ثقافة السرد

بائع الكتاكيت

*شيرين العدوى

رائحتهم محببة لأنها تذكرها برائحة الأطفال الرضع. الأم المخلوق الوحيد فى هذا الكون الذى يفرح برائحة المولود، خصوصا عندما يرتد بعض من اللبن الذى طعمه من فمه الصغير ويسيل من بين شفتيه الرقيقة فتبادر بمسحه بسعادة غامرة قائلة :
“صحة وهنا”.
رائحة اللبن تلك التى تخرج من بين ثنايا الجسد كعرق ومن بين خصل شعره التى تنبت بالكاد هى الرضا الكامل للأم وهى نظرة اطمئنانها أنها أدت الرسالة بإطعامه ورعايته. وكلما اشتد عوده الغض فرحت وتهللت . تقول فى نفسها عندما تحمله بين يديها وتتحسس ظهره عندما تستقر رأسه على جسده فلا تترنح كبندول ساعة خرب يمينا ويسارا :
صلبت عودك يا كلبه ، والله وكبرت يا قطة.
كل هذه المشاعر انتابتها وهى تتفقد الكتاكيت الخضراء الصغيرة التى اشترتها من عدة أشهر من بائع فيومى كان يرتدى جلبابا سماويا جميلا وطاقية بنية اللون تشبه جذور الشجر. تساءلت لماذا يضع الطاقية فى رأسه هل لأن الأرض تنبت بفضل السماء ، أم لأن الكون دائرة يغلف بعضه بعضا ؟ يأتى هذا الفيومى كل يوم خميس من كل أسبوع. الخميس فقط. يجلس في هيبة دون أن يتحدث ودون أن ينادى كأصوات البائعين الآخرين ليبيع كتاكيته .
يجلس كأنه امتلك الكون بحفنة الكتاكيت تلك وهم يمرحون أمامه فى شمس الخريف الصباحية يفردون أجنحتهم ويهتزون لطرد كل ما علق بهم من الكسل ويصوصوون بصوت محبب يدل على الفرح . غالبا ما يحدث أحدهم نفسه بالخروج عن السور الذى صنعه لهم من جلباب آخر بنفس لون الجلباب الذى يرتديه. فهو يلفه بطريقة غريبة كأنه قطعة قماش معصورة مهملة من يوم مسح شاق لأسرة رقيقة الحال قامت به الفتاة الفتية لديهم ثم تركت قطعة القماش تلك فى ركن من الحمام ونسيتها لليوم التالى فاشتدت صلابة والتفافا حول نفسها . الكتكوت المتمرد فى المجموعة يهم دائما بكسر قاعدة الانتظام . فلابد أن يكون هناك من يتمرد فى كل المجموعات. أما البائع فلا يعيره أدنى اهتمام يحاول الكتكوت ويحاول لكنه ما يلبث أن يعود إلى مكانه بين أقرانه يلتقط الحب من على الأرض أو ينقر أخاه كأنه يداعبه ؛ فلا أرض غير أرض البائع.
فى اليوم الذى قررت أن تشترى فيه الكتاكيت مرت أمام البائع تأملته فلم ينظر إليها ، ولم يطلب منها أن تشترى كتاكيته أو تتفقدهم .
هو عادة لا يرغب فى هذا كباقى البائعين ولذلك وجوده يستفز الآخرين لكنهم يهابون جانبه فلا يتطاول عليه أحد. فهو الصامت أبدا. يأتى لا يحدث أحدا يفرد الكتاكيت يطعمهم ويسقيهم ويجلس أمامهم يرقب حركاتهم ولا يتدخل فى يومهم إلا إذا وقع أحد الكتاكيت فى مشكلة بسبب شقاوته فيخلصه منها. كأن مثلا : تعلق قدم أحدهم بحبل مهمل على الأرض، أو تغوص رأسه في الماء بسبب محاولته الاستحواذ على أكبر قدر منه دون أقرانه. فما إن يرى محاولة النجاة الصادقة من قبل الكتكوت المأزوم حتى يمد له يد العون ويخلصه.
وقفت أمامه مترددة هى غالبا تخشى المسئولية وضميرها دائما يقظ إذ كيف ستربى هؤلاء فى المنزل؟ لكنها تحب رائحة الطفولة فيهم وشقاوتهم وريشهم الأصفر الصغير.
فى هذا اليوم بالذات مرت أمام البائع عدة مرات والبائع كأنه لا يراها ثم فجأة قررت الشراء. استغربت وهى تسأله عن سعر الكتاكيت فيرد:
-أنا ما باخدش فلوس لكتاكيتى خديهم بس راعيهم .
-بس انت بتبيع وأنا باشترى أمال قاعد فى السوق ليه؟
– وأنا باقول لك أنا مش باخد فلوس وطالما رايداهم خديهم هديه. وفرى فلوسك لأكلهم .
أخذتهم ومضت من سيرد صفقة مثل هذه. عادت وضعتهم فى مكان جميل جدا من البيت كلمت نجارا من قبل لصنع هذا البيت خصيصا لهم عندما فكرت بشرائهم وزودته بالإضاءة للتدفئة. تستيقظ صباحا تتأملهم تطعمهم وتسقيهم وتنظفهم وتتركهم على حريتهم من يود أن يتجول في المنزل تتركه يجوب البيت على حريته، و من يتمرد على طعامه ويود أن يتذوق طعامها تعطيه كله له. الشئ الوحيد الذى تتشدد فيه هو تعليمهم قواعد الحياة.

بدأت الكتاكيت تشب عن الطوق وتغير ألوانها ويظهر لها عرف صغير كأنه تاج على رأس كل منهم . فى اليوم الأول لهذا النضج وجدت أحدهم يعرج هرعت للطبيب فأخبرها أنه يعانى من مرض خطير لكنه غير معد وأنه سيفقد عمره بعد عدة أيام بسببه وليس له أى دواء كل الأدوية مسكنة . جلست تبكى وتنتحب وتحاول أن ترعاه وتأمل فى الشفاء، لكن أمر الله نفذ فمات بعد عدة شهور . فى اليوم التالى استيقظت لتجد آخر قد مات دون سبب. فبكت وانتحبت ثم أخذته وكفنته بجانب أخيه. بعد عدة أشهر أصر أحد الأفراخ أن يغافلها ويذهب إلى شرفة المنزل ففقد توازنه واختل وسقط من الشرفه وسلم روحه ومات هرولت وكادت روحها تزهق وأخذته لأقرب مستشفى ليخبرها الطبيب أنه مات. بعد عدة شهور مرض أحدهم فقال الطبيب لابد من إجراء عملية له. لم يكن لديها ما تنفقه من أجل العملية فباعت خاتما من خواتمها الماسية الباقية من أيام العز وجلست بجانبه تراعيه. نجحت العملية وفور خروجه بعدة أيام أسلم روحه ورحل.
بعد رحيل الأخير حدث ماس كهربائي بسبب الشغالة التى لم تنتبه جيدا وهى تنظف بيت الكتاكيت فقامت على صرخة واحدة مدوية لتجدهم جميعا قد أسلموا أرواحهم. أخذتهم والحزن يلف روحها ودفنتهم فى نفس مكان إخوتهم الآخرين.
بعد عدة أيام زارها في المنام بائع الكتاكيت وأعطاها رداء سماويا فارتدته.
فى المساء رن الجرس عليها أحد جيرانها والمسؤول عن أخذ أجرة البواب من السكان. فلم تفتح. شدد الطرق حتى بدأ باقى الجيران ينضمون إليه فى طرقاته عليها. فلم يجدوا استجابة . طرقوا باب جارتها العجوز النائمة أغلب الوقت، فخرجت لهم ثم قالت :
مشفتهاش والله من يوم ما دفنت فراخها . حتى البت الشغالة ما عادتش بتيجى من يومها دا حتى فنجان القهوة بتعها مع حتة الملبن وحشنى .
أعطت لهم أجر البواب لها ولجارتها المختفية وأغلقت الباب.
طلبوا الشرطة وكسروا الباب وجدوها ميتة ترتدى جلبابا سماوي اللون .اتصلوا بالأهل ودفنوها. وعادوا.
يوم الخميس جلس بائع الكتاكيت بثوبه السماوى ومرت أمامه فتاة “مترددة ” تحب رائحة الطفولة فى الكتاكيت.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق