة قومية . ويرفضون مبدأ أن يكون ابن الأمة ابنا لطائفة تنظر لأمتها على أنها طائفة….لكن هذا المنطق القومي اصطدم بواقع الأمة-الطائفة، فحاولوا تجاوزه بالدعوة إلى تخليق أمة عبرية جديدة، تكون خليطا من اليهود والعرب والأكراد. (انظر الدراسة عن كتاب قدري حفني الشخصية الإسرائيلية في موقع http://www.mostakbaliat.com/link73.html).

وفي لقاء لي مع الشاعر العبري يوناتان رطوش (1909 – 1981 ) الذي دعا إلى الكنعانية منذ أواخر الثلاثينيات، وقد أصدر مجلة الحركة بالعبرية – ألف، ذكر لي أن الكنعانية هي تاريخ العبريين الحقيقي، بل حدثني أن العرب في البلاد هم كنعانيون، وأن العبريين وشعوب الشرق هم كذلك ( لا اليهود، إذ لا علاقة في رأيه بين العبريين واليهود، فاليهودية ليست قومية، وقد عارضت الكنعانية فكرة الصهيونية أيضًا، ودعا هو وجماعته إلى العودة لألواح أوغاريت التي سبقت التوراة )، وقال إنه لا بد من حل سياسي يجمع الكنعانيين الذين بقوا في أرض كنعان. وجدير بالذكر أن الكاتب العبري أهرون أمير ( 1923 – 2008 ) كان هو كذلك يدعو إلى الكنعانية، ولكن بطريقة مغايرة قليلاً، وقد تسنى لي أن أحاوره في آرائه .

[4] – أحمد حسين محمود ( 1939-         )، وقد بدأ منذ أواخر الستينيات بالدعوة للكنعانية من منطلق الرفض للتاريخ الذي سماه
” التاريخ الهجري”،  ويعني به التاريخ الإسلامي، وقد أصدر دواوين شعرية توحي بالأجواء الكنعانية، نحو: عنات (1983).

[5] – المناصرة: الأعمال الشعرية ، ص 388، وانظر كذلك: شهادة عز الدين المناصرة، صحيفة فصل المقال
( الناصرة )، عدد 22/3/2002. وقد ذكر الشاعر كذلك أن ” خربة زيف ” في قريته بني نعيم كانت الحضارة الكنعانية الأولى، ” ففي كتب التاريخ تدعى (حضارة زيف )، وهناك أيضًا ( بركة الكِرمِل )، وهي بركة قديمة، وفي برية قريتنا ( قصر الحمرا ) حيث كنا نلعب بالفسيفساء ….” انظر: المناصرة: شاعرية التاريخ والأمكنة، ص 293 .”

[6] -ن . م، ص 494 . جدير بالذكر إلى أن هذه الدراسة اعتمدت مع التصرف على مقالتي ” تجليات الكنعانية ومفهومها لدى عز الدين المناصرة”. نبض المحار. ص 65-101.

[7] – المناصرة: جمرة النص الشعري، ص 340، ولم أجد قصيدة “أغراض” التي أُخذ منها هذا النص في الأعمال الشعرية.

[8] – ن . م، ص 178، وقصيدة مذكرات البحر الميت حاشدة بالتعابير المتعلقة بكنعان، وخاصة مدينة الخليل، ومدينة الخليل يعتبرها الشاعر ” مركز فلسطين في تجربتي الشخصية، وأناسها وحجارتها وكرومها هي المركز الرئيس في ذاكرتي …” ( المناصرة: شاعرية التاريخ والأمكنة، ص 74).

[9] – ن . م .

[10] – يبدو  أن الشاعر أفاد من  نصوص الكاهن الكنعاني  المنسوبة إلى الكاهن الكنعاني ميديكو، ويبدو في مرحلة لاحقة أنه أفاد من كتاب محمود العابدي  مخطوطات البحر الميت، التي اكتشفت سجلاتها في خربة قمران قرب البحر الميت، وثمة مخطوطات أخرى اكتشفت قرب رأس شمرا، وبالطبع فإن ذلك يستلزم الدراسة لإثبات مدى ما أفاد من هذه المصادر.

[11] –  حوار مع عز الدين المناصرة. المستقبل. (لبنان) العدد 1381. 23 آب 2003.

[12] –  يقصد المناصرة بالتجزئة أن سعيد عقل دعا إلى الفينيقية، وهي كما يرى جزءًا من الكنعانية.
جدير بالإشارة إلى أن هناك تشابهًا بين فكرة الكنعانية لدى المناصرة وبين ما دعا إليه الحزب القومي السوري ورئيسه أنطوان سعادة (1904-1949)، وهذا موضوع دراسة مستقل.

[13] – يرى محمد لافي أن ” خصيصة الكنعنة لدى الشاعر المناصرة، وهي تؤسس نصها في الجواني تنعكس على كثير من الجوانب التقنية لمنتَجه، سواء أكان ذلك في ظاهرة التكرار أم في بناء الصورة أم في توظيف المفردة في السياق اللغوي العام للقصيدة ” – انظر مقالته في رضوان: عبد الله: امرؤ القيس الكنعاني، ص 382، والكاتب يعزو سبب كثرة التكرار وذكر الأمكنة والمنحى إلى العامية ما يدعو إلى تماثل مع ما يعيشه الشاعر في داخله .

[14] – المناصرة، عز الدين: الشاعر المستقل .شهادة ضمن بحوث المؤتمر العلمي السادس، مايو 2001، جامعة فيلادلفيا ( الأردن )،- 2002، ص 85 – 86 .

[15] – يقابله أدونيس لدى الفينيقيين وتموز لدى البابليين وأوزيروس لدى المصريين، وقد استخدم الشاعر هذه الأسماء في قصائده، نحو:

” ما زلت أقارع هذا الخنزير البري

وعلى رأسي ينهمر المطر التموزي

تأتيني عشتار تلملمني …. .  الأعمال الشعرية، ص 59 وانظر كذلك، ص 35 .

[16] – فطن إلى ذلك وتابع تحولات المعني في ( العنب ) الناقد خليل الشيخ، ففي مقالة له يقول: ” إن القارئ سيعثر في شعر المناصرة على حالات متعددة لاستخدام العنب وتوظيفه فنيًا، غير أن المقطع الذي يتداخل فيه صوت الشاعر بصوت مغني الربابة يسعى إلى تحقيق الأبعاد الأسطورية ….فتحولات العنب تبدأ بسيطة ( كالعسل والماس )، ثم تصير معقدة ( كالمرأة والشهوة وحمحمة الأنثى )، وتنتهي ذات أبعاد تتحدد من اللاشعور ….لينتهي إلى ربط العنب مجددًا بجفرا وكنعان ” – انظر المقالة في: رضوان، عبد الله: امرؤ القيس الكنعاني، ص 275 .

[17] – الأعمال الشعرية، ص 14، وهذا الحنين للعنب يعبر عنه في قصائده بأنه متوارث جيلاً عن جيل:

” عند باب القدس ماتت جدتي

وهي تحكي لشجيرات العنب

عن زمان سوف يأتي ” ( ن . م، ص 66 ).

[18] – المناصرة: الأعمال الشعرية، ص 9، وانظر نموذجًا لتكرار ” عنب دابوقي ” – ن . م، ص 10 – 11 .

[19] – المناصرة: شاعرية التاريخ والأمكنة، ص 436، ويذكر المناصرة قصتها ثانية ” ….تاهت في الطريق إلى بيروت، فوقعت في أحد كمائن الجنود فقتلوها لأن ثوبها الفلسطيني المطرز فضحها ” انظر المناصرة: جمرة النص، ص 368.

[20] ن . م، ص 323 .

[21] – ن . م، ص 337 – 399، وقد صدر في كتاب مستقل سنة 1981 في بيروت .

[22] – ن . م، ص 359 .

[23] – ن . م، 367 .

[24] – يتردد ذكر زرقاء اليمامة أو ما يتعلق بحكايتها في كثير من شعره، ومن ذلك:

من خلعوا عينك يا زرقاء

إن كنت نسيتك فلتأكلني حيتان البحر ( ن.م، ص 159 )، وبالطبع فالصدى التوراتي قائم، وقد ظهر بتلميح أقوى في قوله:

هل أمزّع وشاحي من طول الترديد

العام القادم في أورسالم  – ن . م، ص 399 .

[25] – ن.م، ص 46 .

[26] – ظاهرة تماهي الاسم مع الوطن استمرت بعد ذلك في أشعار بعض الشعراء الفلسطينيين، نحو زينب لدى الشاعر جمال قعوار ( 1930 –   ) و” أميرة ” – طه محمد علي (1931-     ) و” خضرة ” لدى وليد سيف (1948 –      ).

[27] – المناصرة: لا أثق بطائر الوقواق، ص 37.

[28] – ن . م، ص 50 .

[29] -كانت التسمية اليونانية تربط هذه الشعوب واللون الأحمر، فقد تخصصت منذ عُرفت في صناعة نوع من الصبغة الأرجوانية كانت تستخرج من حيوانات بحرية رخوة تكثر قرب شواطئها، ومن هنا جاءت نسبتها إلى اللون الأحمر ( انظر: فيليب حتي: تاريخ سورية ولبنان وفلسطين –ترجمة جورج حداد وعبد الكريم رافق، بيروت – 1958، 85 – 87 .. اختلف المؤرخون في أصل الكلمة، فمنهم من رأى أن الكلمة سامية وأنهم سموا الكنعانيين على اسم جدهم الأول، ومنهم من رأى أن الكلمة مشتقة من (خنع قنع كنع ) إشارة إلى الصفة ومنها مجازًا الأرض الخفيضة، على عكس مرتفعات لبنان، فالكنعانيون سكان المنخفض، وذهب فريق ثالث إلى أن أصل الكلمة هو حوري، وهي ( كناجي ) وتعني الصباغة القرمزية التي اشتهروا بها، ومنها اشتقت الكلمة الأكدية ( كناخي )، وبالفينيقية ( كنع ) وبالعبرية ( كنعان )،  وكلها مسميات تدل على الحمرة الأرجوانية. ( انظر- مهران، محمد بيومي: دراسات في الشرق الأدنى القديم، دار المعرفة الجامعية، بيروت – 1997، ص 119 – 120 .

[30] – قصيدة شكوى أمام دالية الأرجوان ( ديوان لا أثق بطائر الوقواق )، ص 102.

[31] – المناصرة: الأعمال الشعرية، ص 711 .

[32] – المناصرة: لا أثق بطائر الوقواق، ص 107 – 108، وتجد نماذج أخرى، ص 49، 105، ……

[33] – المناصرة: شاعرية التاريخ والأمكنة، ص 436، انظر قصيدته: مريام الشمالية -: الأعمال الشعرية،ص 426 .

[34] – المناصرة: الأعمال الشعرية، ص 60.

[35] – ن.م، ص 85 .

[36] – ن . م، ص 102 .

[37] – ص . م، 115 .

[38] – ص . م، 116 .

[39] – يبدو أن الشاعر يعني أحيانًا حبيبة له حتى لو مازج في رؤيتها رمزًا آخر:

أحب جدائل مريام أسوارها العالية

أحب الشرائط فوق ضفائرها اللولبية  ( ن . م، ص 160 ) .

[40] – ن . م، ص 102، ونجد أحيانًا أن الشاعر يداعبها باسم ( مريومة )، ن. م، ص 296 .

[41] – يقول الشاعر: سوف تقولين يومًا ما يا جفرا / لك المجد يا امرأ القيس الكنعاني ( ن . م، ص 393 وانظر كذلك قصيدته ” قفا نبك ن ص 24 – 30 )، ولا بد للدارس هنا من الاطلاع على مقالة مميزة للدكتور علي عشري زايد تجري موازنة بين امرئ القيس وبين المناصرة من حيث التشرد، وطلب الحق ….وهي بعنوان ” وجوه الملك الضليل ( في ديوان يا عنب الخليل …) “، وقد وردت الدراسة في كتابه: قراءات في الشعر العربي المعاصر، دار الفكر العربي، القاهرة – 1998، ص 87 – 118 .

[42] – انظر مثلاً قصيدته: عيد الشعير ( الأعمال الشعرية، ص 411 – 412 )، وفيها وصف لطقوس العيد، وذكر لعدد من النباتات في أرض كنعان .

[43] – ن . م، ص 502 .

[44] – المناصرة: الأعمال الشعرية، ص 554 .

[45] – رضوان، عبد الله: امرؤ القيس الكنعاني، ص 34 .

[46] – المناصرة: الأعمال الشعرية، ص 79 .

[47] – رضوان، عبد الله: امرؤ القيس الكنعاني، ص 34 – 35 .

[48] – المناصرة: الأعمال الشعرية، ص 79 .

[49] – ن . م، ص 355 .

[50] –  المناصرة: الأعمال الشعرية من ص 117 – 194، ويضم قصائد ورد في عناوينها ذكره، وأبرزها: مذكرات البحر الميت ( ص 176 )، وهي كثيرة الدلالات الكنعانية، ولا تقل عنها في هذه الدلالات قصيدة ” قاع العالم ” – ص 119 .

[51] – المناصرة: شاعرية التاريخ والأمكنة، ص 82 .

[52] – ن . م، ص 245 .

[53] – في حوار مع الشاعر أجرته مجلة الكاتب ( رام الله )، العدد 32، كانون الثاني 1983 .

[54] – حدثني الشاعر أن والده كان مساحًا، يعرف حدود أرض كل فلاح في منطقته . وفي كتابه شاعرية التاريخ والأمكنة، ص 289 يصف والده:

”  والدي فلاح يعرف كيف يغازل الأرض، ويعرف خصائص كل شجرة في كرومه، وكل حجر، وكل بئر، وكل طائر يلجأ إلى أشجاره …”

[55] – يقول المناصرة ردًا على سؤال حول البحر الميت ودلالته في شعره، فيقول إن من أسباب اكتشافه البحر الميت:

.” ….ميلي كشاعر لأسطرة اليومي، لأن علاقتي بالبحر الميت كانت يومية حياتية ولم تكن ذهنية ثقافية، فهو جاري الأبدي الجنوبي، ولقد عشت جنوبي الهوى ….والبحر الميت أيضًا رمز للتقارب مع الأهل شرقًا في الأردن، وحين كتبت عن البحر الميت في الستينات كنت أكتب عن خروج وانطلاقة الثورة من قاع البحر الميت، لهذا منع الديوان من بعض الأقطار العربية المشرقية ” المناصرة: شاعرية التاريخ والأمكنة، ص 676 “، ويقول المناصرة مثلاً:

هذا البحر الميت لي / طوّبت شواطئه في دائرة الكنعانيين /هذا البحر الميت لي /غسّلت جوانبه بالماء العذب / الأعمال الشعرية، ص 94، 694 .

وفي مكان آخر يرى أنه قلب المعنى السائد للبحر الميت ” معتمدًا على فكرة الخروج التي وصفت في التاريخ والأساطير والأديان، وجعلت معنى الخروج السلبي معنى إيجابيًا . لقد كتبت الديوان تيمنًا بخروج الشعب الفلسطيني من القمقم الذي سجنوه فيه – بمعنى ولادة الثورة الفلسطينية المعاصرة من البحر الميت ” ( ن . م، ص 222 )، وفي مكان آخر يؤكد على ذلك: ” تشبه محاولة الثورة الفلسطينية الخروج من بحر الواقع العربي الميت ” ( ن . م، ص 72 ) . وعلى المستوى الشخصي يقول عن فكرة الديوان – الخروج من البحر الميت: ” رفضت العفن، ورفضت مدائن البحر الميت المتعفنة، وخرجت من البحر الميت كما خرج لوط، لا هربًا من الواقع، بل لكي أؤسس مدنًا جديدة ” ( ن . م، ص 6 ) .

[56] – المناصرة: الأعمال الشعرية، ص 3 .

[57] – المناصرة: شاعرية التاريخ والأمكنة، ص 632 .

[58] – المناصرة: الأعمال الشعرية، ص 439، وكذلك في قوله: ….يجيئك كنعان فابتهجي يا بلاد الندى وقلاع الغمام – ( ن . م، ص 512 )، وهو يوحي بما ورد في التوراة: افتحوا الطريق للإله !

وليس أدل على تشرب روحه في اللفظة من اللعب باللفظة أحيانًا، فيمطه حروفها، أو يوزعها أو يرسمها بصور مختلفة ( ن . م، ص 444 ) .

[59] – لدى إعداد هذه الدراسة قرأت ما يلي للكاتب وليد سليمان: ” ….للأشجار العاشقة أغني.. للأرصفة الصلبة، للحب أغني. .. ولجفرا .. سنغني.. بمثل هذا الشعر الرائع، خلد الشاعر الكبير عز الدين المناصرة أسطورة جفرا.. أسطورة الوطن ونداء الحقيقة وذكريات الناس.. إلى أن باتت جفرا حالة محببة للعشاق وللكتاب.. ولأصحاب المشاريع.. ومنهم هذا المقهى الجديد، هادئ الأجواء طابعه ثقافي فني.. فيه ملامح التراث العربي الشعبي من ديكورات وألوان وموسيقى.. إنه مقهى جفرا الذي افتتح مؤخراً منذ عدة أشهر قليلة في قاع المدينة في عمان- انظر الرابط: http://www.al-arabeya.net/index.asp?serial=&f=3385569186 نقلاًً عن صحيفة الرأي الأردنية 7/4/2007 .

[60] – لا أوافق الشاعر فيما ذهب إليه أن الكنعانية ليست مذهبًا أدبيًا ( انظر: ن . م، 595 )، فيبدو أن قوة التعبير الجارفة التي بدأ بها فرضت لونًا أو نوعًا أدبيًا ستتحدد معالمه – إن لم يكن قد حدد معظمها .

[61] –  يقول الشاعر في قصيدته ” في أعالي كنعان “: ” هن بنات عمي إغريقيات/ …/ هن بنات عمي أمازيغيات …../ هن بنات عمي النوبيات …../ هن بنات عمي صحراويات…./ هن بنات عمي خليجيات……../مؤابيات…..إن وجدتم سفنًا تائهة تجوب القارات/ فهي مراكب جدي كنعان…( انظر:  المناصرة: الأعمال الشعرية، ص 630-635.) . ويبرر المناصرة انتماء الأمازيغية للكنعانية بقوله: ” لهذا  لم تكن الإشارات التي قالها ابن خلدون في وصف البربر الأمازيغ أنهم ” كنعانيون تبربروا” ….وترتبط اللغة الأمازيغية باللغة الكنعانية….”
( انظر: عبد الله رضوان: امرؤ القيس الكنعاني، شهادة عز الدين المناصرة، ص 346).

[62] – جدي كنعان تعبير ورد عشرات المرات في أشعاره وحواراته – ( انظر نماذج أخرى غير التي وردت أعلاه في: ن . م، ص 429، 537، 553، 610 )، بل هو مصدر اعتزاز لديه كقوله: جدي كنعان …جدك من ؟

[63] – المناصرة: شاعرية التاريخ والأمكنة، ص 300 .

[64] – المناصرة: الأعمال الشعرية، ص 688.

[65] – ن . م، ص 569 .

[66] – المناصرة، عز الدين: الأعمال الشعرية، ص 411، 585، 498.

[67] – ن . م، ص 631، 55، 259، 399، 453 . من الطريف أن أذكر أن أولاده الثلاثة أسماؤهم: كرمل، كنعان و دالية، وأن اسم قريته في منطقة الخليل ( بني نعيم ) يحمل اسمًا شائعًا آخر: الكنعانية، وربما لأن هناك آثار كنعانية ورومانية وإسلامية بارزة – ( انظر مقالة العقيلي، جعفر: امرؤ القيس الكنعاني، في كتاب أبو لبن، زياد: ” عز الدين المناصرة غابة ألوان ص 27 ( وقد أخطأ الكاتب في ذكر اسم زوجة الشاعر حيث أورد أنها ” جفرا “، والصواب غير ذلك )، وانظر كذلك: المناصرة: شاعرية التاريخ والأمكنة، ص 586، حيث يؤكد الشاعر أن اسم قريته بني نعيم كان الكنعانية، وهذه القرية تقع شرقي الخليل على مكان عال، وتطل على البحر الميت، وأن فيها الآثار الكنعانية .

[68] –  ن.م، ص 29- مقالة جعفر العقيلي ( م . س )، وقد نشرت المقالة أولاً في صحيفة الرأي 16/8/2002 .

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق