ثقافة السرد

فصل من رواية: صيف ذلك العام

طــاهرة علــوي
ترجمها عن الفارسية: أحمد حيدري

طاهرة علوي من أشهر الروائيات الإيرانيات المعاصرات، ولدت في العام 1959 في طهران، بعد انهائها المرحلة الثانوية غادرت بلادها إلى فرنسا لدراسة الدكتوراه. أصدرت: (امرأة في مهب الريح) 1996 مجموعة قصصية، ( أنا وهايدجر)1997، رواية. (تبدأ حياتي في ايام الثلاثاء) 2000، مجموعة قصصية. (السيدة الكاتبة) 2003 رواية. ترجمت إلى الفارسية الأعمال التالية: (أطول رسالة في العالم) (لكن)، ( وداعا جدي )، ( ضارب الطبل). منعت روايتها( صيف ذلك العام ) -“تابستان آن سال-” في إيران.


-1-
كتب والدي في رسالته:
(ابنتي! لا تفكري في مصاريف الدراسة، إذا اضطررت لبيع الجاكيت سأبيعه لتكملي دراستك).
وسألت نفسي: كم يبلغ سعر جاكيت والدي؟ غير أنه حينما يطمئن على مصاريف الدراسة، يذهب إلى اختيار فرعي بنفسه، وبلا حضوري أيضاً. يرتب القائمة التي تناسبه والتي تبدأ بفرع الطب وتنتهي به:
طب العيون، طب الأسنان، علم النفس، البيطرة، حتى طب التجميل الذي لا نعرف ماهيته لا هو ولا أنا. وإن كانت معرفتي لا أهمية لها هنا كما هي العادة! وبعد ذلك يكتب قيمة الريال مقابل الدولار والبوند والفرنك والين واللير…وفي آخرة الرسالة يعيد ذكر حكاية بيعه للجاكيت.
في كل إسبوع تصلني عدة رسائل من أبي، وتأخذ الرسائل مني شهراً كاملاً لكي أطلع عليها، وقبل فتحها أغيّر مكانها مرات لا تحصى، أحملها من المطبخ وأضعها على الطاولة، ثم أحشرها في درج أو خزانة، وأخيراً أضعها مع الأوراق والملفات المنفية حتى لا تقع عيناي عليها، عندها أسعى إلى تناسيها، مع ألم يعتصرني في داخلي.
كنت أؤخر قراءة الرسائل إلى أن وصل الأمر إلى اتصال والدي بنفسه ليسألني: (ابنتي، هل وصلت رسائلي؟) بالطبع وصلت، ولكن لو قلت له إنها وصلت، فكان علي أن أجيبه على سؤال قادم: (اذاً، لمَ لمْ تردّي؟) ولم أرد أن اكذب عليه، فأجيب بجمل لا ترتبط بسؤاله:
-متى بعثتها؟
النتيجة المنطقية لهذه الجملة من والدي هي (لا)..أنا بعثتها..في حال إني لم أمرّ على ذكرها، وعندها سيحاول والدي جاهداً أن يتذكر متى أرسل آخر رسالة:
-قبل ثلاثة أو أربعة أسابيع، يمكن أكثر، دعيني أرَ، في ذلك اليوم الذي ذهبت فيه أنا وأمك إلى منزل عمك…لا لم يكن ذلك اليوم، أعتقد أنه كان في يوم مجلس تأبين المسيو وارطان … لا لم يكن في ذلك اليوم، إذاً يجب أن يكون في يوم…

والآن حان وقت الشعور بالذنب! لقد أوقعت العجوز ذا الذاكرة الضعيفة في محنة، ولم يكن أمامي إلا مد يد العون له:
– الأمر ليس مهماً والدي العزيز.
– لا…الأمر مهم.
– ألا يمكنك تجاهل الأمر؟
– لا… لا يمكن.
والنتيجة هو أن حوارنا يقذفنا إلى: (هذه البلاد التي لم يبق فيها راع …) يقولها ويزداد حسرة، أعرف أنه في هذه اللحظات، لن يجلس على كرسي، ولا يمكنه أن يثبت في محله، بل يقضي الوقت ماشياً، وهو يمسك الهاتف اللاسلكي حتى يرتفع صوت أمي:
– يا أبا الفضل، دخت.
ولكن إذا سألني: (ماذا عن رسالة أمك، هل وصلتك؟) فأنا حينها أجبر مرة أخرى على اللف والدوران: وهل بعثتما رسالتيكما معا؟
فأوقع والدي مرة أخرى في دوائر ومنحرفات كيفية وصول الرسائل، ومرة أخرى نعود إلى حركة كتابة الرسائل حتى وصولها إلى البريد، لتاخذ أمي السماعة من يد والدي وتقول: قتلتنا برسائلكَ هذه، وهل هي رسائل علي بن أبي طالب إلى مالك بن الأشتر حتى تتابعها هكذا؟
ومن حسن الحظ أن الرسالة لم تكن من طراز رسائل الإمام علي، أو بمستواها، فيقتنع والدي برأي أمي دائما ويسكت.

-2-
كان صاحب النزل إسبانياً خسيساً، وهو دائم النسيان أيضاً. إذ أن الجلسات والحوارات السابقة وتكرارها في جمل خبرية واستفهامية لم تقلل من سوء التفاهم بيننا، وكلما ذكرته بوعوده يحدق بي بعينيه الصغيرتين، من خلف حواجب كثيفة لها استعداد للامتداد أكثر، ويهز رأسه تأسفاً. ولا يتفوه هذا الرجل مجيباً على أي سؤال عن حاله، أو أين كان. وكلما دققت، وأوضحت، ازداد هو في سوء ظنه، وتردده، خاصة عندما يأتي ذكر المال، ذلك إنه حينها يزداد مرضه. أما الشيئ الوحيد الذي يقف عائقاً أمامي، هو أن هذا الرجل هو صاحب النزل الذي أقطن فيه.
وما يحدث هو أني أتقبل ما يشير علي به، وأعترف له بالحق، والحقيقة هي أني أنا الدائمة النسيان، وما عليه هو إلا أن يغفر لي مرة أخرى بكبير عطفه.

وهذه المرة دار الحديث معه عن طلاء الغرفتين، فقد كان مكتوبا في عقد الإيجار بأنه كان قد أخذ تكاليفه من المستأجر السابق! وكان السؤال هو: كم عمر المسيو خوان؟
لم اسأله أنا مطلقاً. فهو يظهر أحياناً أقل سناً مما هو عليه، وأحياناً يظهر أكبر، ولكن له ستون عاما، وأحيانا يعبر حدود المئة عندما يتحدث عن ماضيه، ويقفز مرتمياً من قرن إلى قرن آخر، كما لو كان يشرب الماء. لقد كان المسيو خوان يعاني من الرعشة، رجلاه ترتعشان، ويداه ترتعشان. أما كتفه اليمنى فتعزف لحنا لا ينسجم مع يده. إرتعاشته لا شبيه لها، إنها مختلفة جدا، طبعاً هناك فترات تخف حدة هذه الإرتعاشة، لكنها عندما تنشط فيه فإنها تؤثر على من يقف بجانبه أو حتى من يبتعد عنه عشرة أقدام بموجتها، أما جفنه الأيسر فقد نظم مع عقرب الدقائق ومع مرور كل دقيقة يهتز، ولو أضفنا إليه ارتعاشة القسم الأيمن مع الجانب الأيسر لاكتمل الحفل.
يقول السيد خوان إن كل المصائب التي سقطت على رأسه، كانت دائماً من نصيب القسم الأيسر من جسده، ولكن من بين كل هذا الاهتزاز توقعني هزة رأسه في سوء تفاهم معه، لأني لا أعرف المقدار المرتبط برعشته والمقدار المرتبط بمخالفته لي:
– عذراً مسيو لم أفهم هل أنت مع ما قلته لك؟ يهز رأسه.
– لا توافق على ذلك؟
مازال يهز رأسه.
– إذن أنت مع ما أقول؟
أحياناً، وللاطمئنان، يدور العجوز المسكين بالسؤال، فيتبعني بعينيه الزرقاوين اللتين تختبآن خلف سائل غليظ، وتظهران أكثر زرقة حينما ينظر لي بغضب وبغض، ولا يبقى أمامي إلا أن أقول:
– حسن، حسن، لا يهم، لا تغضب، ظننت أنك تخالفني الرأي.
بعد مرور مدة، أحسست أن حركات رأس مسيو خوان معدية، اذ أثرت علي تأثيراً كبيراً، أفاجئ أحياناً وأنا أتحدث معه فأجد نفسي وأنا أهز برأسي، ثم أخذت كلما أتحدث مع مسيو خوان أثبّتُ رقبتي لدرجة الشعور بالألم.
ورغم كل هذه الاهتزازات يبقى جسد صاحب نزلي رشيقاً في تناسق حركاته الشبيهة بأوركسترا فيلهارمونيك وين.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق