قراءات ودراسات

فخُّ الياقوت للشاعرة نهلة كابري: شذرات زرقاء تلقِّم الرياح

الكيلاني عون*

عن دار ميم للنشر بالجزائر، لصاحبتها الكاتبة آسيا علي موسى صدر للشاعرة الجزائرية كتاب (أقرأُ للريح.. أكتبُ لي) يضم شذرات بالغة الاختلاف. متعة القراءة لهذه المجموعة تؤكِّد ـ بقدر خصوصيتها ـ نقاءَ الذائقة لدار ميم حيث يُصاغ الجمال بكل بهاء. هذه قراءة مستمرة للمجموعة.

لا تُضاء الذكرى سوى بنسيانها، بما تشيِّده من منارات الهواء إزاءَ وردةِ ذاتها، إنها إعادة ترتيب للفراغ كأثاثٍ متّزنٍ بلا منازعة مهدورة، متحاشياً كعلامات استنطاق وصفَ المخبوء بالكينونة المتلاشية للزّفير.
هناك أشياء تُكْتَب لتذكِّرنا بمحوٍ ضروري، لتحيل عجزنا زرافةً جديدة في حديقة السؤال:
(لا أكتبُ لأكرّس شيئاً ما
أنا أمحو)
أو:
(ما أكتبه هو هجاء لما لا أكتبه)
منطوقٌ تآزري قيمي للعلاقة بين ذاتٍ تمرئي رفوفَ المجازات الكبرى وبين عالمٍ يكتوي بجمرة الوفاق اللامبرهَن سوى كإشاراتٍ تمرِّر لصفقةِ الرسوِّ بين بيضة النشوء وعسس المرتهَن لمهارات التجنيس الافتراضي للنص.
الشاعرة نهلة كابري لا تعير التداولات الوظيفية للأنواع التفاتاً، إنها تكتب فقط:
(أكتبُ خلف نافذةٍ مغلقة
أكتبُ وأنام.)
الاكتفاء الأسطوري بدوال المنجَز كمُعاشٍ لحظوي لا يتأثّر بمنظومات التلقِّي المتعارَف أو حتى الترميمي لكائنات التأويل المنهَك بمراميهِ.
ترسم الشاعرة دائرة احتفال طقوسيٍّ غير صائت:
(لكن اللغة تفتح الباب وتفسد كل شيء)
شيء يخاتل الغرفة ويتداعى منبهراً بضوء لا يدري منبعه، اللغة ذاتها ضليعةُ النهم السرِّي تجرِّب معجزةً فضفاضة بركونها للتقليد/الكلام ثم الصور، شيء يوزِّع رجاحته اللامطلوبة مثل منحةٍ غير مرتقبة، ورغم ذلك تحدث الريح وتنتظر:
(أيتها الريح
أنت أول من وقع بالحب
أما أنا فمازلتُ ألتفتُ)
لا تُعار النظرةُ لشيءٍ أو لأحد، إنها التقاطة مشغولة بلحظة صياغتها للخطاب التعاضدي بين الأشياء، ولا تُسترَد أيضاً فيما القياسُ رهينة لا تشابهه:
(على مسافة من العالم
أُفاوضُ الحياة: كم تبقين لي من الحواس
حتى استسلم لك؟)
إنها وظيفة اللامكلَّف بغير الرؤيا، بغير السؤال النهم عن فكرة الحقل الذي سنؤسِّسه قبل عبوره، قبل نسيانه لاحقاً:
(أبحثُ عن مكان تحدث فيه الأشياء بلا أسلوب)
و:
(العزلة علَّمتني كلَّ شيء
ـ كل شيء تقريباً ـ
باستثناء الانتماء)
إنه بحث يتماهى والجوانيّ في انتفاضاته ضدَّ المتعيّنات الظاهرة كافتراسٍ مخدوم للارتباك والاكتفاء بتاريخ مغلَّف بوصايا مهذَّبة لكنها بلا حراك.
نهلة كابري صوتٌ تخاله الريحُ نقشاً فضّيّاً على جبين أمازيغي، لكنها رويداً ستكتشف وردةً مغايرة للسائد، وردة اختزال مطلق للمعنى، لمفاتيح المضمَر دون خدشه بمعاول اللامجدي.
لن يُتاح للقارئ هذه المرة استعادة نظرته لخيال المنحة، عليه أن يعذِّب درايته القديمة بالمعاني، أن يجاهد ليكون:
(مسعى الحقيقة عشوائي
أما
أنا
فحرَّة)
تنظر الشاعرة نهلة كابري بحذر إلى ارتباكة الخارج بحمولاته المتهافتة على أرباح الرماد وعياً بمضمرات الحدس:
(ليس كل شيء موجود هو حقيقي
من الجيد أن هناك فراغات وأحلاما لم تروضنا بعد)
الحقيقة التي هي غالباً أكاذيب وتصوّرات اعتداءٍ على شراكة الزمن وتمويه عاجز عن اثبات جدواه، فليست كل حقيقة وارفة الظلال عندما تكون سخاءً افتراضيّاً لعقوبة الانوجاد الخطابي، عندئذ يُلمح الفراغُ الزكيّ بذلك الدنوّ الزاخر بالجدوى، والأحلام التي تُصاب نشوى بلا انضوائنا:
(لستُ لطيفة..
أكتبُ ما أنا عليه فقط
لأن معجزةً ما تلاعبتْ بي
وضَعتْني الحقيقةُ في الفراغ المتألِّم.. وهرَبَتْ)
يريدنا الشعرُ أن نكون حقيقيين بلا مقابل، بلا أجرٍ:
(ليس هناك مقابل لأن تكونَ حقيقياً، إلا أن ((لا يكون هناك مقابل))
هل يمكننا الحديث عن مكتوب اللامكتوب؟ أو رؤية اللامرئي؟
إنه اتساع الرؤيا ما يفضي لمتخيَّلٍ واحد للأشياء “ضيق العبارة” نشداناً للبياض النادر، اللاشيء الزاخر بالكل والعابر كجناسٍ ملموس:
(يهرب الشعر من نفسه أيضاً
لكنني أسمع جرسَه في غبار الغبار).
النصُّ الحقيقي غيابٌ غزالٌ مفرط الدنوّ أيضاً، ارتكابٌ للمجذاف المعصية لتحرير النوم من يقظة اللغز الماهر باقتناء الأشكال القابلة للتأويل/الحلم:
(كل يوم أستيقظ وأنام
بعينين فارغتين ـ
تماما ـ
لولا حميمية الشكّ)
إنه الشكُّ القادر على قراءة الكون وكتابة المأوى، شكٌّ يقلِّب الهواءَ ليستعير ما لا وجود له أحياناً، أو لينجز حاجةَ التفرّد:
(وجهي منصّة هواء
تسقط منه الهالات القديمة وتولد أخرى
من بحر بارد داكن وحي
.


.
أتحايل لأشفى، أشفى لأتحايل)
تبذر الشاعرة القَسم المكبوت لما لا يُقال في أقصى ركنٍ من الغياب / الحضور، تمحو لتضيف محواً يموِّه الحياة والموت وينتبه لمحيل اقتصاد الصورة البلاغي لتكثيف المضمون المتفلت من وهم الأجناس التاريخيّة للكتابة.
لا تعيين للبهجة مثلما لا تتّكئ بالتمام ـ هذه الشذرات ـ مع المفهوم الانتهازي لفكرة التباين التحليلي للنوع الخطابي كتحديدٍ صارم بمعناه القاموسي الذي هو في ضيافة الارتباك البنيوي.
الشاعرة نهلة كابري تصوغ عالماً ينتمي لما نتذكّره سعياً لنسيانه مجدداً، ما نراه لنكتشف ضباب العين والصورة وبالتالي ينهض الاعتراف القاسي بأن الكتابة إيذانٌ بالنقيض والحقيقيّ:
(أيّها الشعر، قف هناك
أنتَ تشعل روحَ سجينٍ لن يذهب إلى أيِّ مكان)
منذ المقدمة القصيرة، المعادل الكياني للـ (غرفة المؤقتة) حيث الخروج مسألة تبويب لما يمكن اكتناهه وحتى الشذرة الأولى تتحسّس الشاعرة نهلة كابري العالم بما يضطلع برسم المقاربة المبكِّرة:
(الآن
أفتحُ البابَ
أيّها العالم: نتشابه كدمعتين).
نهلة كابري فخٌّ قارئ للأنماط ومعجونٌ بالياقوت، لذا يستهويكَ أنْ تُصاد، أن تقرأ وتتمرَّن على الامتلاء.
أن تنسى لتتذكَّر كل شيء وتجد ضالّتكَ:
(أنسى؛
أصحح الأشجارَ وأغطي قلبي بهالةِ عزاء.
أنسى؛ وكل يوم يزورني الصياد بعشرة عصافير.)
نسيان مأهولٌ بصوره، بأشيائه الذاهبة كالمجيء، نسيانٌ معرفي يؤطِّر حكمةَ ما يُمنَح بالتأمّل وترويض المنظر بالكلمات، وليست أشجاراً تلك التي لأجلها يطير عصفور اليد، إنها بداية تقويض التاريخ الحكائي للرؤيا لذا فالصياد سيروي نموذجاً آخر للكنز ويأتي بعشرة عصافير وقعت عليها العينُ تقول نفسها بصور مبتكرة.
إنه تغلغلٌ غنائي في صورة الصورة / مجاز المجاز، وستمظهر التحويلات الوظيفية للجملة نسقاً لا مهتمّاً بكينونة تاريخ المفردة كرسمٍ استعاريٍّ للمعنى قدرَ انفتاحها عمّا تستثمره تجاورات المكبوت الاشتقاقي لدوال المضمَر أو مسمّيات لا موجوديته أساساً كخطرٍ لا تواصليٍّ غالباً:
(بين تلك الغيوم؛
تُخفي الحياةُ مأزقَها الرّمادي.)
استعادات مفرطة للذهول الكياني المنكفئ على مصائره الغامضة، محاولة لاستدعاء اللامنظور إليه، تمثُّل ذهابهِ ببوصلةٍ مكسورة لفراغ وشظايا:
الغيوم هنا / ك …… المأزق الرماد….. الإشارة للبعيد سريرٌ للريح: المخاطَب الرئيس الذي يظهر ويختفي ويسرد أمومةً تاريخيّة:
قالتْ لي الرّيح:
“أنتِ الآن محمومة،
وربّما كنتِ ابنة قوْس وسهم”
لكن ابنة القوس والسهم ترى عالماً من الأجنحة يطوف بالخارج وكان على مقربة من اختبار الصورة المتعالية عن الذهاب:
(كلما رميتُ سهما نبتتْ له أجنحة.
أحبُّ هذا الفراغ العظيم؛ كما لو كان أنتَ.)
فضاء يتأثّث بسهامٍ تطير وتأخذ حصصَ النظرة التالية لما يمتلئ بفراغهِ/ الفراغ المشحون بدلالات الانوجاد نفسه، لا سبيل إذاً لتمويه الحياة/ الحب بالغياب، ولهذا الفراغ مهنة تُحتسَب:
(لست حزينة؛
الفراغ الذي لا يروضني ينقضي بحسرة.)
مفردة (الفراغ) المتعدّدة النبض لدى الشاعرة بحاجة إلى قراءة لا تتوخى الرنين الظاهر لها بقدر التفكير بالأشياء والأصوات كأعمارٍ تُبْنَى داخل سياجها وتطل بوجوهٍ مستعادة للزمن كيقينٍ يجسِّد عمولات الارتواء:
(أتعبتني الدائرةُ؛ أوّلْتُها إلى حب ونسيتُ.)
كيف نكتبُ الريحَ، نكتبُ لها، ثم من سوف يستعيدنا كلَّ مرَّةٍ من ذواتنا القابعة بمكانها قدر تناميها بمنأى عن سطوة الاحتواء، من يرسم تلك الفاقة الغنيّة بالضحك واللامبالاة؟ بالجدوى وخسارة السأم اللذيذ أحياناً؟:
(أتعبتني الدائرةُ ……)
ثم:
(جادة حد القلق؛
حتى أن كل شيء يبدو مضحكا.)
هو الوجود المتعيَّن كشراعٍ بين نقيضين يتناوبان ذُرّية الصورة الذهنية لفكاهةِ القلق وحسنات الصمت، سيبدو التجلي ضروريّاً لإيقاع العالم في مختبرات السّديم المتّقد بخيال العلاقة بين الكاتب والكتابة ذاتها.
سيبدو هذا النشاط تماهياً واحتجاب المنظر بشكلٍ مفرط الانغلاق أو تكريساً لموت المؤوِّل حتى ضمن أصغر تفاصيل الحاجة لتدارك ما يُنتج كشراكة تفترض دائرية خطابية تمتلك حقوق الاندماج التأويلي : نصّ / قارئ يمكن تلخيص الكتابة ـ كحالة انهمام رمزي بأنها نظام تجاور التصوّرات اللامرئية أيضاً كمحيلات استنطاقية لا مدوَّنة تستبدل إرثَ المتعارَف بمجازات تتماهى ومسلمات المعتقَد الاستعمالي/ تختزل حمولات باطن الظاهر : مجازَ المنعوت ـ إذا استقرّت التسمية ـ الكلمات ذكرى الصورة، نسيانها أيضاً، والشعر:
(يُكتبُ الشّعْر ليظلَ مخفيا.)
حيث كل كتابة له هي نذيرٌ بالتشظي، بالاختلاط وكائنات التأويل، ربما لهذا نجد المغنّي الجبليّ أو القروي ينأى بصوته عن الجموع وعن آلاتٍ غير الريح، يبتعد ببكائه وفرحه ليغنِّي، لتجمعه الكلمات وهي تراقص الفضاء المليء بالأصوات (نجد بعض المغنين الشعبيين يغطّون وجوههم كأنهم ينشدون لشعبٍ متّزن الخفاء) كأنهم لا يعترفون بهذا الجسد الظاهر للعيان وهو يغنّي، كأنهم هم فقط بلا آخرين، لا مبالغة:
(لم يعدْ بإمكان الشعر أن يبالغ؛
كل مبالغة الآن هي فضيحة.)
إننا جزءٌ حقيقي ممّا نكتبه أو نقوله،
لا يوجد انفلاتٌ مطلق من أواليات التأسيس وهموم الانتماء لكيانٍ تأويلي لا منطوق غالباً ما يثير بدايات الخلق الإبداعي ولكن تلك المسافة تختلف من تكوّن إلى آخر ومن ذائقة إلى أخرى ، الكاتب بطبعه موجود ضمن النص بل ربما يطوِّقه تماماً ويقوله كجزءٍ أساس ، إننا منحازون بطبعنا وتكوّننا لقياسٍ ما نقدِّر به أحجامَ تفسيرنا للكون وللأشياء ، ( أنا نصِّي أيضاً بتأويلٍ ما ) كل كاتب هو الخيار لما يبدأ وما ينهي ، لا شأن لانسلاخ كامل عن الواقع الذي يقتصدنا لنكبر ضمن حدوسه ولكن الأمر يتجاوز هذه المتاهة اللفظية إلى عمق مغاير فحدود الانحياز ذاته لها ممراتها وأهدافها وخصوصياتها:
(أعطيتكَ قلبي أيها الشعر، خذْه إلى حانتك البعيدة..
اُنْبشْ عزلته.. وأخْبره –
بلسان بارد –
أنه لا يتنفّس ولا يطير.
الخريف؛ حمى المطر الأول.
الربيع؛ حمى الزهرة الأولى.
النّهار؛ مشهد ترويعي بليغ.
الحقيقة تلعبُ وتدور؛ بينما الشاعر ينصبُ لها الفخاخ ويتألم. الصبح؛ قدّاس سخي يضع كل شيء – بين يدين نائمتين تحت بذاءة قلبي – ويمضي مبتسما.
القمر مصقول بنار حزينة؛ وحيد تؤنسه الفرائس
الليل؛ شاعر ينتصر بغلو في نهاية المطاف.
الضحك يرتب الأسئلة.. البكاء يخلطها.
الغواية هي ابتسامة طيبة وحزينة.
الكتابة هي بيت الوحدة؛ هناك حيث نتحرّر من الإكراهات ونتفتح.
العتمة صماء تطعن.. الضوء يلمع ويطعن.. وحده دمي نضر كغريزة جديدة.
الهشاشة فينا؛ الفراشة مجرد ذريعة لقول ذلك..
كيف يتوقّف صمت لم ينقسم؟!)
الشاعرة نهلة كابري تسمِّي جوهرَ الكلمة، تتخلَّص تماماً من سِجلات المغزى القديم للجملة لتعيد النهر إلى حالته البِكر وبوعيٍّ طقوسيٍّ تتذكَّر المفردة قبل نشوء الصورة الممكنة للمعنى ولتجاور الدلالات المفعمة بالصدق والمرارة أحياناً.
نهلة كابري ياقوتة نادرة تلقِّم الرياح بشذرات زرقاء وتقول الشعر كمن يحلم برسم فضاء عاشق، فضاء يستجيب لكل الذين يحلمون بفخِّ الياقوت.

*ليبيا

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق